أزمات المنطقة وتأثيرها على الواقع السياسي اللبناني، شواهد حيّة

خلفيات وعوامل مؤثرة

الوقتخصوصية لبنان المتنوع الثقافات والحضارات جعل منه بلداً يتمتع بدمقراطية سياسية متميزة عن غيرها من البلدان، ويأتي موقعه الوسطي بين الشمال الأوروبي والجنوب الغربي والشرق الآسيوي والغرب الأفريقي ليجعل منه محط أنظار الحركات الإقتصادية ومعبراً للتبادلات التجارية، هذا ويلعب مناخه المعتدل وجمال طبيعته دوراً في جذب السياح من البلاد المحيطة به مما ينعش اقتصاده حتى في أحلك الأزمات. بالرغم من هذه الظروف السياسية والإقتصادية والسياحية والتعددية الحضارية والثقافية المساعدة إلا أن الأزمات الدولية والمحلية وسياسات المنطقة لطالما عصفت بلبنان، وعُلِقت مشاريعه الإقتصادية والسياسية بسبب هذه الأزمات وكأنه العنصر الأهم والأبرز فيها. ليس الضير في أن يكون لبنان عنصراً فاعلا في محيطه، ومؤثراً سياسياً في مجريات الأحداث التي تحيط به، بل هو عنصر قوة لأي بلد يسهم في حل القضايا وتسهيل الحلول، وليس الحديث في أن لا يكون لأزمات المنطقة أي تأثير على لبنان بل تأثيرها المحدود يعد جزء من الإرتباط بينه وبين شعوب المنطقة وسياساتها وخياراتها الإستراتيجية والتقارب بين شعوب المنطقة. بل الحديث في أن لا تكون الأزمات سبباً في تعطيل الحياة السياسية اللبنانية.

أزمات المنطقة، أمثلة حاضرة

أحدث الأمثلة الحاضرة في الواقع اللبناني هي أزمة النفايات، فصحيح أن المشكلة في مبدأها تعود إلى تقاسم الحصص، ووقوف كل من اللاعبين السياسين المستفيدين من تضييع الوقت بهدف الضغط أكثر للوصول إلى عقود تلبي شروطهم المادية المنفعاتية، إلى أن الواقع يشير أيضا من أن اللاعبين السياسين وعلى الرغم من التوصل فيما بينهم إلى محاصصاتهم المرجوة، ووجود اقتراحات لمطامر بديلة والتي يمكن أن تستوعب النفايات بما فيها عكار، إلا أن الأزمة أخذت منحى أخر، فاللاعبين السياسيين وجدوا في الأزمة سبيلهم وفرصتهم للإستفادة منها وربطها بقضايا المنطقة والضغط بهدف ايجاد صيغة سياسية تمكنهم من تحصيل مكتسات اضافية.

الملف السوري لعله من أكثر أزمات المنطقة تأثيراً على لبنان، فالتقاسم السياسي حول الموقف من تحركات الجماعات التخريبية في سوريا اثر على اهم القضايا اللبنانية، فمجلس النواب الذي يشهد تمديداً ثانياً بعد انتهاء دورته التشريعية إلى دوره الشبه معطل، ليكون الفراغ الرئاسي التأثير الأكبر الذي احتل لبنان وخيم عليه منذ أكثر من سنتين. هذا وكافة المشاريع التنموية الأساسية معطلة، فبعض المقومات السياسية اللبنانية التي اتخذت من الحكومة السورية وشعبها علّقت حركتها السياسية وتواصلها مع الأفرقاء اللبنانين في كافة المسائل الأساسية بانتظار انقشاع الإبهام عن الملف السوري خاصة في ظل الوعود من قبل دول الإستعمار الغربي وبعض الأنظمة العربية الحاكمة بأن مخطط اسقاط الحكومة السورية بأيدي الجماعات التخريبية بات قريبا، وعلى الرغم من مضي أكثر من أربع سنوات على بدء مشروع الجماعات التخريبية في سوريا إلا أن الوعود بإسقاط الحكومة السورية لا زال ساري المفعول.

قوى العدوان السعودي وبشنها الحرب على الشعب اللبناني، ومع ظهور الحركات الشعبية اللبنانية فضلاً عن غيرها والمنددة بمجازر قوى العدوان السعودي التي ترتكب بحق المدنيين وقوات الجيش اليمني والتشكيلات الشعبية، ولأن طبقات سياسية في لبنان تعارضت مصالحها ومصالح جوٍ من التنديد وارتفاع الصوت بوجه القوى المعتدية، ذهبت الطبقات السياسية تلك لتجري تأثيرها على الواقع السياسي اللبناني، فبعد أن كان جو الحوار بين الأطياف اللبنانية قائم على قدم وساق حول ملفات متتعددة وفي أكثر من اتجاه، خبت اجواء الحوار هذه، خاصة تلك المتعلقة بملف رئاسة الجمهورية.

أسباب تربط ازمات المنطقة بالمشهد اللبناني

١- هناك العديد من الأسباب التي تجعل من لبنان العنصر الأبرز في أزمات المنطقة، وتعصف بمجريات الواقع السياسي والإقتصادي فيه، ولعل السبب الأهم والأبرز يعود إلى غياب استقلالية سياسية في صنع القرار والذي يولد ضعف في صنع القرار، فالطاقم السياسي الموجود في لبنان بجله الأغلب مربوط بمصالح اقتصادية شخصية، لأنظمة بعض الحكومات العربية التأثير الكبير عليها، هذا يجعل من صانعي القرار يتوقفون في كل محطة عند رأي الأنظمة العربية.

٢- التركيبة الإدارية التحاصصية الطائفية وليدة الطاقم السياسي التوارثي هي من العوامل الأبرز التي تلغي الشعور بالمواطنية والإنتماء للبلد والثقافة، إلى غياب دور القانون وسلطته في إجراء الحقوق هي ما تدفع بدورها شرائح المجتمع اللبناني للبحث عن ارتباطات بديلة تكون مصدر قوة لهم وتعطيهم حق الوجود والمشروعية في اهدافهم.

٣- غياب البنية الإقتصادية السليمة، فغياب الدولة عن رعاية المشاريع الإنمائية والإقتصادية والزراعية رهنت لبنان لإقتصادات الدول الأخرى وجعلته مقيدا بها وألزمته عدم الخروج عن دائرة نطاقها، وأوجدت ترابطاً بينه وبين الأزمات الخارجية، فالأزمة في سوريا على سبيل المثال والتي خلفت ضعفا في واردات المنتجات الزراعية اضعفت لبنان في هذا الجانب وجعلته يتأثر بالواقع السوري. هذا ويأتي الكيان الاسرائيلي عاملاً كبيراً في اضعاف لبنان، فالثروة النفطية اللبنانية التي يقف حائلاً أمام استخراجه الكيان لا يمكن اغفالها.

٤- غياب وسائل الإعلام المستقل والمرتبط بإغلبه بمصالح أنظمة دول والتي تؤثر بشكل او بأخر على تقليب الرأي العام وتوجيهه خدمة لتلك الأنظمة، وهي أمام أي أزمة تشهدها المنطقة تعمل على تمرير مشروعها داخل لبنان في الإطار الذي يصبح لبنان فيه أمام واقع متأزم.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى