لماذا اسطنبول؟

راقت لأردوغان أجواء التفكير والتدبير، منذ أن صدر قرار المحكمة العليا للانتخابات، المتعلق بإلغاء نتائج صناديق الاقتراع لولاية اسطنبول، والتي ظفر بها المرشح عن حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو.

تجلى هذا الانشراح في أسارير أمنياته خلال تصريحه الذي أدلى به بُعيد قرار المحكة العليا حيث أثنى على القرار ووصفه بالديمقراطي وبأنه يصب في مصلحة الشعب.

في المقلب الآخر تساءل كمال كلتشدار أوغلو، لماذا فقط اسطنبول؟ مخاطباً أردوغان، لماذا لم تشكك بنتائج باقي المدن الكبرى وحتى الصغرى؟

بينما علق أكرم إمام أوغلو بأن هذا القرار هو اغتيال للديمقراطية وطالب كافة الفعاليات المجتمعية بعدم الصمت، فإن اختاروا الصمت هذا انتحار وإن اختاروا الكلام فهو ولادة جديدة للديمقراطية مؤكداً أن، كل شيء سيكون أجمل جاعلاً من العبارة شعار حملته الانتخابية الجديدة.

٤٧ يوم حتى موعد الاقتراع الجديد لمنصب بلدية اسطنبول الموافق ب ٢٣ من شهر حزيران المقبل …

سبعةٌ وأربعون يوماً، هي مهلة مهمة لأردوغان لإعادة ترتيب أوراق السياسة الداخلية للخروج من مآزق عدة جعلت من شعبيته تتراجع خصوصاً تلك المآزق المتعلقة بالاقتصاد وتراجع الليرة التركية أمام الدولار التي خلقت أزمة البطاطا والبصل إضافة إلى بعض الخضراوات المهمة في طبق العائلة التركية حيث قامت مؤخراً مطاعم كثيرة بإلغاء أصناف متعددة من أطباق السلطات في قائمة الوجبات الخاصة بها نتيجة لإرتفاع الأسعار الكبير.

بالتأكيد أن أكرم إمام أوغلو لا يملك عصى سحرية لحل الأزمة الاقتصادية في ليلة وضحاها ومن منصب رئيس بلدية اسطنبول ولكنه بالمطلق كان سيتمكن من إنقاذ مليارات الدولارات سنوياً من خلال نافذة بلدية اسطنبول هذا المبلغ الموزع بين المدارس والجمعيات الدينية وبين شركات تجارية وإعمارية لصالح أردوغان وعائلته وحزبه حسب ما نشره الموقع الألماني دويتش ويلو الناطق بالتركية.

لماذا اسطنبول؟ ((بالمعنى الاقتصادي))

اسطنبول الدجاجة التي تبيض ذهباً لتركيا إلا أن شعبها يأكل القش الذي يحتوي البيضة، بينما يستفيد حزب العدالة والتنمية مليارات الدولارات سنويا.

حيث بلغت ميزانية اسطنبول لهذا العام من الموازنة العامة للجمهورية التركية ٢٣.٨ مليار ليرة تركية أي ما يعادل ٣ مليارات و٧٢١ مليون دولار (باستثناء الكسور وذلك حسب سعر شراء الدولار ب ٦.١٨ أمام الليرة التركية).

  • حصة اسطنبول فقط من المديرية العامة للطوروماي الكهربائي والقطار النفقي وإدارة المياه والصرف الصحي مايقارب ٣٥ مليار ليرة تركية أي ما يعادل ٥ مليارات و٦٦٣ مليون دولار (أيضاً باستثناء الكسور).
  • حصة اسطنبول من تداول ٢٨ شركة ما يقارب ٢٤ مليار ليرة تركية أي ما يعادل ٣ مليار و٨٨٣ مليون دولار (باستثناء الكسور أيضاً).
صحيفة جمهورييت
صحيفة جمهورييت تنشر معلومات عن تحويل ٢ مليار و٦٧٢ مليون ليرة تركية

ناهيك عن شركات القطاع الخاص والتي بلغت ٥٠٠ شركة تعتبر من الشركات الهامة على المستوى العالمي حسب غرفة الصناعة التركية. أيضاً لقطاع السياحة في اسطنبول وقطاع التجارة قوة مضافة هناك تفاصيل كثيرة لا يمكن حصرها في مقال بل تحتاج إلى دراسة مفصلة.

لذلك نرى اسطنبول بالنسبة لأردوغان كمغارة علي بابا لا يجب أن يستولي عليها أحد سواه وحزبه، فكل الدعم مباح ومتاح للمدارس والمعاهد والطرائق والجمعيات الدينية ففي وقت يعاني به الشعب التركي ما يعانيه من اختناق جراء الأزمة الاقتصادية نشرت صحيفة جمهورييت بتاريخ ١٨ نيسان ٢٠١٩ خبراً مفاده أنه تم تحويل ٢ مليار و٦٧٢ مليون ليرة تركية اي ما يعادل ٣٢٤مليون دولار تقريباً لكل من (وقف الأنصار،وجمعية علم يايما، إضافة إلى وقف الشباب التركي الذي يتزعمه بلال أردوغان) كما ذكرت الصحيفة بأنه تم التحويل على مراحل خلال ثلاثة أشهر.

حدّث ولا حرج عن استخدامات أردوغان لأموال اسطنبول لدعم مشاريعه ومشاريع حزبه فتلك المدارس والطرائق الدينية لا تصدر سوى التطرف الذي ينوي نقل تركيا من العلمانية إلى الزعامة الإسلامية والرجوع بها إلى الخلافة ظناً منه أنّ مجرد وجوده بمساحة عشرات الكيلو مترات في العراق وسوريا، يصبح بمقدوره العودة بتركيا إلى حدود السلطنة كمن قال: كذب،كذب،كذب حتى يصدقون. إلا أنه كذب وصدق نفسه، فلا أحد يراه سلطاناً ولا خليفةً حتى الداخل التركي بدأ يرى سياسته، سياسة مافيوية فوضوية حسب ماصرح به بعض السياسيين تعليقاً على قرار إعادة انتخابات اسطنبول.

الشارع التركي اليوم يتكتل ضد أردوغان ليس نتيجة لقرار اللجنة العليا للانتخابات فقط بل بسبب سياسة القمع، فهو يعتقل منذ حادثة الإنقلاب حتى اليوم ٢٥٠ ألف مواطن تركي بين صحفيين ومحاميين ومعلمين وسياسيين بتهم متنوعة وأهمها الموالاة لفتح الله غولن.

لماذا اسطنبول؟ ((بالمعنى المعنوي))

تخضع اسطنبول تحت سيطرة أردوغان منذ ٢٥ عام منذ أن استلم رئيس بلديتها عام ١٩٩٤ وتوالت المناصب وتطورت الأحداث معه ومع حزبه بدعم خارجي إلى أن وصل لمنصبه الحالي رئيس الجمهورية التركية.

رجب طيب أردوغان
رجب طيب أردوغان

فهو يرى بأن وصول الحزب المعارض له (الشعب الجمهوري) إلى بلديات أهم المدن وأكبرها في تركيا وهي اسطنبول، أنقرة، أزمير، أنطاليا، مؤشراً يهدد وجوده ويزعزع ثقة حزبه وجماعته به، إلا أن الأمر واضح لقد تراجعت شعبيته فإذا كانت إحصائية الانتخابات في اسطنبول خاطئة؟ فماذا عن باقي المدن؟ وفي حال الاشتباه بخطئ لماذا سكت عنه؟ هذا يشير بأن لإسطنبول خصوصية معنوية وأنها المدينة التي تحتوي غرف السياسة العميقة تستورد من خلالها المخططات الخارجية وتصدرها محلياً، فتركيا منذ أن عادت فيها الأحزاب الإسلامية وأصبحت مترعاً لكافة أجهزة الاستخبارات العالمية على الأخص أمريكا،فمن ذات الغرف أتى أردوغان وقلقه الحالي مبرر حتى لا يخرج من ذات الغرف، لأنه يأمل الخروج بغنائمه وثرواته بدون الوصول إلى مصير سلفه بالطريقة الدينية عدنان مندرس.

غالبية الصحف والقنوات التركية والعالمية اليوم تتحدث عن أكرم إمام أغلو وعن شعبيته وصفاته الشخصية والسياسية، الوحيد إمام أوغلو الذي أخذت حملته وتصريحاته الانتخابية عناية ومتابعة الوسائل العالمية وكأنه مرشح لرئاسة الجمهورية وليس للبلدية.

هذه القراءات الصحفية تقلق أردوغان لذلك نوه ولمح في تصريحه بأن يداً خارجية تعبث بشأن داخلي تجلى قلقه واضطرابه من تهديده ووعيده المباشر لكل من يدعم أكرم إمام أوغلو من رجال أعمال وسياسة.

لكن عندما يصرح شخص مثل أردوغان عن تدخل خارجي لشأن داخلي، ألا يخجل من نفسه وهو من صدر وتجار مع الإرهاب، وحرض، واحتوى وساهم بالتخطيط لتدمير سورية، بحجة منه بأنه يناصر حرية وديمقراطية الشعب السوري!!! أين هو الآن من حرية وديمقراطية الشعب التركي؟

لم يبقى على وجهه قناع إلا وسقط وكما صرح الكثير من السياسيين الأتراك بعبارة واحدة (انهيار أردوغان) لقد انهار معنوياً لم يعد لديه سوى ورقة القوانين والمراسيم كونه نقل النظام إلى رئاسي هذا مايمكّنه من تصدير مراسيم تصب في مصلحته.

يبقى السؤال:

  • لماذا ذهب لانتخابات جديدة في وقت يستطيع به إخضاع أهم قطاعات البلديات لوزارات البيئة والإنشاء والتخطيط حسب القانون التركي، أو تصدير مرسوم يلغي مرشح ويوظف بدلاً عنه من يراه هو مناسب؟
  • هل مازال يحلم بشعبية زائفة؟ أم أنه يحاول خوض جولة تفاهمات مع الغرف السياسية العميقة؟ وماذا ينتظر تركيا وإسطنبول في حال فاز أكرم إمام أوغلو في الجولة الثانية؟ وهل سيكون كل شيء أجل؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى