أميركا ليست قدرًا!

اتخذت الولايات المتحدة قرار المواجهة الماليّة والاقتصاديّة لإخضاع خصومها في العالم، سيما أنّ خيار العقوبات يُفضي إلى نتائج مضمونة تسمح لها بتحصيل مُكتسبات سياسيّة، من دون اللجوء إلى خيارات عسكرية مُكلفة وغير مضمونة النتائج، إضافة إلى عجزها عن فرض عقوبات جامعة في مجلس الأمن بسبب سلاح الفيتو الروسي والصيني.

يُعتبر الدولار رأس الحربة في هذه المواجهة إلى جانب مركز التحويل المصرفي في نيويورك الذي يراقب ويشرف على التحويلات المصرفية والفردية. وتُقسّم العقوبات الأميركية إلى ثلاثة أنواع: تجارية، مالية وذكيّة.

بدأت أميركا عدوانها الاقتصادي على لبنان لتحقيق أهداف عدّة، وباتت تتعاطى مع بلدنا على أنّه الولاية 53 التي تسيطر عليها، متخطية السيادة الاقتصادية للدولة اللبنانية. وها هما اقتصادنا وعملتنا يقعان بين فكّي الفساد المُستشري المدعوم من واشنطن والعدوان الاقتصادي الأميركي على الشركات والمؤسسات والأفراد وآخرها المصارف. وللأسف، يتم التعاطي مع حرب العقوبات إما بالترحاب أو الاستيعاب، كما تساعد البُنى التحتية للاقتصاد اللبناني على فرضها، خاصة أنّ السوق المحلية مُدولرة وغير إنتاجية، وتخضع بالكامل للقوانين الأميركية بسبب خياراتها الماليّة والاقتصاديّة، عدا عن ربط استقرار الليرة بالدين العام طوال ثلاثين عاماً التي تلت اتفاق الطائف.

وللولايات المتحدة تاريخ في عرقلة الاقتصاد الوطني، فبواسطة نفوذها الداخلي ارتبطت مجموعة كبيرة من الطبقة السياسية بها، حققت بعض أهدافها، ولا تزال تحاول إصابة أهداف أخرى:

  1. منع دول مهمّة من الاستثمار في لبنان كالصين وروسيا والهند وإيران، وحتى الاستثمار الخليجي مشروط بجزء كبير منه
  2. فرض شروط على مؤتمر «سيدر» لتحديد الشركات التي يُسمح لها بالعمل في لبنان
  3. تغطية ومباركة سياسة الفوائد المرتفعة وما لها من آثار سلبيّة على الأسواق والليرة، وما ينتج عنها من انكماش، ضعف في النمو، غياب الإنتاج وزيادة البطالة. والعمل للاستفادة من الفوائد لمصلحة مصارفها، فتح ذريعة دعم الاستقرار المالي، يضع مصرف «غولدمان ساكس» وديعة لمساعدة لبنان بقيمة 1.4 مليار دولار، ويحصل على فائدة بقيمة 13% سنويّاً! أرباح لا يمكن أن تحصل عليها المصارف في أي بلد في العالم، وتأتي على حساب الاقتصاد اللبناني والليرة والمواطن الذي ستُفرض عليه الضرائب لاحقاً لتسديد هذه الفوائد وغيرها تحت عنوان العجز المالي
  4. محاولة وضع اليد على ملف النفط والغاز:
    • أ‌- عدوان مباشر على مصرف لبناني للحصول على مكتسبات في الملف النفطي وتثبيت الحدود مع الأراضي المحتلة لمصلحة إسرائيل
    • ب‌- الضغط على لبنان للتفاوض مع إسرائيل ليستطيع الاستفادة من مليارات الدولارات المدفونة في قعر البحر
    • ت‌- حجز مكان لشركة Vantage Drilling الأميركية ومقرّها تكساس، في عمليّة التنقيب عن الغاز والنفط في البلوكين 4 و9
  5. رفض لبنان لكل العروض التي قُدمت من قبل دول صديقة لحل ملف الكهرباء الذي أرهق الخزينة اللبنانية، ليتبيّن اليوم وجود مخطط للاستيلاء على هذا القطاع من قبل شركة «جنرال الكتريك»
  6. فرض مستشارين ماليين على المصارف لمراقبة حركة الحسابات وضرب السرّيّة المصرفيّة وابتزاز المصارف
  7. منع عودة النازحيين السوريين لعرقلة إعادة إعمار سوريا

أقرأ أيضاً:

  اغتيال أبو العطا: بداية الحرب الـمفتوحة

لقد باتت الولايات المتحدة تفاخر على لسان مساعد وزير خارجيتها ديفيد شينكر، بأنها مستمرة في عدوانها الاقتصادي على لبنان ووضع شروط تُرهق عهد الرئيس ميشال عون، وفرض حصار اقتصادي كامل لتحقيق مكتسبات سياسيّة.

وعليه يجب البدء بالتفكير الجدي لمواجهة هذا العدوان الاقتصادي بقرارات مناسبة، تبدأ بانتقال الدولة من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وأن تقوم وزارتا الخارجية والمغتربين والماليّة بتشكيل هيئة حقوقيّة – ماليّة للدفاع عن حقوق اللبنانيين في وجه أي اعتداء خارجي، خاصة في موضوع العقوبات الماليّة، وإصدار بيان رسمي يرفض المسّ بالسيادة الاقتصادية والإجراء الأخير الذي صدر ضد «جمّال ترست بنك». كما تقع على الدولة أيضاً مسؤوليّة حماية ملف النفط والغاز من الأطماع الأميركيّة والإسرائيليّة، من دون تقديم أي تنازلات.

ختامًا، إذا كانت أميركا قادرة فهي بالتأكيد ليست قدراً وخيارات مواجهة حربها الاقتصاديّة كثيرة، إذا توفّرت النيّة والإرادة الوطنيّة.

* باحث وخبير اقتصادي

بواسطة
زياد ناصرالدين
المصدر
صحيفة الأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock