الإيمان وَتَعزيزُ الإعتِقاداتِ

يَحسَبُ الكثيرونَ ، أنَّ الإيمان والاعتقادَ مترادِفان أو أنَّهما شيءٌ واحدٌ على القَولِ بنفيِ الترادفِ في اللغةِ . والحقيقةُ انهما أمران مُختلِفان ؛ فالعَقيدةُ مأخوذّةٌ من العقد وهو: الشدُّ والرّبطُ ، ومنه عَقدُ البيعِ ، وَعَقدُ النكاح وغيرُها من العقودِ التي تقوم بالربط بين طرفين .

الاعتقاد امرُعقليٌّ محلهُ العقلُ ، و الإيمان أمرٌ قلبيٌّ مَحلهُ القلب. الاعتقادُ حالةٌ عقليّةٌ ، والايمانُ حالةٌ قلبيّةٌ .

أَكثَرُ مُعتقداتِ الناسِ اخذوها من شهادات الاخرين واقوالهم ، وماشاهدوه من ممارساتٍ وتقاليدَ . أكثرُ معتقدات الناس مأخوذة من خارج ذواتهم ، مما يقولهُ الاخرون ويكتبونه ، من اقوالِ اساتذتهم … ولم يستندوا فيها الى تجاربهم الذاتيّة ، ومعاناتهم هم في اكتشاف الحقيقة.

المعتقدات كأفكارٍ في الأدمغةِ إن لَمْ يُعززْها الإيمان مُعَرّضَةٌ للاهتزاز والتزلزل اذا تعرضت لقصفٍ عاصفٍ من الشكوك ؛ فهي اشبهُ بالايمان المستودع وغير المستقر.

الإيمان وَتَعزيزُ الإعتِقاداتِ

اعداءُ الاسلام ، والمشككون في هجمتهم على المعتقداتِ ، يثيرون شكوكاً ، ويطرحونَ شبهاتٍ ، يتلقاها الذين تشكلت معتقداتهم من اراء الناس وافكارِ الناسٍ ، ومقولات الناس ، ولم يبذلوا هم انفسهم جهداً ومعاناةً في اكتشاف الحقيقة ، يتلقونها على اعتبارها حقائق لامجرد شبهات تدعوهم الى البحث الجاد العميق لمعرفة الحقيقة. اكثر مكونات ادمغةِ شبابنا اليوم ، هي من مقولاتِ الاخرين ، وافكار الاخرين ، وهذه المعتقدات لاتصمد امامَ ادنى الشبهات .

وانا هنا ، لااحاول ان اقللَ من جهود العلماء في الاستدلال ، واقامة البراهين على العقائد الحقّةِ ، فهذا امرٌ عظيمٌ ، وجُهدٌ جليلٌ ، وهو عندنا محلُّ تقديرٍ واجلال. ولكنَ هذه الجهود ِتعزّزُ الاعتقادات . أمّا الإيمان ُ فمسألةٌ ذاتيّةٌ وجدانيّة قلبيّةٌ تشكلّها التجربة الذاتيّة والمعاناة الداخليّة .ايمانُ العُرفاءِ ارسخ في النفسِ واكثرُ ثباتاً من ايمان المتكلمين ؛ لانَّ ايمانَ العرفاء ناتجٌ عن تجربةٍ قلبيةٍ وجدانيّةٍ ومعاناةٍ في اكتشاف الحقيقة ، وامّا ايمان المتكلمين فهو قائم على رسوم ومعادلاتٍ عقليّةٍ ، تهزها الشكوك ؛ ولذلك كثيراً مايبدل المتكلمون مذاهبهم ، والامام ابوالحسن الاشعري كان معتزليّاً وبقي اربعين عاماً في الاعتزال ، وبعدها أنشأَ مذهباً جديداً.

أقرأ أيضاً:

  وكان أبوهما صالحا فأراد ربك

المعتقدات حالة جاهزة تتشكل من خلال قراءات كتابات الاخرين ، وثقافةِ المجتمعِ وكل مايحيطُ بالانسانِ خارجَ ذاتهِ . اما الإيمان فهو حالةٌ قلبيّةٌ وجدانيّةٌ ذاتيّةٌ ، فيها يجد الانسان معاناته والمه ولذته في اكتشاف الحقيقة . الايمانُ تجربة ذاتيّةٌ قلبية ، ولذلك يرفضُ القرانُ الكريم دعوى الاعرابِ الايمانَ .

يقولُ اللهُ تعالى : { ۞ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. الحجرات: الاية: 14. ؛ لان الايمانَ حالةٌ قلبيةٌ تتشكل من خلال تجربةٍ ذاتيّةٍ ومعاناةٍ ، على عكس الاسلام الذي هو حالةٌ ظاهريةٌ يكتسبها كلُّ من نطق بالشهادتين ، حتى المنافقين محكومون بالاسلام ظاهراً ، ولكنهم كفارٌ في حقيقتهم وباطنهم .

وابراهيم عليه السلام هو من طرح هذا المنهج منهج الايمان في تعزيز الاعتقاد ، والقران يحكي لنا هذهِ القصةَ عن خليل الله ابراهيمَ عليه السلام : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. البقرة: الاية: 260.

ابراهيم عليه السلام الذي اره الله ملكوت السموات والارض ووصل الى درجة اليقين ، لم يكن مشككاً في المعاد ، على مستوى العقل وصل الى درجة اليقين بان الله تعالى يحيي الموتى ، وسؤاله لم يكن عن احياء الموتى ، وانما هو سؤالٌ عن كيفيةِ احياء الموتى . ابراهيم يرسم للناس هذا المنهج ، منهج ( تعزيز الايمان للمعتقد) ، قال اولم تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي ، انه يتحدث عن منهج الايمان الذي يعزز الاعتقاد .

وهذا المنهج ، منهج ” تعزيزُ الايمانِ للاعتقادِ ” ، نجده واضحاً في ايمان سحرةِ فرعونَ بموسى عليه السلام . السحرة كانوا يعتقدون بأُلُوهيةِ فرعون ؛ فهم قد أقسموا بعزته بأنهم الغالبون ، يقول الله تعالى :(فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ).الشعراء : الاية: 44. ، ولكنّهم عندما عاشوا تجربة الايمان الذاتية وشاهدوا عصا موسى (ع) تأكل مايأفكون ، اشتعلَ الايمانُ في قلوبهم ، وقلب هذا الايمان معتقداتهم الباطلة ، وعزز معتقداتهم الجديدة بموسى عليه السلام .

أقرأ أيضاً:

  "العروبة والإسلام في القبر"

وكذلك التجربة الايمانيّة التقوائيّة التي عاشها همّام بعد ان سمع خُطبةَ المتقين من فم علي (ع) ، وقد صعقته هذه التجربة حد الموت . يقول امير المؤمنين في هذهِ الخطبةِ واصفاً المتقين :

عَظُمَ الْخالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ ما دُونَهُ فِي أعْيُنِهِم فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآها فَهُمْ فِيها مُنَعَّمُونَ، وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآها فَهُمْ فِيها مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَ أجْسادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَ حاجاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَ أ نْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أيَّاما قَصِيرَةً أعْقَبَتْهُمْ راحَةً طَوِيلَةً، تِجارَةٌ مُرْبِحةٌ يَسَّرَها لَهُمْ رَبُّهُمْ، أرادَتْهُمُ الدُّنْيا فَلَمْ يُرِيدُوها، وَ أسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أنْفُسَهُمْ مِنْهَا أمَّا اللَّيْلَ، فَصافُّونَ أقْدامَهُمْ تالِينَ لِأجْزاءِ الْقُرْآنِ، يُرَتِّلُو نَها تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بهِ أنْفُسَهُمْ، وَ يَسْتَثِيرُونَ بهِ دَواءَ دائِهِمْ وَ إِذا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيها تَخْوِيفٌ أصْغَوْا إِلَيْها مَسامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَ ظَنُّوا أنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَها فِي أُصُولِ آذانِهِمْ فَهُمْ حانُونَ عَلَى أوْساطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَباهِهِمْ وَ أكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أطْرافِ أقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعالى فِي فَكاكِ رِقابِهِمْ وَ أمَّا النَّهارَ، فَحُلَماءُ عُلَماءُ أبْرارٌ أتْقِيَاءُ، قَدْ بَراهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِداحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ ما بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض وَيَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خالَطَهُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ، لا يَرْضَوْنَ مِنْ أعْمالِهِمُ الْقَلِيلَ،وَلا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَ مِنْ أعْمالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذا زُكِّيَ أحَدٌ مِنْهُمْ خافَ مِمَّا يُقالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أنَا أعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ، وَ رَبِّي أعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي ؛ اللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْنِي بِما يَقُولُونَ، وَ اجْعَلْنِي أفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَ اغْفِرْ لِي ما لا يَعْلَمُونَ.

هذه بعض ما جاء في خُطبةِ امير المؤمنين ، التي عاشها همّام تجربةً ايمانيّةً تقوائيّةً ، ادت الى موت همّام ، وقال بعدها امير المؤمنين(ع) : ( هكذا تَصنَعُ المواعطُ البليغةُ بأهلها ، اما والله كنت اخافها عليه ) .

وخُلاصَةِ القولِ : انَّ المعتقدات القابعة في الادمغة بلا ايمانٍ مُعَرّضَةٌ للاهتزاز ، وانّ الايمان يعزّزُ الاعتقادات ، ويعطيها حرارةً وقوةً وَأَلَقاً.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق