الأولويات الروسية التُّرْكِيَّة فِي إدلب.. والإشكاليات الْعَمِيقَة

يُسجل لرئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، نجاحه في التسلل ما بين تضارب المصالح الامريكية والروسية في سوريا، وتحقيقه خرقاً في بنود التفاهمات التي صاغتها سلسلة الوقائع والمعطيات جراء تداعيات الحرب على سوريا، والتي فرضت معادلة التنسيق الروسي الأمريكي والروسي التركي. وما بين هذه المعادلات، فقد استطاع أردوغان اللعب على المتناقضات السياسية، ومحاولة العبث بماهية الصراع في سوريا وعليها، فقد جسدت جُملة المتناقضات الإقليمية والدولية حيال الملف السوري، حلم أردوغان في اقتطاع اجزاء من الجغرافية السورية، وتحويلها إلى “مناطق أمنة” حسب توصيفه، لتكون مسرحاً تركياً تنطلق منه شرارة تقسيم سوريا.

الأولويات الروسية التُّرْكِيَّة فِي إدلب.. والإشكاليات الْعَمِيقَة

في هذا السياق يُمكن فهم الاعتراضات الروسية المتكاثرة مؤخراً فيما يتعلق بمدى تنفيذ تركيا التزاماتها في إدلب وفق اتفاق سوتشي، فضلاً عن نشرها جنوداً في إدلب ، مع التوجس الروسي حيال إمكانية دعم الناتو لتوجهات أردوغان العسكرية في سوريا، والتي تنطلق من فرضية أن لا مصلحة للناتو بأن تغرق تركيا أو تنهزم، ما يعني بالإطار العملي تقديم دعم لأنقرة بُغية إعادتها للحظيرة الأمريكية الأوروبية، وحتى لا يكون لها قرار خارج مظلة الناتو سواء في العراق أو ليبيا أو سوريا، وعليه فإن روسيا تُدرك قُدرة أروغان على التماهي مع مصالح الناتو، ويُجيد اللعب في بازار المراهنات السياسة، فهل هذا الأمر سيدفع روسيا إلى تقديم بعض التنازلات في ما يتعلق بالشأن السوري؟.

لقد كان واضحاً خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ دخول روسيا عسكرياً على خط الأزمة السورية في أيلول 2015، أن أردوغان اعتمد استراتيجية الرقص على تضارب المصالح الروسية الأمريكية حيال الملف السوري، وحاول استثمار حاجة كلاً من موسكو وواشنطن لموقع تركيا الاستراتيجي في المنطقة، فالتطورات الجيواستراتيجية في مسار العلاقات الروسية التركية، أفضت جوانب عديدة جُلها ذات أبعاد استراتيجية، كصفقة S-400 الصاروخية، ومشاريع الطاقة مثل السيل التركي للغاز الطبيعي، ومحطة أك كويو للطاقة النووية، فضلاً عن ارتفاع مستوى التبادل التجاري بينهما، ويضاف إلى ذلك المُستجد الشرق أوسطي المُتعلق بالصراع في ليبيا وضرورة تقاسم المصالح هناك. كما أن بنية التفاهمات الروسية التركية سواء في أستانا أو سوتشي، تأخذنا بعيداً عن جزئية الشأن السوري، ليكون الأمر بُمجمله تقاسم مصالح، والسباق الميداني على تطويع النتائج العسكرية في الميدان السوري، لصرفها في مكتسبات سياسية في ميادين أخرى، إذ لا يُمكن النظر للعلاقة الروسية التركية من الزاوية السورية حصراً.

أقرأ أيضاً:

انفوغرافيك: ضمن مسار أستانا.. قمة ثلاثية تجمع روحاني وبوتين وأردوغان

في مقابل ذلك، تسعى واشنطن إلى اقتناص فرصة تأزم العلاقات بين بوتين وأروغان، وتوظيفها بُغية استرداد حليفتها الأطلسية، وإعادة تفعيل الدور التركي بما يتناسب ومصالح واشنطن ليس في سوريا فحسب، وإنما في عمق المسارات الأمريكية الشرق أوسطية، ونسج المزيد من خيوط التفاهمات مع أنقرة لتطبيق نظرية الشرق الأوسط الجديد وفق الرؤية الأمريكية.

في هذا الإطار يبدو أن أردوغان يتطلع إلى ما هو أبعد وأهم من ذلك، فنزعته وتعصبه العثماني، وأوهامه التي هندسها لتطال الفضاء الدولي، لا تكفي لإقناعه بالمغريات الأمريكية حيال الذهاب بعيداً عن روسيا، واستمرار مناكفتها ونظم المزيد من التوترات معها. هذه الجزئية مثلت خرقاً في توجهات واشنطن وانقرة حيال بعضهما، وبهذا الخرق بدأ التكتيك الروسي لاستثمار أوهام أروغان وطموحات واشنطن في سوريا عموماً و إدلب على وجه الخصوص.

بين هذا وذاك، من الصعب على رجب طيب أردوغان الاستمرار في اللعب على التناقضات، وتعميق غرقه في النزاعات الإقليمية، دون دفع أثمان باهظة، أو تقديم تنازلات جوهرية سواء تُجاه موسكو أو واشنطن.

نتيجة لذلك، يخشى أروغان من الولوج إلى عمق المعادلات الروسية والأمريكية في المنطقة، ويحاول جاهداً تمرير طموحاته وسط حقول الألغام التي تُحيط بُمجمل سياساته الشرق أوسطية، فالرهان بين الخياران الأوراسي والأطلسي، تؤطره العصبية القومية التركية، ما يعني بشكل أو بأخر انتقال حقول الألغام إلى الداخل التركي، لتغدو المراهنة على دور أنقرة الجيوسياسي في التوازنات الإقليمية والدولية، يصب مباشرة في ماهية ما هندسه أردوغان خلال سنوات الحرب على سوريا، إذ لم يدرك أردوغان أن مناوراته السياسة ومشروعه العثماني، واللعب على التناقضات الإقليمية والدولية، والعبث مع روسيا والتفاهمات معها، ستجعله في نهاية المطاف أمام واقع جُلّ خياراته تُحقق مقتلاً في مستقبله السياسي داخلياً وصورته المهترئة خارجياً. لكن رغم ذلك، تبقى بيده الورقة الأمريكية والتي تتطلب تنازلات جمّة، خاصة أنه في وقت سابق جرى اتصال بين ترامب وأردوغان، حينها لم تستبعد المعلومات أن يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتخاذ موقف عملي للتضامن مع أنقرة في إدلب ، مقابل شروط مُجحفة قد يوافق عليها أردوغان إذا اقتنع بأنها ستساعده على التصدي الرئيس الروسي، وبالتالي لمعالجة الأزمة المالية التي تزداد خطورة يوماً بعد يوم بسبب الحرب التركية في سوريا.

أقرأ أيضاً:

مجلس الأمن يرفض مشروع القرار الروسي حول سوريا

من هنا، يتوقف الأمر على خطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للإحاطة بالموقف التركي وإمكانية ترتيب تسويات جديدة، في موازاة استمرار تشدد موسكو حيال الملف السوري، ومحدودية خيارات أنقرة، مُستغلاً انشغال دونالد ترامب بمعركته الرئاسية القادمة، لصوغ مخرجاً من المأزق الذي وضع أردوغان نفسه به، وفي المقابل، تتم هندسة الميدان السوري ومخرجاته السياسية، بما يُناسب دمشق ويُبقي موسكو مُنتصرة على رقعة الشطرنج في عموم شمال شرق سوريا.

المعطيات السابقة لا تعني إطلاقاً أن موسكو بصدد التفريط بعلاقاتها مع أنقرة، كما أنها بذات الإطار، لا يُمكن لـ موسكو التراجع عن ما تم تحقيقه في سوريا، كما أن روسيا لا يُمكن أن تطلب من دمشق التراجع عن المنجزات التي تم تحقيقها في إدلب، وهذا ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حين قال: ” من حق الجيش السوري أن يقضي على الإرهاب بشكل كامل وروسيا لا تستطيع منعه“؛ ما يعني ازدحام الأهداف والمصالح ميدانياً، مع استمرار الارتقاء في فضاء المحادثات السياسية للتوصل إلى تسويات تُرضي جُلّ الأطراف، ودون تخطي عتبة السيادة السورية.

في جانب أخر، من الواضح ان التطورات الميدانية التي حققها الجيش السوري، تعكس اصرار القيادة السورية لاستعادة إدلب أياً كان الثمن، هو اصرار تترجمه موسكو أيضاً عسكرياً عبر دعم جوي للجيش السوري، وسياسياً من خلال تصريحات سيرغي لافروف حين أكد أن ” لا تنازلات مع الإرهابيين في سورية وأن الجانب ‎التركي لم يف بالتزاماته بموجب اتفاقات ‎سوتشي وعليه تنفيذها“.

وعليه بات جلياً أن دمشق وموسكو يُصرون على تحقيق اختراق عسكري وازن في إدلب، لكن هذا الأمر لا يعني أن موسكو أغلقت الباب في وجه الحسابات والحساسيات التركية، لكن المؤكد أنها لن تجاري أردوغان في مطالبه المبالغ بها، والتي لم تعد مفهومة لكثيرين من خصومه وأصدقائه، وموسكو مستعدة لتسويات في إدلب، وهي عرضت خرائط جديدة لوقف التصعيد، وربما منطقة آمنة لإيواء اللاجئين السوريين الذين يحتشد مليون منهم على مقربة من الحدود السورية – التركية، وأكثر من ذلك، لا يبدو أن الكرملين بصدد تقديم المزيد من التنازلات.

أقرأ أيضاً:

سوريا.. الفصائل الموالية لتركيا تختطف شيخ عشيرة في ريف الرقة

ختاماً، لابد من التذكير بأن عمق التحالفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين موسكو أنقرة، من الممكن أن يكون له قسطاً وازناً في ترتيب اللقاء المرتقب بين بوتين وأردوغان، لكن في مقابل ذلك، فإن التحالف الروسي السوري ذو الأبعاد الاستراتيجية أيضاً سيكون له بُعداً هاماً في إخراج اللقاء المرتقب، خاصة أن روسيا تُدرك أهمية سوريا التي باتت بوابة موسكو لتعفيل دورها كقطب عالمي مواز لـ واشنطن، وبذات الإطار تُدرك روسيا بأن السماح لـ تركيا بتحقيق ما تُريده في إدلب، لجهة تحويلها لمنطقة أمنة، سيُعرض الحلف السوري الروسي الإيراني للشرخ، إضافة إلى تحويل أردوغان لمارد منتصر في سوريا، وليُعمم هذا الانتصار ومفاعيله في الإقليم.

من هنا تبدو الإشكاليات واضحة بين روسيا وتركيا، ما يعني أن اللقاء المرتقب في موسكو بين الرجلين، لن يخرج بنتائج مُفيدة لسوريا وفق المعنى الذي تُريده الدولة السورية، فروسيا صراحة ليست بصدد تقديم تنازلات لـ أردوغان فهي تخبره جيداً. وسوريا أيضاً لن تتراجع عن الاستمرار في العمليات العسكرية حتى تحرير إدلب. وعليه سيخضع الميدان السوري لسلسة جديدة ومتطورة من التجاذبات السياسة والعسكرية، مع التأكيد على أن شعرة معاوية لن تنقطع بين بوتين أردوغان بسبب سوريا، فكل طرف حساباته الاستراتيجية، لكن تبقى إدلب مصيدة لطموحات أردوغان، وتعميقاً لجراحه التي أثخنتها مُنجزات الجيش السوري، وستبقى الدولة السورية بتوجهاتها السياسية وحكمتها الاستراتيجية حيال أي مُستجدات، تُهندس المسارات السياسة والعسكرية ضمن توقيت دمشق.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق