أعواد الكبريت الأمريكيّة

أعواد الكبريت الأمريكيّة
زهراء جمال

يقول الفيلسوف الأمريكي والمنظّر الكبير “نعوم تشومسكي” في كتابه”ماذا يريد العم سام” :
(لن نجد دولة في العالم انتهكت حقّ الشعوب في تقرير مصيرها وقتلت طموحاتها وتدخلت في شئون الدول الأخرى وأضرّت بها كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكيّة في الشرق والغرب، وقد تنوعت وتعددت الأساليب في ذلك؛فمن مساعدة حكومات ديكتاتوريّة فاسدة لعمل انقلابات عسكريّة لشراء الذمم والأصوات في الانتخابات لتأليب دول الجوار على إثارة المشاكل أو شن الحروب أو فرض حصار اقتصادي أو شن حملات إعلاميّة وصولاً إلى استخدام القوّات المسلّحة الأمريكيّة. وهناك خطّة متكررة مع من يخرج من الصف أو تنتهي مهمّته، فإذا لم يفلح كل ذلك فيمكن إثارة القلاقل والمشكلات من قبل الجيران لحين اشتعال الحرب).

لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكيّة كل تلك الأساليب التي ذكرها تشومسكي في سياستها الهوجاء تجاه العراق منذ العام 1979 لحين لحظة كتابة هذا المقال ولازالت مستمرّة، كما استخدمت ذات السيناريو التدميري لتمزيق العراق وانهاكه عسكريّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً وقبل كل شيء سياسيّاً !

فحين نجحت الثورة الإيرانيّة نجاحاً ساحقاً وباهراً استشعرت أمريكا الخطر وطلبت من أحمد حسن البكر والذي كان رئيس الجمهورية العراقيّة حينها أن يخوض حرباً بالنيابة عنها لإجهاض الثورة في إيران رفض البكر وأخبرهم أنّها حرب خاسرة لتفاوت ميزان القوى بين البلدين وهذا التفاوت لن ينفع معه الدعم الأمريكي-الخليجي رغم حداثة النظام في إيران، وحينها أطفأت الولايات المتحدة عود البكر وأشعلت عود صدام الذي كان يشغل منصب نائبه، وقد أبدى لهم استعداده الكامل لخوض تلك الحرب وكانت الذريعة استعادة الأراضي العراقيّة التي تنازل لهم بها ووقّع معهم بنفسه الاتفاقيّة المعروفة بـ “اتفاقيّة الجزائر” عام 1975 مقابل أن يوقف نظام الشاه وقتها دعم المعارضة الكرديّة العراقيّة.

ورغم كل أنواع الدعم الأمريكي-الخليجي خرج العراق من تلك الحرب مثخناً بخسائر مادية استتزفت الاموال المتحصلة من سنين الوفرة المالية المتحصلة بعد ارتفاع النفط عام ١٩٧٣ وحولته الى بلد مدين لدويلات الخليج الناشئة وخسائر بشرية تمثلت في مئات الالاف من شهداء واسرى ومفقودين ومعاقين بعد ثمانية سنوات حرب منهكة وطلب العودة لنفس الاتفاقيّة، بيد أن هذا الطاغية عاد ليقامر بأبناء الشعب العراقي المسحوق مرة أخرى بغزوه الأرعن للكويت لتتدخل الولايات المتحدة هذه المرة بالضدّ منه، وتعرّض جيش النظام السابق لإبادة جماعيّة من قبل قوّات التحالف بزعامة الولايات المتحدة والسعودية راح ضحيتها الآلاف من الجنود العراقيين عبر حملات القصف المكثفة التي استخدمتها ضد الجيش العراقي طوال ايام الحرب لتختتمها بالمجزرة المعروفة بـ “مجزرة الدبابات”، حينما قصفت جنودا عزلا انسحبوا بناءا على اتفاق تم خرقه من قبل الغول الامريكي، وتم تدمير وتحطيم كل ما بحوزة الجيش من أسلحة ودبابات وآليات إضافة لتدمير البنى التحتيّة العراقيّة، وقد وقعت هذه المجزرة بعد أن نقضت أمريكا والسعودية اتفاقيّة وقف اطلاق النار وانسحاب الجيش العراقي دون تعرّض.

أقرأ أيضاً:

ماذا لو رضخت سوريا للإملاءات الأميركية؟

في هذه الأثناء كان صدام بأوهن حالاته وقد سئم الشعب العراقي حروبه الهمجيّة الخاسرة والاعتقالات والاعدامات والقتل والترهيب والحصار الأمريكي الاقتصادي الجائر الدي فُرض على الشعب رداً على غزو صدام للكويت، فخرج بانتفاضة شعبيّة مسلّحة عارمة شملت كل محافظات الوسط والجنوب في واحدة من أعظم الثورات الداخليّة التي حدثت في التأريخ، وتم تحرير 14 محافظة من سلطة البعث الفاشي قدم الثوّار البواسل خلالها آلاف الشهداء في نضالهم لنيل الحرية.

يذكر شواسكوف وهيكل وكل من أرخ لتلك المرحلة الحقد الطائفي والأجندات الإقليميّة والدوليّة التي قتلت هذا المشروع التحرري العظيم، فأكّدوا بين طيّات تلك المذكرات الضغوط المصريّة والسعوديّة على الولايات المتحدة لقمع هذه الثورة ووأد هذا الانتصار ودعم صدام من جديد وإعادة تأهيله، فسمحت أمريكا لصدام باستخدام الصواريخ لقمع الانتفاضة بشكل وحشي لم يشهد له التأريخ مثيلاً قط!، وقد بلغت الخسة بلقيط العوجة إلى قصف كربلاء والنجف والمراقد المقدّسة في الوسط وتجفيف الأهوار في الجنوب، أستشهد خلاله آلاف الشيوخ والشباب والنساء والأطفال وتمت بعدها حملة اعتقالات ساقوا المعتقلين فيها إلى 300 مقبرة جماعيّة لم يكتشف إلاّ القليل منها لحد الآن.

قبل سنوات من الآن نشرت صحيفة نيويورك تايمز إعتذاراً على لسان السفير الأمريكي باسم الحكومة الأمريكيّة لعشائر العراق الشيعيّة على خلفية خذلان بلاده لهم وأضاف:لقد كان موقف بوش الأب من الانتفاضة شديد القسوة، ورغم أن صدام كان كلب أمريكا المسعور في المنطقة، إلاّ أنّ أمريكا عبر التأريخ تعتمد سياسة أعواد الكبريت مع عملائها، فلم يكن صدام بعد انتفاء حاجته بالنسبة لها سوى ذريعة لاحتلال العراق وإكمال مشروعها التدميري له-والذي ابتدأته عام 1979-من خلال رهن اقتصاده وتكريس نظام المحاصصة الطائفيّة الرجعيّة وإغراقه بالديون وتعريته جويّاً.

العراق يمثل اليوم أهم منطقة نفوذ للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بل العالم بأسره، فمن خلاله تضيّق الخناق على عدوتها إيران ومنه وهذا الأهم توفّر أمن إسرائيل القومي تمهيداً لاستلاب أجزاء من أرضه رسم عليها علم الكيان الصهيوني،
لم يكن هذا مصير صدام فحسب بل مصير كل أذرع أمريكا في المنطقة والعالم، وأقربهم أنموذجاً لذلك حسني مبارك الذي كان واحداً من أفضل عملائها بالأمس القريب ومعمّر القذافي الذي قصفوا موكبه وقتلوه!، وزين العابدين بن علي وعلي عبدالله صالح، ليس الحكّام العملاء العرب فقط بل هكذا ديدنها مع كل خدمها في العالم كما زهدت بالرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف ، وهكذا مع إدوارد شيفارد نادزه رئيس جورجيا السابق، وسوهارتو رئيس إندونيسيا، وبنوشيه ديكتاتور شيلي، وباتيستا دكتاتور كوبا، وموبوتو رئيس الكونغو، ورئيس هايتي جان أريستيد وكذلك حاكم قرغيستان عسكر آكاييف والأمثلة عبر التأريخ كثيرة.

أقرأ أيضاً:

سقوط صواريخ قرب السفارة الأمريكية في بغداد

الولايات المتحدة بالنهاية هي العدو التأريخي للعراق ،وصراعها معه ديني آيدلوجي تمثّل فيه إسرائيل مرتكزاً أساسيّاً، أمريكا وبكل بساطة لا تستطيع الاستغناء عن المشاريع التخريبيّة التي تصب بمصلحتها ومصلحة حليفتيها المدللتين ‏إسرائيل والسعودية والمعادية للعراق بالضرورة.

بواسطة
زهراء جمال
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق