إحياء “النظام الأمني”: استهداف البيئة السنّية أولاً؟

كتبت جنى الدهيبي في صحيفة “المدن” تحت عنوان “إحياء “النظام الأمني”: استهداف البيئة السنّية أولاً؟”: “من المنتظر أن تمثل الناشطة كيندا الخطيب، اليوم الأربعاء 24 حزيران، أمام قاضي التحقيق العسكري في بيروت، لمرافعة حول التُهم التي اسندت إليها في ادعاء مفوض الحكومة المعاون لدى المحكمة العسكرية، القاضي فادي عقيقي، بـ”التعامل مع العدو الاسرائيلي ودخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتعامل مع جواسيسه ومع المتعاملين لمصلحته، وتأمين ضيوف للظهور على قناة اسرائيلية”.

خصوم “العهد” والحزب
تنتظر عائلة الخطيب هذه الجلسة على أحرٍ من الجمر، إذ على ضوء استجوابها سيصدر قاضي التحقيق مذكرة توقيف وجاهية بحقها، في حال توافرت المعطيات اللازمة لذلك، أو يصدر قرارًا بإخلاء سبيلها، في حال قدمت عبر محاميتها الأدلة والإثباتات التي تثبت عدم تورطها في هذا الملف. وإلى حين اتضاح مسار قضية الخطيب، سارعت عائلتها إلى مناشدة الناس وأهالي عكار للمشاركة معهم في الوقفة التضامنية أمام المحكمة العسكرية الأربعاء عند الساعة 11:00. وقالت شقيقتها مريم في تسجيل صوتي: “نناشد نخوتكم على ابنة عكار، وأن ننفذ سويًا وقفة تضامنية معها أمام المحكمة العسكرية لنؤكد لهم أن عكار لا يوجد فيها عملاء”.

من يراقب ردود الفعل حول توقيف الخطيب، يلحظ أنّ ثمة قناعة راسخة لدى فئة شعبية واسعة أن سلطة هذا “العهد” تسعى لاستهداف معارضيها بالقمع والترهيب، عبر قذف اتهامات العمالة، وتحديدًا نحو أبناء البيئة السنّية شمالًا. لكن تسارع الأحداث في الساعات الأخيرة، وادعاء النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان على السيد علي الأمين، بـ”جرائم الاجتماع مع مسؤولين إسرائيليين في البحرين، ومهاجمة المقاومة وشهدائها بشكل دائم، والتحريض بين الطوائف وبث الدسائس والفتن، والمس بالقواعد الشرعية للمذهب الجعفري”، ينفي نظرية حصر استهداف السلطة بالشارع السنّي، ليشمل بيكارها كلّ فئة معارضة للعهد وحزب الله. وهنا تكمن الخطورة.

القضاء والتسريب
لا شكّ أن جزم الموقف لجهة تورط الخطيب بتهمة العمالة أو عدم تورطها، هو مجرد اجتهاد شخصي لكل من داعميها ومعارضيها. وفي بلدٍ طبيعي، تكون كلمة الفصل للقضاء وحده. أمّا في لبنان، فلا بدّ من الاعتراف أنّ ثمّة أزمة ثقة واضحة بين الناس والقضاء غير المستقل عن السلطة السياسية (الفاسدة) التي تؤمن له التوجيه ومظلة الحماية. تجربة اللبنانيين مع القضاء وماكينتيه السياسية والإعلامية، التي تتكفل مهمة تسريب محاضر التحقيق والمعلومات المضللة لتأجيج الرأي العام، ليست مشجعة. لم تترك هذه السلطة فترة زمنية لإعادة كسب ثقة اللبنانيين بالقضاء، من فضيحة تلفيق تهمة العمالة للممثل المسرحي زياد عيتاني، إلى فضيحة الحكومة في إبرام صفقة تهريب العميل عامر الفاخوري نحو أميركا، ليبقى السؤال الجوهري: هل إنّها سلطة تهريب العملاء أم سلطة ملاحقة المتهمين بالعمالة؟ أم أنّ العمالة أصبحت تهمة جاهزة وسائغة تهدد كلّ معارضٍ للسلطة والعهد؟
كل الأسئلة مشروعة ما دامت ثقة اللبنانيين مفقودة بالسلطة والقضاء معًا. لكن إثارة اتهامات العمالة في هذا التوقيت، كأنها تأتي في سياق تضليل الرأي العام عن مصائب انهيار الليرة وتهديد اللبنانيين بالعتمة ورفع الدعم عن الخبز والمحروقات. أما مضمون هذه الاتهامات، فلا يمكن فصله عن حملة التوقيفات الأخيرة في البقاع وقب الياس وطرابلس والمنية وبيروت، والتي تصب جميعها في خانة إمعان السلطة بفرض سياسة القمع وإثارة الذعر لكل من تسوّل له نفسه النزول إلى الشارع لمجرد أن يهتف ضد أركانها. وربما للصدفة، تأتي معظم هذه التوقيفات في المناطق ذات الغالبية السنيّة، التي كانت الوقود المحرّك لثورة 17 تشرين، ولهذا دلالته أيضًا.

الشارع السنّي
عمليًا، يبدو الشارع السني بطبيعته، وخلافًا لبقية الشوارع، ليس لديه أحزاب قادرة على قمعه وضبط تفلته من تحت سيطرتها. وهو ما جعل الثقل الأكبر للطائفة في طرابلس والشمال، أن يكون معارضًا في طبيعة حاله، وأن ينخرط في قلب الانتفاضة الشعبية ضدّ السلطة، لا بل في صناعتها. حتّى أن واقع هذا الشارع، أجبرت في نهاية المطاف قياداته ورؤساء حكومته السابقين على بذل مجهودٍ مضاعفٍ لمجاراته بموقفه المعارض من العهد، فكان محفزًا أساسيًا لهم لإعلان مقاطعة “لقاء بعبدا” المنتظر الخميس 24 حزيران.
غير أنّ ما تشهده طرابلس وعكار في الأسابيع الأخيرة التي سبقت توقيف الخطيب، يطرح علامات استفهام حول استهداف السلطتين السياسية والأمنية للشمال، وتحديدًا ما بعد أحداث 6 حزيران الفائت. إن لجهة محاولات توريط أبناء طرابلس بمعارك جديدة مع الجيش وخلق خصومة مباشرة معه، أو لجهة إثارة نشاط مجموعات مشبوهة تحمل أجندات أمنية واضحة، قبل إلقاء القبض على “الصغار” وترك مشغليهم.
يوم أمس الثلثاء، كاد يقع إشكال كبير في طرابلس بعد محاولة محتجين اقتحام قصر عدل طرابلس للمطالبة بالإفراج عن نحو 27 موقوفًا، وهي تحركات قابلة للتوسع في الأيام المقبلة رغم كل المخاوف من مكائد السلطة. وما إن هدأت موجة العنف وإثارة الفتنة والشغب، حتّى بدأت موجة توسيع رقعة ملاحقة المتهمين بالعمالة. وهو ما قد ينذر أن الآتي أسوأ، في بلدٍ يفتقر للحد الأدنى من مقومات دولة تحرص على شعبها”. 

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق