الأنبياء رسل المحبة والسلام إلى شعوب الأرض.

بسم الله الرحمن الرحيم:

( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.) يونس-47.

منذ فجر البشرية كرم الله الإنسان، وجعله خليفته على أرضه ومنحه العقل ليكون أرقى مخلوقاته، وأراد له أن يسلك الطريق المستقيم الذي يليق به كإنسان وهو طريق الخير والمحبة والسلم والوئام ليعمر الأرض ويجعلها مكانا آمنا له ولبني جنسه جيلا بعد جيل بعد أن هيأها له ورزقه بنعمه التي لاتعد ولاتحصى. حيث قال الله في كتابه العزيز:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.) الإسراء-70

وكلمة (تفضيلا) هي توكيد لمعنى الفعل في هذه الآية العميقة الدلالات.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف الأسمى للنفس البشرية بعث الله أنبياءه ورسله ليهدوا الناس إلى الطريق الأمثل التي تنيره الحكمة والموعظة الحسنة ليختاروا الطريق القويم الذي أراده الخالق لهم وهو طريق المحبة والسلم والوئام على الأرض بعيدا عن شهوة الحقد والإنتقام التي تؤدي إلى الحروب وينتج عنها سفك الدماء وتشريد الملايين، وتفشي المجاعات وتدمير الأوطان .

والأنبياء هم بشر لكنهم بلغوا درجة عالية من الكمال الإنساني فاختارهم الله ليكونوا أنوارا ساطعة على الأرض ليبلغوا رسالة السماء. وكتبهم التي أنزلها الله عليهم هي دساتير إلهية تدعو إلى الاستقامة وتحذر من الوقوع في الرذائل والانحراف عن جادة الصواب حتى تعيش أمم الأرض بسلام مهما اختلفت ألوانها ونهجها وقومياتها وأديانها.

يقول الله في محكم كتابه العزيز:

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.) الحجرات-13.

فالله لم يفضل أبيضا على أسود ولا غنيا على فقير ولا عربيا على أعجمي ولا رئيسا على مرؤوس. وهذا المبدأ أكد عليه جميع الأنبياء بأمر من الله، وخاتمهم نبينا محمد ص الذي قال:

(المسلمون سواسية كأسنان المشط) (ولافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) و(خير الناس من نفع الناس ) و(خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.) و(إن الله ينظر إلى أعمالكم ولا ينظر إلى أحسابكم وأنسابكم.)

والله لم يخلق البشر على شاكلة واحدة بل خلقهم كخليط من المعادن نفيسها ورديئها وقد بذل رسله كل مافي وسعهم لتهذيب الرديئ، وزرع البذورالنقية فيه من خلال رسالاتهم الهادية التي بشروا بها لتبقى كل نفس بشرية على الفطرة السليمة التي تميل إليها وتتلمس وجودها في هذه الحياة عن طريق العقل الذي تمتلكه. حيث يخاطب الله رسول الإنسانية محمد ص في محكم كتابه العزيز:

أقرأ أيضاً:

مرتزقة أردوغان وصناعة الموت بليبيا...!

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.) الروم-30.

ومن الطبيعي أن يلقى الأنبياء ع العنت والرفض والاضطهاد والعذاب من أعداء هذه الفطرة الإلهية الذين سلكوا طريق الشر والرذيلة والانحراف على مر التأريخ بعد أن استولت الأهواء الدنيوية على عقولهم وكانت البداية قتل قابيل لأخيه هابيل. لكنه حين رأى غرابا يبحث في الأرض ويواري سوءة غراب آخر شعر بعظم ذنبه فندم ولام نفسه ولكن بعد فوات الأوان والقصة القرآنية عبرة لأولي الألباب .

وبمرور الزمن ظهر الطغاة أمثال نمرود وياجوج وماجوج وفرعون وهامان وقوم عاد ولوط وغيرهم من الذين أخبرنا الله بهم قي محكم كتابه العزيز.فعتوا وتجبروا وانحرفوا وعاملوا البشر كالعبيد، وحذرهم الله من طغيانهم وجبروتهم في آيات كثيرة. وبمرور الزمن ظهرت النعرات الجاهلية في الجزيرة العربية والتي نادى بها أبو لهب وأبو جهل وأتباعهم من أعراب الجاهلية ومعهم المنافقون الذين وقفوا ضد الدعوة الإسلامية فارتكبوا شتى أنواع الظلم والاضطهاد بحق نبي الله ص في بدء الدعوة الإسلامية.

وكانت واحدة من تلك الآيات البينات كافية لتبيان عظمة رسول الله وجهوده الحثيثة لإنقاذ الأمة من جهالتها لكي تصل إلى شاطئ الخير والمحبة والسلام بعد أن كانت غارقة في عمايات الجهالة والتخلف والضلال والغزوات حيث يقول الله في آية واحدة من عشرات الآيات الكريمة:

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.) الجمعة-2.

وهناك الكثير من الآيات الكريمة التي تحتوي على خطاب مباشر وغير مباشر للنبي محمد ص والعديد من الأنبياء الذين سبقوا الرسول محمد ص.

وقد تحمل رسول الله ص والأنبياء جميعا أشد أنواع الأذى والتنكيل من قبل مخالفيهم لكنهم لم يحيدوا ولم يستكينوا ولم يتوانوا في تبليغ رسالات ربهم التي أوكلت إليهم إلى آخر يوم من حياتهم . وضربوا المثل الأروع في التحمل والصبر على الشدائد والمكائد ماعجز عنه البشر العاديون. وكانوا يقدمون لهم الحجة بعد الحجة ليهتدي أكبر عدد ممكن من أقوامهم إلى طريق الحق. حيث يقول الله في كتابه العزيز:

أقرأ أيضاً:

بالفيديو: حذاء لحكام العرب على الهواء مباشرة

( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيراً.) الفرقان-31.

وهناك من آمن بالأنبياء وهم المهتدون الذين سمعوا القول فاتبعوا أحسنه رغم قوة الأعداء وبطشهم فقال الله عنهم في محكم كتابه العزيز:

(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. )آل عمران-146.

وكان نبينا محمد ص من أكثر الأنبياء الذين تحملوا الظلم والغدر. بدليل قوله ص : (ماأوذي نبي مثل ماأوذيت ) وفي الأغلب إن النفوس الشريرة التي كانت مصرة على سلوكها تنجب أشرارأ أشد منها ظلما وإجراما وتعنتا وجهلا من خلال الآية الكريمة :

(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ.)

ولا أريد أن أستغرق في حوادث التأريخ التي لاتتسع لها المجلدات، ولكني كمسلم أتساءل أين الأمة الإسلامية من التعاليم السمحاء التي بشر بها رسول الإنسانية محمد ص؟ وهل الجرائم المروعة التي يرتكبها الدواعش ومنها التمثيل بجثث ضحاياهم ويشمئز منها كل إنسان يملك ضميرا حيا لها علاقة بالإسلام؟ وهل طلب رسول الإنسانية ص أن يمزق الإنتحاريون أجسادهم النتنة في التجمعات السكانية الآمنة باسم الإسلام .؟ وهل هذه الفضائيات التي تتستر على جرائمهم وتروج لها هي فضائيات موضوعية ومحايدة وتدافع عن الإنسان كما تدعي.؟ وهل هذه الجرائم البشعة التي يراها العالم هي دعوات للجهاد؟ وهل تحول الإسلام إلى دين مفخخات وانتحاريين ؟

وأين تعاليم الأنبياء الذين بعثهم الله رحمة للبشرية من جرائم هؤلاء المجرمين الذين حرفوا كل قيم السماء ؟

ولاشك إن سكوت من يسمون أنفسهم(علماء الأمة) هي كارثة وأزمة أخلاقية كبرى تعاني منها أمتنا الإسلامية بعد أن انتهكت الحرمات وسفكت الدماء باسم الإسلام، وانتشر غدر اللئام الأوباش كالنار في الهشيم، وما زالوا يتلقون الدعم المالي والإعلامي أنظمة عربية طائفية، وتحثهم على إرتكاب جرائمهم فتاوى شيوخ التكفير الضلاليين الذين تحولوا إلى أبواق لحكامهم وأساءوا للإسلام أكثر من أعدائه التقليديين. وما يسمى بـ (علماء الأمة ) صامتون كصمت القبور، وإذا نطقوا يقولون إن هؤلاء المجرمين (ثائرون ضد الإقصاء والتهميش الذي يعاني منه السنة على أيدي الشيعه ) أليس هؤلاء ( العلماء) المزورون للحقائق هم أحفاد أولئك المنافقين الذين ذكر الله رسوله الكريم ص بهم حين قال في محكم كتابه العزيز :

أقرأ أيضاً:

المرأة التي أرادت وطن

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذابٍ عَظيْم.) التوبة-101.

فهل أصيب من يسمون أنفسهم (علماء الأمة) بالعمى ولم يشاهدوا هذه الجرائم النكراء بعد أن قالوا ماقالوا من أقاويل باطلة عن (غزو الشيعة للسنة) وعن ( قدرة علماء الشيعة على الابتداع ) وكلها أقاويل غرضها الأول والأخير تأجيج الفتن الطائفية بين المسلمين بدلا من توحيدهم ضد الأعداء الحقيقيين لهذه الأمة المنكوبة؟

ولصالح من تشن هذه الحرب المدمرة على شعب اليمن وسط هذا السكوت المريع ممن يدعي حرصه على الإسلام وتعاليمه.؟

إن الصمت المستمر عن جرائم الدواعش لايصب في مصلحة الأمة الإسلامية بعد أن طفح الكيل وبلغت القلوب الحناجر، وتعرضت مبادئ الإسلام السمحاء للتشويه وقد قال الله في محكم كتابه العزيز:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.)- البقره 208.

وكمسلم أستطيع أن أقول بكل صراحة ووضوح إن قطعان التكفير الذين يسخرون آيات الله لأهدافهم الإجرامية لكي يسفكوا المزيد من دماء المسلمين هم أشد كفراونفاقا ومروقا وإجراما من أجدادهم المارقين إنه طوفان أسود عات يزحف على أرض المسلمين باسم الإسلام والإسلام منه براء؟ والسكوت على هذا البغي والباطل هو القبول به وقد قال رسول الله ص :

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فأن لم يستطع فبلسانه ، فأن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الأيمان)؟

فلماذا يريدون للأمة الإسلامية أن تصبح أمة ذبح وقتل وظلام ودمار وأراد لها الله ورسوله أن تكون أمة قلم وكتاب وثقافة وعلم ونهار.؟ وهل يتصور هؤلاء إنهم سينجون من عقاب الله وانتقامه.؟

وإذا استطاع حكام القهر ووحوش الذبح الذين خرجوا من عباءتهم تحقيق نوازعهم الإجرامية الشريرة فكيف سيكون مصير الأمة وهي على وشك أن تصاب في صميم أخلاقها ؟ حتما سيكون الجواب:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
فأقم عليهم مأتما وعويلا.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق