إسرائيل اليوم خائفة…

ليست هذه من ترهات الراحل أحمد الشقيري ولا من عنتريات النظام العربي البائد، بل هي من تفاصيل الواقع الذي أفرزته معركة القصير وريفها… بلا أدنى مبالغة.

فالدور البارز الذي لعبه المقاتل اللبناني العقائدي في تلك المعركة المفصلية، كان فتحاً جديداً غير مسبوق للقوة التي نفذّته بتلك الحِرفية التي تكاد أن تكون مثالية، ما جعل يوميات المعركة مادة أساسية يتدارسها كبار الإستراتيجيين في الغرب… بشهادة صحافة أميركا وأوروبا. (ومحركات البحث على الإنترنت غنية بالشواهد)…

وهنا أرجو أن يفهمني الأبعدون قبل الأنصار. فهذا ليس من صنف المديح المتناثر من على منصّات الخطابة، وما يلي سيقدم البرهان والدليل، وهما من البساطة والوضوح بمكان.

إن تأسيس “المقاومة الإسلامية” كان في الأساس لأسباب دفاعية محضة، وجرى بناء عقيدتها القتالية على نظرية الدفاع وحرب العصابات… وذلك كما هو معروف لمواجهة الهجمات العدوانية الإسرائيلية. وعلى هذا الأساس تمّ تأهيل المقاتلين في معاقل التدريب النظري والعملاني على السواء ليتكاملوا ضمن قوى عسكرية دفاعية (لا هجومية)، هدفها مواجهة الاعتداءات والمدافعة عن البلدات والحدود والمواقع، وليس الهجوم ولا الكرّ ولا ــ مثلاً ــ الاحتلال والسيطرة والمرابطة في منطقة يجري احتلالها.

بهذا الأسلوب نشط مقاتلو المقاومة حتى العام 2000 حتى كسروا شوكة المحتل وأكرهوه على الانسحاب تاركاً عملاءه خلفه مع بنادقهم ودباباتهم التي انتهت بين أيدي المقاومين. وبهذه الطريقة أيضاً واجه “رجال الله” عدوان العام 2006 في البرّ والبحر، وحققوا أول نصر عربي على آلة الغزو الصهيونية في مفاجأة أذهلت الصديق قبل العدو.

في معركة القصير اختلف الأمر بشكل جذري. فالمدافعون انقلبوا مهاجمين، والخطط  الدفاعية انقلبت إلى غارات  هجومية لاقتحام مرابض القوى المعادية وتطهيرها والسيطرة على جزء من الأرض والحفاظ عليه ثم التقدّم منه لاقتحام الجزء الذي يلي واحتلاله… وهكذا. نجح المقاتلون (الذين كانوا دفاعيين) في التحول إلى قوى هجومية تقتحم وتطهر وتحتل وتتقدّم، بما يتناقض مع دأبها وتاريخها وسيرتها وما اعتاده العدو منها على امتداد الثلاثين عاماً المنصرمة. لكن ذلك أيقظ بالمقابل مخاوف العدو الإسرائيلي (المشروعة) من قدرة هؤلاء (التي أثبتوها في الميدان) على تنفيذ ما سبق أن لوّح به الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله بتوجيه الأمر إلى قوات المقاومة بالسيطرة على الجليل…

أقرأ أيضاً:

  تهديدات "اسرائيل" الفارغه لايران...!

إن الذين هاجموا ريف القصير والمدينة وطهروهما واحتلوهما، بأداء عسكري هجومي كفؤ لفت انتباه المتخصصين الأبعدين في المعسكر المعادي، هم أجدر بتنفيذ أمر الأمين العام، إن أصدره، باقتحام الجليل وتطهيره واحتلاله والسيطرة عليه والبقاء فيه…

هذا ما تبادر إلى أذهان قادة الكيان الصهيوني وهم يتابعون أداء مقاتلي “حزب الله” في ميدان القصير. وهذا ما يجعل إسرائيل خائفة من أن تضطر ذات يوم إلى مواجهة “رجال الله” هؤلاء في أعماق الجليل. فهؤلاء المقاتلين كووا الجيش الإسرائيلي في العامين 2000 و2006 بأسلوب حرب العصابات (إضرب واهرب)، وبتطعيمه بأساليب الجيوش النظامية، ثم أظهروا مقدرة استثنائية بالغة في معركة القصير، حيث أدخلوا استراتيجية “تحديد الدوائر والمربعات (ضمن الدوائر والمربعات) وتطهيرها في الميدان”، وهي استراتيجية جديدة تماماً بدا أنها من ابتكارهم. فإضافة إلى شدة بأسهم وعلوّ كعبهم في الميدان، فهم أيضاً ابتكاريون في حمأة المعركة، وقادرون على إيجاد الحلول التي لم يسبقهم الآخرون إليها، ثم أنه لا يمكن التنبؤ سلفاً بما يمكنهم القيام به…

لكل ذلك تبدو إسرائيل اليوم خائفة. ولعلها من المرات النادرة التي تكون فيها على حق.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق