إيران تتفوّق استراتيجياً وواشنطن ترتبك

بالقياس لما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو ومستشار أمنه القومي جون بولتون، يفترض أن نكون في خامس أيام حرب شاملة بين أميركا وإيران. فإن ما شهده الخليج من أحداث أمنية تمثلت باستهداف مصالح نفطية سعودية وإماراتية حيوية، وصفتها الدولتان بالاعتداءات التي تستهدف الأمن والسلم الدوليين، وتعرض التجارة النفطية العالمية للخطر، وما رافق آخر الاستهدافات التي طالت خط آرامكو الذي يشكل خط الاحتياط لنقل النفط السعودي تفادياً للمرور بمضيق هرمز نحو البحر الأحمر، وإعلان أنصار الله مسؤوليتها عن العملية، فإن من قام بالاستهداف هم من تسميهم واشنطن بوكلاء إيران، ووفقاً لما قاله ترامب وبومبيو وبولتون، فكل استهداف لمصالح حلفاء واشنطن من قبل وكلاء إيران سيعني تعرّض إيران لعقاب شديد وعواقب وخيمة، وها هو الاستهداف يحصل، ولا تقع الحرب.

قامت طهران بنقلتين نوعيتين مفاجئتين، بلغة الشطرنج، النقلة الأولى هي إعلانها بعد إلغاء الاستثناءات التي كانت مطبقة على العقوبات الأميركية على مستوردات النفط والغاز من إيران، عن مهلة ستين يوماً ستخرج من الاتفاق النووي بعدها وتعود للتخصيب المرتفع لليورانيوم عندها، بما يعني اقترابها من لحظة امتلاك الكمية الكافية كماً ونوعاً لصناعة قنبلة نووية، ولو بقيت خارج دائرة تحويل هذا اليورانيوم إلى قنبلة جاهزة، والنقلة الثانية هي قيام حلفائها الذين يملكون خطوط اشتباك مع واشنطن وحلفائها، برفع درجة السخونة على هذه الخطوط، كحال المواجهة بين أنصار الله والسعودية والإمارات من جهة، والمواجهة التي تخوضها قوى المقاومة العراقية لفرض انسحاب القوات الأميركية، مقدّمة لواشنطن الفرصة لدخول الاشتباك الذي هددت به واشنطن.

كان كافياً للاستنتاج بأن واشنطن مرتبكة رؤية مايك بومبيو في اليوم الثاني لعمليات الخليج، وهو يطل في مؤتمره الصحافي المشترك مع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف من سوتشي متجاهلاً أن حدثاً هائل الأهمية يحدث في البقعة التي أوفدت إليها واشنطن حاملات طائراتها ومدمراتها كترجمة لتهديداتها بالحرب «إذا تعرضت مصالح الحلفاء وتم استهدافها من وكلاء إيران، فإن إيران ستدفع الثمن»، وجاءت العلامة الأقوى على حال واشنطن المرتبكة، عندما سئل بومبيو في المؤتمر عما يجري في الخليج فأجاب أن ليس لديه تفاصيل ما يجري وأن إدارته تنتظر نتائج التحقيقات، والطبيعي هو السؤال منذ متى تنتظر الدولة التي تريد شنّ الحرب نتائج تحقيق، وهي غالباً ما تقدم على تصنيع الذريعة التي تتيح ترجمة التهديد بتوجيه اتهام وإطلاق الطلقة الأولى. فهل انتظرت واشنطن تحقيقاً في استخدام السلاح الكيميائي في سورية قبل حشد مدمّراتها وإطلاق الصواريخ؟

الواضح أن طهران تدرك بدقة موازين القوى التي تحكم معادلات المنطقة، وتدرك أن واشنطن بلهجتها وخطواتها التصعيدية منحتها الفرصة لتسييل فائض القوة الذي يملكه محور المقاومة، لتشبيك ملفات قوى المحور بعضها بالبعض الآخر، وإحكام القبضة على ربط أي مسعى للتفاوض بتناول الملفات المتشابكة، بحيث بات وقف هجمات أنصار الله مرتبطاً بوقف العدوان السعودي الإماراتي، ووقف الرسائل السانحة في العراق ببرمجة الانسحاب الأميركي منه، إضافة لأي حل يؤمن لإيران صادرات نفطها وتدفق الأموال، ويضمن تهدئة الملف النووي بانتظار فرص مقبلة للحلول، ولم يغيّر من ذلك إقدام «إسرائيل» على مشاغبات عسكرية في سورية، وتسريب الجماعات المسلحة في سورية اتهامات للحكومة باستخدام السلاح الكيميائي.

ستون يوماً على صفيح ساخن تمرّ بها المنطقة، ستقطعها قمة العشرين بعد شهر تقريباً، لتشكل فرصة مشاركة الرئيسين الأميركي والروسي وما يجري تداوله من فرصة لقمة تجمعهما، الموعد المناسب لرسم معادلات تتراوح بين تسويات بطريقة التراضي أو بطريقة التغاضي أو بربط النزاع، كشروط للتهدئة.

بواسطة
ناصر قنديل
المصدر
صحيفة البناء
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock