الإمام الحسن.. عنوان الإنسانية والخير والحقيقة المظلومة

أربعة عشر قرناً والمؤرخون من الخاصة قبل العامة أولئك المتأثرون بتاريخ ودعايات بني أمية الطلقاء، لا زالوا غير منصفين للامام الحسن بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام، ولا زالوا يأخذون عليه “معاهدة الصلح” التي قامت بينه (ع) وبين الطليق أبن هند آكلة الأكباد “معاوية بن أبي سفيان” في 26 ربيع الأول سنة 41 للهجرة، حقناً لدماء المسلمين ودفعاً للفرقة والنفاق والتشتت والانقسام وإندحار الرسالة النبوية الشريفة .

روى أبن عساكر بإسناده عن حذيفة بن اليمان: “انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ألا انّ الحسن بن علي قد أعطي من الفضل ما لم يعط أحدٌ من ولد آدم ما خلا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله” – (ترجمة الإمام الحسن ص ۱۲۱ رقم ۱۹٤ ، ورواه أبو نعيم في أخبار اصبهان ج ۲ ص ۲٤۲). وروى المتقي عن عائشة : “أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأخذ حسناً فيضمّه إليه، ثمّ يقول : اللهم انّ هذا أبني وأنا أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه” – (كنز العمال ج ۱۳ ص ٦٥۲ رقم ۳۷٦٥۳ ، رواه ابن عساكر في حياة الإمام الحسن من تاريخ مدينة دمشق ص ٥٦ رقم ۹۸ ، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ص ۱۷٦. ورواه البدخشي في مفتاح النجاء ص ۱۷۳).

كما روى أنس بن مالك: جئت أمطي الحسن والحسين عن رسول الله، فقال: ويحك يا أنس! دع أبني فؤادي، فان من آذى هذا فقد أذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (كنز العمال للهندي: 6 / 222، أخرجه الطبري).. فما السر في أن يؤكد رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله) إن حبه متعلق بحب الحسنين وأبويهما في أحاديث جمة؟!.

وتذكر كتب السيرة أن الرسول (ص) لم يفصل بين الامامين الحسن والحسين عليهما السلام في الفضل والمحبة، فقد كان (ص) يقول – في ما رواه السنّة والشيعة: “الحسنُ والحسينُ سيِّدا شبابِ أهل الجنّة””- أخرجه البخاري ومسلم، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 1 ص 26، و مسند أحمد – باقي مسند المكثرين – مسند أبي سعيد الخدري 11200 و 10616و11224 و…، وكان يقول وهو يشير إليهما: “اللهمَّ أبغضْ من يبغضهما”. وهكذا كان يقول:”من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني”- لسان العرب – (ج 12 / ص 522) (2) (حم) 9671، (جة) 143، انظر الصحيحة: 2895، ومجلسان من أمالي أبي محمد الجوهري – رقم 25، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي رقم 74، وفي سير أعلام النبلاء : ج 3 ص 168، والسلسلة الصحيحة ” 6 / 931 :أخرجه أحمد في ” المسند ” (2 / 440) و في “الفضائل” (2 / 777 / 1376) ومن طريقه الحاكم (3 / 166) والبزار (3 / 227 / 2627).

الحديث عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام هو الحديث عن سر الروح في آفاقها الواسعة الصافية النقية المنفتحة على الله عز وجل، وعمق الانسانية المتحركة بالخير والحق والعدل كله.. ومعنى الحكمة في مواجهة حركة الواقع في سلبياته وايجابياته، وشمولية العطاء في رعاية المحرومين من حوله، وسموّ الأخلاق الّتي تحتضن كل مشاعر الناس بكل اللهفة الحانية في مشاعرها، وتتحرك في مواقع العصمة في سلوكه في نفسه ومع ربه ومع الناس ومع الحياة.

روى البخاري في ” صحيحه ” (حديث رقم/2704) عَنْ أَبِي مُوسَى قال: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ- وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: ( إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ )، وكل ذلك وجهلة الأمة رموه ببغيهم بعد “وثيقة الصلح” مع معاوية لحقن دماء المسلمين، وأتهموه (ع) بأنه “مذل المؤمنين”!! مما جرح قلبه الشريف عليه السلام حيث لا يزال ينزف حتى يومنا هذا.

كان الإمام الحسن المجتبى عليه السلام الشاهد على إستشهاد جده (ص) وأستشهاد أمه وكذا أبيه أمير المؤمنين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكان الشاهد على مؤامرة السقيفة وإغتصاب حق أبيه في الخلافة وحق أمه في فدك فيما بعد والإستهانة بمقامها العظيم ليضرموا النار ببابها ويسقطوا جنينها، نعم هو الشاهد على إنثلام الدين وتحريفه وتزييفه وعودة الأمة الى عهد الجاهلية القبلية التي لاتزال قائمة تستبيح كل محرم بنفاق وسياسة غدر بني أمية الطلقاء وأتباعهم التكفيريين هنا وهناك لتمزيق أمة نبي الرحمة والمودة والرسالة السمحاء.

كان لابد من التصدي لهذا الإنحراف الخطير وفق تكليف إلهي لكن كلاً على طريقته، فقد قام الإمام الحسن والحسين عليهما السلام بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قام بأدائه سيد الشهداء عليه السلام بقيامه المقدس الدامي.

الرافضون لمنهاج أهل بيت النبوة والامامة عليهم السلام لا يمكنهم قبول التصدي لإنحرافهم وتزييفهم للرسالة السماوية السمحاء الداعية للمحبة والمودة والتعايش السلمي والتعاضد والتكاتف والتوحيد والمساواة والعدالة؛ فجعلوا من الاسلام سيفاً يقطع الرؤوس، ومفخخات تفجر الناس الأبرياء، وسلاحاً لتدمير البلاد والعباد خدمة للمشروع الصهيوني العالمي “الاسلاموفوبيا” بأموال بترول الأمة وفتاوى وعاظ بلاطهم مرتزقي فتاة ريالهم ودرهمهم ودولارهم، يبيعون ويشترون بدماء الناس باثمانٍ رخيصة دون خوف أو فزع أو وجل من الله سبحانه وتعالى .

مسؤولية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كانت مهمة وصعبة جداً، ربما أصعب من مسؤولية الامام الحسين عليه السلام، وذلك لأن مسؤولية الإعداد أصعب من تفجير النهضة والقيام المسلح، لأن الشخص الذي يريد بناء وتربية جيل على المفاهيم الصحيحة، فمن دون شك وترديد لابد من أن يلاقي صعوبات عديدة، وربما يهان، كما أنه يحتاج إلى برنامج منظم وزمان طويل ومخطط دقيق على المدى البعيد، والكوادر الصالحة والتقية والاحتياط من أجل المحافظة على هذا الجيل في حال الإعداد والبناء، وعوامل البقاء خلال عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، وأخيراً فهو بحاجة للاستعداد الكامل لتحمل الكلمات الجارحة وأن يكون بعيداً عن كل مدح وثناء.

يسعى الإنسان الى بلوغ مدارج الكمال، وهذا لا يتأتى إلاّ من خلال دراسة ما كانت عليه الأسوة والقدوة التي تقدم المثال والأنموذج في تشكيل عناصر الشخصية الإنسانية، وبما أن النبي (ص) والأئمة(ع)، يجسدون في أقوالهم وأفعالهم النموذج الأسمى في الاقتداء، وربما الرسالية في أرفع معانيها، كان لا بد من تتبع أثرهم، والاطلاع على منهجهم في الحياة، وهذا ما أطلعنا عليه سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، في قراءة متأنية للمنهج الذي اتّبعه الإمام الحسن المجتبى (ع)، ودائماً من المصادر الأصيلة، من خلال النصوص الواردة في هذا المجال.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق