“الأخطاء الاستراتيجية القاتلة.. تركيا وبداية التحولات في سوريا”

الأخطاء الاستراتيجية القاتلة.. تركيا وبداية التحولات في سوريا
أمجد إسماعيل الآغا

الأرض المتحركة التي يقف عليها رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، حولت حساباته تُجاه سوريا إلى أرقام صفرية، حتى باتت كل ملامح الاتفاقات حبراً على ورق، والمصافحات الدبلوماسية لا تُجدي نفعاً مع دمشق، فلا الهدنات المتلاحقة ولا أبواب الحل السياسي، أفضت إلى نتائج ترضاها الاستراتيجية السورية.

الجدّية السياسة والعسكرية التي رسمت مشهد سياسات سوريا وحلفاؤها، لم تُصِب مكمن السلام الحقيقي الذي يحاول أردوغان تشويه ملامحه، حيث أن معركة المعادلات الإقليمية والدولية التي حاول توظيفها في ملف شمال شرق سوريا، باتت معادلات خارج الحسابات السورية، خاصة أن مسار التطورات المتعلقة بجغرافية الشمال السوري، والحشود العسكرية ذات الزخم الهجومي، أربك الخيارات السياسية والعسكرية لأردوغان، فالمشهد السوري وما يحتويه من تحوّلات عسكرية مُتسارِعة أفضت إلى تغيّر في ملامح جغرافية الحرب، فقد جسّدت هذه التحوّلات واقعاً أجبرت الفاعلين في الشأن السوري على البحث عن مخرجات سياسية، تُحقّق لهم أدنى المكاسب المُرتبطة بجملة الأهداف التي سارعوا إلى تحقيقها في سوريا.

لكن مع تبدّل الصورة النمطية التي سادت عقب بداية الحرب على سوريا، والتي كانت تتمحور حول الرهانات الإقليمية والدولية بقرب إسقاط الدولة السورية، وما تبع ذلك من تغييرات وتعقيدات على مستوى التحالفات السياسية منها والعسكرية، تمايزت مطامع القوى الدولية التائِهة بين المُنجزات التي حقّقتها الدولة السورية، وبين حلفاء أقوياء وثابتين إزاء مواقفهم تجاه سوريا.

بهذا المعنى، فرضت الدولة السورية رؤيتها الاستراتيجية في ملف إدلب، مع الأخذ بعين الاعتبار أيّ سيناريو أميركي تركي قد يُعرقل السيناريو السوري، لكن وبعد مراكمة البيانات السياسية والعسكرية التي هندَستها الدولة السورية وجيشها، ستكون دمشق أكثر تحرّراً من الضغوط وقدرة على الحركة وفرض الوقائع والمُعطيات، وهذا ما يُترجِم التخبط التركي حيال المشهد السوري بعموم جُزئياته.

هذا التخبط هو ترجمة للعجز عن الإحاطة بمفاهيم التطوّرات التي فرضتها دمشق وحلفاؤها، كما أن تركيا قد استنفذت قُدرتها على المناورة السياسية والالتفاف على أيّ تفاهم سياسي مع روسيا بتوجيهاتٍ أميركية، كما أن تركيا باتت في مأزق استراتيجي جراء دعمها للفصائل الجهادية في سوريا، وترغب بفك الارتباط معها عبر طرق متعددة، دون دفع أكلاف باهظة جراء ماهية العلاقة بين أردوغان والفصائل الإرهابية في سوريا.

أقرأ أيضاً:

انقرة تحدد شرطاً لوقف إطلاق النار في ليبيا

في إطار ما سبق، يمكننا وضع الحشود التركية في إدلب ومحيطها في إطار مُعطيين:
الأول- قيام الجيش التركي بعمليات تغيير واسعة في صفوف الجماعات الإرهابية العاملة بإمرته في تلك المنطقة، ولعل القاء منشورات باسم الجيش التركي فوق إدلب، وما احتوته من طلبات لجهة عدم مساعدة من وصفتهم “بالجماعات الإرهابية”، ودعم الجيش التركي في عمليته تأمين الطريقين الدوليين M-4 و M-5، الأمر الذي يُترجم تنامي الخلافات بين الجانبين، ورغبة تركيا بفك ارتباطه بالجماعات الإرهابية.
الثاني- ارتفاع نبرة التحدي من قبل المجموعات الإرهابية، ضد سياسة أردوغان ونهجه الرامي إلى تصفيتهم بطرق مختلفة، هذا الأمر تزامن مع انتشار أنباء عن اقتراب ساعة المواجهة بين هذه المجموعات ورُعاتهم الأتراك.

ضمن المعطيين ثمة سؤال تفرضه الوقائع والمعطيات، فبعد أن أصبحت الفصائل الإرهابية تُشكل عبئً واقعياً واستراتيجياً على تركيا، هل يستطيع أردوغان تفكيك الجسد الإرهابي في إدلب بعدما وضعه في عناية مركزة برعاية المخابرات التركية؟، ولعل السؤال الأهم، هل ستسمح الدولة السورية ببقاء إدلب مسرحاً لأردوغان وأبطاله الوهميين، وسحب ورقة إدلب من بازار توجهاتهم؟.

حقيقة الأمر، أن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها أردوغان، لم تعد تُجيز له الاستثمار في العامل الزمني الذي حاول عبره الالتفاف على جوهر الاتفاق مع روسيا، ومن الواضح أن هذه الأخطاء هي من صُنع أردوغان ذاته، فعملية رعاية و”تسمين الإرهابيين”، باتت خطراً عليه، واليوم يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع بيادقه، إذ لم يعد قادراً على الاستمرار في تبنيهم، ولا توفير الغطاء العسكري أو السياسي لهم، بالمقابل، فإن الفصائل الإرهابية أدركت هذه الحقائق، وهي تبحث عن فرصة يُمكن من خلالها استجداء الدعم التركي مُجدداً، وفق معادلة المصالح المشتركة بين الطرفين.

الاستحقاقات الضاغطة التي تؤطر تحركات أردوغان في سوريا، أجبرته على إرسال ألاف الإرهابيين إلى ليبيا، وما تبقى منهم في إدلب يسعى أردوغان إلى إدخالهم في ماراثون التصفيات النهائية، أمام هذه المعادلة يصبح التسليم من الإرهابيين، لسيدهم العثماني دون مكاسب أمراً غاية في الصعوبة بعد الخدمات الكبيرة التي قدموها له، وهذا يضعهم أمام خيارين؛ فإما الاستسلام بلا قتال وبالتالي لا مكاسب، مقابل الحفاظ على أرواحهم وتوزعهم لاحقا على المنافي، وهو أمر مستبعد نظراً لتعدد أجنداتهم وتباين أهدافهم وتعارض أيديولوجياتهم، وإما مواجهة وقتال الجيش الداعم لهم، الذي حشد من القوات والسلاح ما يؤذن بعملية عسكرية ضدهم.

بصرف النظر عن نتائج ومخرجات ما سبق، فإن الأخطاء الاستراتيجية ستجعل من أردوغان غارقاً في جُملة من المآزق الداخلية والخارجية، وبهذا المعنى، فإن هناك صفحة من صفحات الانتكاسة السياسية والعسكرية، سيملؤها أردوغان بحساباته التي باتت صفرية، ولا سبيل لتعديل مواقفه وبناء معادلة تُجنبه المزيد من الغرق في سوريا، إلا البحث عن طريق يوصله إلى دمشق، وتفكيك ما زرعه من ألغام سياسية وعسكرية في عموم شمال شرق سورية.

أقرأ أيضاً:

روسيا ترد على عقوبات أمريكية جديدة على "السيل الشمالي-2"
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق