إدلب و ريف حماه .. سيناريوهات سياسية بإطار عسكري

وفق معادلات الميدان التي أنتجتها المنظومة العسكرية السورية المُنتجة لجملة من الانتصارات الميدانية، تم رسم خرائط العمليات العسكرية في ريفي حماه و إدلب المتداخلين جغرافياً، لكن تشابك المعطيات الميدانية و التعقيدات السياسية التي تؤججها دول العدوان على سوريا، أفضت إلى تخفيف تكتيكي في حدة العمليات العسكرية السورية في مناطق سيطرة الإرهابيين، فـ بعد فشل مباحثات أستانا في نسختها الثانية عشر، و التي لم تُعطي نتائج يمكن البناء عليها في التأسيس لحل سياسي متوافق مع رؤية دمشق، إضافة إلى استمرار تنظيم جبهة النصرة الإرهابي بالاعتداء على نقاط الجيش السوري المنتشرة في ريف حماه الشمالي، و استهداف المدنيين في المناطق الآمنة، مع سعي حثيث مارسته الفصائل الإرهابية للاعتداء على قاعدة حميميم العسكرية، كل هذه المعطيات باتت واقعاً عسكريا لا يمكن معالجته سياسياً، و عليه بدأ الجيش السوري و حلفاؤه بالعمليات العسكرية الممنهجة، ذات التوقيت الاستراتيجي، و التي تحمل رسائل بمعاني متعددة إلى دول محور العدوان على سوريا، و على رأسهم تركيا، التي لا تزال تناور سياسياً باحثة عن مكاسب تُحقق لها تفاوضاً بشروط ذهبية.

سلوك الفصائل الإرهابية المرتبط بالسلوك التركي دفع سوريا و روسيا و إيران إلى اتخاذ إجراءات تحشر تركيا و فصائلها في زاوية اللا عودة، و بالتالي لا بد من تفعيل مقررات سوتشي واقعاً عملياتياً، أي تنفيذ البند الثامن من اتفاق سوتشي الخاص باستئناف النقل عبر طريقي حلب – حماه، و حلب – اللاذقية، حيث نص الاتفاق صراحة على استعادة طرق نقل الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية العام 2018، مع تعهد الجانبين ” الروسي و التركي ” بتأمين الحماية اللازمة لهذين الطريقين، لكن المناورات التركية المستمرة أسفرت عن عدم تنفيذ هذا البند، خاصة أن جبهة النصرة الإرهابية تسيطر على قسم كبير من طريق اللاذقية – حلب، والذي يمر في ريف إدلب الجنوبي، و بالتالي بات واضحا أن العمل العسكري جاء في توقيت سياسي ضاغط على تركيا، ما يعني ضرورة سيطرة الدولة السورية على مدن وبلدات مهمة في ريف إدلب الجنوبي، منها معرة النعمان و سراقب، والسيطرة الكاملة على ريف حماة الشمالي.

السيناريو الذي اعتمدته الدولة السورية لجهة تحرير إدلب و ريف حماه الشمالي، يبدو أنه غير متشابه مع سيناريوهات تحرير أحياء حلب الشرقية و الغوطة و دير الزور، فالتوقيت السياسي و العسكري المرتبط بهذه المناطق يختلف طبقاً لاختلاف طبيعة المعارك و جزئياتها، إضافة إلى تأثير العوامل السياسية الخارجية التي كانت تُرافق المعارك العسكرية في المناطق المذكورة سابقا، يضاف إلى ذلك جُزئية توفرت في المعارك السابقة، ألا و هي ترحيل من يُلقي سلاحه إلى إدلب، و بالتالي فإن الظروف السياسية و العسكرية التي تُشكل جسراً استراتيجياً للدولة السورية من أجل العبور إدلب و ريف حماه الشمالي، مناسبة جداً لجهة تحقيق مُنجز عسكري سيتم ترجمته سياسيا، فلا خيار أمام الفصائل الإرهابية إلا القتال حتى الموت بنيران الجيش السوري، و إما الاستسلام غير المشروط، فـالجزئية التي اتسمت بها المعارك السابقة لجهة الترحيل إلى إدلب لم تعد متوافرة الآن، و عليه فإن العامل الضاغط على الإرهابيين و داعميهم قد تدفع بهم إلى انتحار جماعي، فما بين نيران الجيش السوري و منجزراته، و بين تفكك منظومة العدوان على سوريا، باتت كل المعطيات السياسية و العسكرية بيد الدولة السورية و حلفاؤها، مع الأخذ بعين الاعتبار المناورات الأمريكية التركية الرامية لتعطيل أي حل سياسي في سوريا، و بالتالي فإن أية سيناريوهات سيتم اعتمادها لإرباك العمل العسكري في إدلب و ريف حماه، قد تظهر على هيئة تصعيد عسكري محدود ضد وحدات الجيش السوري و حلفاؤه، فالعلاقة العضوية بين واشنطن و أنقرة و الفصائل الإرهابية في الشمال السوري، ستُترجم سلوك عدواني بشقيه السياسي و العسكري ضد سوريا، لكن الجيش السوري و الزخم الهجومي الذي يمتلكه، و التكتيكات العسكرية الناجعة ستتمكن من احتواء أي سيناريو عدواني من قبل الفصائل الإرهابية و داعميهم.

ضمن العديد من المعطيات التي سيفرضها إيقاع المعارك في إدلب و ريف حماه الشمالي، قد نشاهد سيناريو تلجأ من خلاله تركيا إلى التفاوض مع موسكو من أجل تحقيق مطالب دمشق، و في جانب أخر تفعيل مقررات سوتشي لجهة المناطق المنزوعة السلاح، ليتم في وقت لاحق البناء على الواقع الجديد الذي سيفرضه الجيش السوري، و الذي سيؤدي بلا ريب إلى إنتاج مفاعيل تُحقق منظومتين سياسية و عسكرية، و سيتم اعتمادهما من أجل تحرير إدلب، فالضغط السياسي و العسكري بات عاملاً مؤثراً على رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، تركيا لم يعد باستطاعتها احتواء التنظيمات الإرهابية و تشعباتها و ارتباطاتها الإقليمية و الدولية، و هذا ما يُفسر الصمت التركي حيال المعارك و تقدم الجيش السوري في ريف حماه الشمالي، و إسقاطه لمعاقل الإرهابيين تباعاً، و لعل تصريح زعيم جبهة النصرة الإرهابي أبو محمد الجولاني يأتي في سياق التخلي التركي عن هذه الفصائل، فـحين يخرج أبو محمد الجولاني إلى العلن لشرح أسباب تراجع قواته أمام تقدم الجيش السوري في ريف شمال حماة، فهذه إشارة واضحة إلى أن موازين القوى تسير في غير صالحه، حيث أن اندفاعة الجيش السوري أربكت حسابات الجولاني و سببت تصدعاً في صفوف إرهابيه، إضافة إلى تخلي معظم داعميه عنه، و عليه فإن تركيا أبدت في جانب سياسي متعلق بالتوقيت العسكري للمعارك رغبتها في تصحيح المسار الذي دأبت عليه خلال سنوات الحرب على سوريا، لكن في المقابل، فإن السلوك التركي جاء نتيجة قوة الجيش السوري و وثباته التي ستؤسس لمعادلة الانتصار الذهبية.

في النتيجة و بعيداً عن أي سيناريو أو مراهنات إقليمية و دولية، إدلب ستعود إلى سوريا سلماً أو حرباً، فالقرار السوري بتحرير كل الجغرافية السورية بُني على معادلة الإرادة الصلبة و التضحيات الجمة و الحق السيادي، حيث أن قاعدة الرئيس الأسد بتحرير كل مفاصل الجغرافية السورية من الإرهاب، لا زال يتردد صداها لدى أعداءه، فلا مساومات و لا مصالح إقليمية أو دولية ستؤسس لأي سيناريو لا يُحقق السيادة السورية الكاملة على كافة أراضيها.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى