” إعادة هيكلية النظام التعليمي ” في المملكة، خدعة جديدة

إعادة هيكلية النظام التعليمي في المملكة أمر ضروري طالما نادينا به وكتبنا وحاضرنا بخصوصه عبر مداخلاتنا في الندوات والملتقيات التي قامت طيلة العقود الماضية داخل بلاد الحرمين منها مؤتمرات وملتقيات ما أطلق عليه “الحوار الوطني” ذي الصيت الكبير والمؤسسات الواسعة والأموال الهادرة، لتبقى قراراته حبراً على ورق يمحيها النسيان بمرور الزمان، وهو أمر تعودنا عليه حيث هذا هو ديدن سلطة آل سعود على طول تاريخها يشهد به القريب قبل البعيد.

القرار بضرورة “إعادة هيكلة النظام التعليمي” في السعودية (الذي يعمل به منذ أكثر من ستة عقود)، بات يهدد مستقبل عشرات آلاف المعلمين خاصة وأنه يقضي بإبعاد المعلمين “المخالفين فكرياً” عن سلك التعليم، وهو مصطلح فضفاض كما هو مصطلح “مكافحة الارهاب” حيث يعني الاثنان وأد كل معارضة ومخالفة في النطفة دون رحمة.

فقد أبدى قسم كبير من المعلمين عن مخاوفهم تجاه القرار هذا، باعتبارهم يقفون على حقيقة القرار الذي يستهدف دعاة حرية الرأي والمتعاطفين مع هذه الفكرة وهم بالآلاف في قطاع التعليم، والذي سينتهي عملهم بجرة قلم تحت هذه اليافطة الملونة الجذابة، فيما حقيقة القرار هو ليس إيجاد التغييرات الضرورية واللازمة على مناهج التعليم بالبلاد في مختلف مقاطعه، تلك الضرورة القصوى التي لطالما دعت اليها الأمم المتحدة واليونيسيف وعشرات المنظمات الدولية والمجتمع المدني في داخل البلاد وعلى المستوى الأوروبي، وحتى أقرب الحلفاء بما فيها وزارة الخارجية الأمريكية وتعهد محمد بن سلمان على تنفيذها قبل ثلاثة أعوام لكن بقيت دون تنفيذ.

لا شك من أن الهدف من هذا القرار الجديد هو معاقبة طبقة كبيرة من المعلمين وأساتذة الجامعات الذين كانوا وسيلة إمتطاهم النظام الحاكم لتمرير مخططات أسياده طيلة العقود الطويلة الماضية، ليأتي الآن وقت التضحية بهم كقرابين لزهايمر سلمان ومنشار ابنه محمد، للحدّ من إنتشار الدعوة للحرية والعدالة والمساواة.

عقود طويلة والشاغلين في قطاع التعليم بالبلاد على مختلف مستوياته يحسبون ألف حساب ولا يتجرأون على نشر أي أفكار خارج المنظومة “السلفية التقليدية” التي تحض فقط على طاعة “ولي الأمر” و”الحاكم السياسي” بطريقة عمياء، وتحذر من مغبة “الخروج على الولي” حيث قطع الرؤوس حرابة في إنتظار المخالفين وفق تشريع المؤسسة الدينية الوهابية السلفية الجناح الثانية للسلطة في البلاد.

أقرأ أيضاً:

هل تمثل مصر السعودية والامارات في ليبيا؟

فحملات الاعتقالات الكبيرة التي طالت العلماء والمفكرين والناشطين من كلا الجنسين لم يعرف مصير غالبيتهم حتى الآن، جعلت الكثير من هؤلاء يلتزمون الصمت ولا يظهرون أي ميل سياسي أو فكري يتعارض ورغبات أرعن آل سعود المجرم النكرة محمد بن سلمان.

لقد انتهى مفعول ما أطلق عليه نظام آل سعود “الصحوة” والتي إستغلها عقود طويلة ودفع خلالها بعشرات آلاف الشباب السعودي الى محرقة الإنضمام لها والعمل فيها مثل “القاعدة” إبان مرحلة “المجاهدين العرب” في أفغانستان، ومن بعده ضمن المجموعات الإرهابية المسلحة بمختلف مسمياتها خاصة “داعش” الإجرامي الذي نشط وينشط في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال واليمن وأفغانستان حتى يومنا هذا؛ ليضحى اليوم أكبر تهديد لابن سلمان وجلب له التعثر ببلوغ أحلامه البنفسجية والتأخير في تحقيق حتى القليل منها بعد أن كان الداعم والسند الكبير لسياسات السلطة النفاقية الحاكمة في تمزيق أوصال الأمة وتمرير مكاسب أعدائها.

كما أن وزارة التعليم لم تنشر ضوابط أو شروط من يستوجب العقوبة ويتم إبعادهم من قطاع التعليم، شأنها شأن قرار “مكافحة الإرهاب” لوزارة الداخلية والذي بات بموجبه إلصاق هذه التهمة على كل من ينشط ضد ولي عهد سلمان أياً كان أميراً أو رجل أعمال أو عالم أو مفكر أو إستاذ أو حتى ناشط بسيط أو متظاهر سلمي دعوته الوحيدة التسامح والعدالة والمساواة، ليعتقل وينقل الى جهة ثم يتم محاكمته في محاكم هزيلة سرية لتلصق به تهمة “الإرهاب” مودعاً في السجن أو معدوماً بحزّ الرأس حرابة أو رمياً بالرصاص أو معلقاً على أعواد المشانق.

وليس ببعيد حيث شنت سلطات ال سعود حملة اعتقالات جديدة، طالت نشطاء وأكاديميين وإعلاميين ومُغرّدين، من كلا الجنسين تجاوز عددهم ال 40 معتقلاً تم نقلهم الى جهة مجهولة ولازال أهاليهم يبحثون عن مصيرهم، ذنبهم الوحيد هو نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي وإنتقاداتهم للوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، وقد دعت منظمة العفو الدولية وحقوق الانسان للإفرج عنهم فوراً لكن دون جدوى، وفق “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” وكذا منظمة “القسط” لحقوق الانسان وحساب “معتقلي الرأي” وغيرهم.

أقرأ أيضاً:

مع اقتراب تطبيق"قيصر".. الجعفري يفتح النار على امريكا "المريضة"

كما شملت موجة الاعتقالات التي تتنامى في مملكة الرمال ضباط كبار وموظفين مدنيين رفيعي المستوى بعد إعتقال الأمراء، بسبب مشاعر الخوف والارتياب التي يتملّكهما محمد بن سلمان من وقوعه “ضحية عملية إغتيال”، أو سحب أفراد أسرته والمقربين منه دعمهم وولائهم له بعد وفاة والده سلمان ويبقى حلم إعتلاء العرش الى ما لا نهاية، خاصة وأنه يواجه صعوبة كبيرة في التفاوض بشأن ترتيب لتقاسم السلطة بينه وبين سائر أبناء عبد العزيز ليبقي الأمراء الآخرين يخضعون له ويتولّون دوراً مهماً نوعاً ما، مما يبدو أن مصيره إتّباع سياسة نَزَويّة وخطيرة قائمة على الإعتقال والأغتيال.

وتقول صحيفتي وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز الأمريكيتين، أن قرار “إعادة هيكلية النظام التعليمي” في المملكة هو غطاء جديد لكبح جماح المعارضة سواء داخل القصور الملكية أو خارجها، ويأتي بموازاة حملات الاعتقال الأخيرة التي طالت كبار أمراء دون إستثناء. فيما كتب “جيفري مارتن” بمجلة نيوزويك الأمريكية أن الاعتقالات تشير الى أن “بن سلمان” يسعى الى تشديد قبضته وترسيخ سلطته بالمملكة منذ صعوده كولي العهد عبر سجن معارضيه السياسيين.

فقمع المعارضين أما باعتقالهم أو قتلهم أو نفيهم أو الغدر بهم، نهج ثابت في سياسة آل سعود توارثوها من جدهم “عبدالعزيز” وما محمد بن سلمان سوى صورة طبق الأصل لجده عبد العزيز بن سعود الذي لم يألو جهداً على مستوى جلب دعم الحلفاء الغربيين لإعتلاء العرش بأي ثمن كان حتى لو على دماء والده وأمه المعتقلة بأمره منذ أكثر من عام ناهيك عن سائر أمراء الأسرة الحاكمة والمواطن العادي حيث السجون مليئة بعشرات الآلاف منهم.

وكشفت تقارير سرية غربية أن ولي العهد السعودي يحضر لحملة اعتقالات جديدة ضد قطاع التعليم الذي بات يخشاه أكثر من غيره، خاصة بعد دراسة قام بها مجموعة من الأكاديميين السعوديين أكدت الحاجة الملحة لإصلاح التعليم في المملكة، حيث المنهج الدراسي الديني فيها يشجع “العنف ضد الآخرين”، ويضلل التلاميذ ويحثهم على الاعتقاد بأنه “لحماية دينهم لا بد لهم من أن يقمعوا الآخرين بقسوة”، وهي أكذوبة تدعم فكرة السلطة النفاقية في تشتيت الصف الواحد خوفاً من إنقلاب السحر على الساحر.

أقرأ أيضاً:

بانوراما.. الضربات اليمنية تحقق توازن الردع في العمق السعودي

فمن خلال مراجعة عينة من الكتب الدراسية السعودية الرسمية لمادة الدراسات الإسلامية، والمستخدمة في العام الدراسي الحالي تبين أنه بالرغم من إعلان حكومة ال سعود عن العكس، إلاّ أن فكر الكراهية ضد المسيحيين واليهود والمسلمين الذين لا يتبعون المذهب الوهابي لا يزال كما هو في هذا الجزء من النظام التعليمي الحكومي. وتقوم هذه الكتب بتدريس رؤية ثنائية، تقوم على تقسيم العالم بين مؤمنين حقيقيين بالإسلام (موحدين)، وغير مؤمنين (من مشركين وكفار).

بواسطة
جمال حسن
المصدر
حركة الحرية والتغيير
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق