التصعيد الأمريكي في الشرق الأوسط .. البحث عن موجبات الاستقرار والحلول السياسية

خاص الوكالة العربية للأخبار | أمحد إسماعيل الآغا – مقاربة الواقع السياسي والعسكري في سوريا، تحتاج إلى الكثير من التدقيق في تفاصيل الملامح الإستراتيجية التي تنطوي عليها مصالح الأطراف الفاعلة في الملف السوري. بيد أن جُملة الحقائق التي أنتجتها منظومة العلاقات السورية الروسية الإيرانية، تتجه حُكماً إلى بلورة الحلول التي لن تكون خواتيمها متوافقة بالكليّة مع توجهات واشنطن وأدواتها الإقليمية في سوريا والمنطقة.

لذلك نُشاهد بين الحين والأخر تعقيدات سياسية وأخرى عسكرية، تسعى إلى خلط الأوراق المؤدي إلى اختلال موازين القوى الإقليمية والمؤثر بتداعياته على القوى الدولية، ولعل التحول الجوهري في ملامح الإستراتيجية الأمريكية، بدأ عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا، لكن في مضامين القرار الأمريكي المفاجئ توقيتاً ومضموناً، ألغامٌ سياسية قابلةٌ للانفجار بالاعتماد على تداعيات القرار الأمريكي، الذي ترك انطباعاً لدى حلفاء واشنطن أن المرحلة الأمريكية الجديدة ستكون مبنية على إعادة الحسابات والتموضع، بما يتناسب والقراءات الأمريكية حيال ملفات الشرق الأوسط،.

لكن الثابت ضمن هذه التعقيدات، أن قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، والعودة عنه لم تكن إلا لإضفاء مشهد ضبابي على ملامح المنطقة، يُدخل أعداء واشنطن في نفق ضياع الرؤى الإستراتيجية، ومن ثم بناء استراتيجية جديدة تتوافق مع ما تم التوصل إليه من معطيات ووقائع. لكن واقع الحال يشي بأن الفخ الأمريكي وألغامه، قد تم التعامل معهم وفق استراتيجية الاحتواء والتفكيك من قبل روسيا وسوريا وإيران، هذا الأمر كان أحد أهم أسباب التصعيد الأمريكي المُعتمد على التجاذبات بشقيها السياسي والعسكري. نتيجة لذلك، تستمر سياسة التصعيد الأمريكي دون الغوص عميقاً في تصعيد مؤدي إلى تدحرج الأوضاع نحو التصادم العسكري، والذي بدوره سيُحدث اهتزازات مؤثرة على النظام العالمي الجديد.

أقرأ أيضاً:

  مدينة واربع جيوش.. القامشلي نموذجاً

سياسة التصعيد الأمريكي في الشرق الأوسط ارتكزت في جزئياتها على بندين رئيسين:

  • الأول – تزامن الإعلان الأمريكي عن الانسحاب من سوريا، مع حملة أمريكية اسرائيلية خليجية جاءت تحت عنوان التصدي للنفوذ الإيراني في سوريا، وعموم المنطقة.
  • الثاني – إعلان هزيمة داعش، مع الإبقاء على موجبات التدخل الأمريكي في المنطقة، والمُنطلق من نظرية محاربة الإرهاب، وفي جانب أخر العمل على ديمومة الفكر السلفي، بما يُبقي قواعد الإرهاب حاضرة ومؤثرة في الجغرافية السورية والعراقية.

الواضح فيما يتعلق بالبند الأول أن التصعيد الأمريكي ضد إيران، مرتبط جوهرياً بالكيان الإسرائيلي. حيث أن التهديدات المستمرة من أعلى هرم الإدارة الأمريكية ضد طهران، له ابعاد تتوافق حُكماً مع قضايا الابتزاز السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تمارسه واشنطن ضد الدول العربية، وخاصة تلك الخليجية. كل هذا من أجل الدفع بتلك الدول لقبول صفقة القرن، و الانخراط بشكل مباشر في حلف ضد إيران، تكون دولة الكيان الاسرائيلي أحد أهم أعمدته. لكن في مقابل التصعيد الأمريكي ضد إيران، برز توجه أوروبي معارض للنهج الأمريكي ضد طهران، هذا الأمر مرتبط بتداعيات الخطوات الأمريكية والانسحاب من الاتفاق النووي، المُتمثلة بالبحث عن سبل للحد من الأثر الاقتصادي جراء النهج الأمريكي، فالارتباطات الاقتصادية الأوروبية والخليجية مع إيران، قد تُشكل خرقاً في الاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية المُعتمدة ضد إيران، و لعل واشنطن استقرئت مبكراً أن الضغط الاقتصادي قد لا يؤتي ثماره، ما دفعها لسلوك طريق آخر وهو التلويح بالتصعيد العسكري من خلال تحريك عدد من القطع البحرية الأمريكية إلى الخليج، إضافة إلى افتعال بعض الاستفزازات المحدودة والتي جاءت كـ جس نبض عسكري.

بالتالي فإن التهديدات الأمريكية عبر الحلول العسكرية الرادعة لإيران، غير واردة بالمُطلق، لأن المنطقة برمتها ستكون مسرحاً لحرب لا يُمكن إحصاء خسائرها، وفي المقابل فإن إيران صبرت كثيراً على الاستفزازات الأمريكية، والتي كان أخرها احتجاز ناقلة نفط إيرانية في المياه الدولية، وعليه فإن ايران ستتحرك وفق قواعد القانون الدولي، وضمن خطوات سياسية ودبلوماسية، لاستثمار الاستفزازات الأمريكية ووضعها ضمن ضوابط تمنع استمرار تعقيد المشهد في المنطقة.

أقرأ أيضاً:

  "العربي برس" تكشف: هذه تفاصيل لقاء الخليلين مع الحريري

الجانب الثاني المُتعلق بإعلان هزيمة داعش، معناه في القاموس الأمريكي البحث عن خطر استراتيجي جديد يُهدد المنطقة، وبناء على هذا الخطر يتم الاستثمار الأمريكي في عديد الملفات الإقليمية والدولية، إضافة إلى إمكانية التصعيد ضد أعداء واشنطن انطلاقاً من تهديدات طارئة ومهددة للسلم العالمي. ضمن هذه الجزئية، وفي وقت سابق فقد وجدت واشنطن ضالتها في تصنيف الحرس الثوري الإيراني إضافة إلى حركة النجباء العراقية وكذا حزب الله اللبناني، على أنهم منظمات إرهابية، و بصرف النظر عن مُحددات التصنيف الأمريكي وتبعياته الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكن ماهية الخطوة الأمريكية تدخل في إطار توجيه الرسائل السياسية الخانقة إلى إيران، بُغية انصياعها للقرار الأمريكي من أجل التوقيع على اتفاق نووي يكون دونالد ترامب عرابه.

لكن في مقابل ذلك، يبدو أن واشنطن لم تقرأ جيداً ما بين السطور الإيرانية، فالرد الإيراني على التصنيف الأمريكي يطرح العديد من الأسئلة عن كيفية ترجمة الرد الإيراني على الاستفزازات الأمريكية المستمرة، هذه الأسئلة بمُجملها تُشكل أرقا لأمريكا وأدواتها الإقليمية. وعليه فإن عجلة الاستفزازات الأمريكية، وإن كانت في دوران مستمر ومتسارع، لكنه دوران مُبرمج وفق قواعد التهدئة التي تطغى على مناخات الاستفزازات، فأمريكا تُدرك بأن ايران وردودها سواء أكانت سياسية أم عسكرية، ستُشكل فارقاً إقليمياً في أي معادلات ناظمة لخطوط التوزان الإقليمي، و بالتالي فإن كل النهج الأمريكي ضد طهران يحمل أبعاد تفاوضية دافعة لطاولة المفاوضات، برأسين أمريكي وإيراني.

ضمن هذه المعطيات، وكـ نتيجة طبيعية ومنطقية للتصعيد الأمريكي وانعكاساته، فإن الساحة السورية بوصفها مسرحاً إقليمياً ودولياً ناظماً لموازين القوى الإقليمية والدولية، تشهد تجاذبات وتعقيدات بين مُختلف القوى الفاعلة في الجغرافية السورية، ولعل مشهد انسداد الحلول التوافقية قد يطول ريثما توضع الكلمات النهائية لمُجمل الحلول في سوريا، وعليه فإن القول بأن واشنطن لا تزال تُمسك بزمام الأمور في سوريا، يبدو أنه يُجافي الحقيقة.

أقرأ أيضاً:

  اللجنة الدستورية السورية مُنعطف سياسي بأجندات دولية

فالرعب الأمريكي من تداعيات ما تم تحقيقه سورياً، يُبقى واشنطن على قدم واحدة، والتوجس والحذر من الميدان السوري وارتداداته الشرق أوسطية، دفع بواشنطن إلى العبث بأوراق القوة السورية، والمرتبطة بشكل مباشر مع حلفاء الدولة السورية. حيث أن روسيا وإيران ومحاولات جذبهم لكافة الأطراف المؤثرة سياسياً وعسكرياً في الميدان السوري، نابع من ضرورات الابتعاد عن أي مواجهات تزيد الأمور تعقيداً، وبصرف النظر عن الممارسات الأمريكية تُجاه روسيا وإيران في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، إلا أن نهج الاحتواء لـ واشنطن و أنقرة وتل أبيب وسياساتهم، سيؤسس للحل السياسي واستبعاد جميع ما سِواه.

خاصة أن سوريا وحلفاؤها باتوا في حُكم المنتصرين، فالمكاسب الميدانية تنعكس طرداً على الموقع التفاوضي وأوراق القوة، وهذا ما اعترفت به واشنطن في أكثر من مناسبة. ضمن هذا، بات واضحاً أن التصعيد الأمريكي ضد حلف سوريا وروسيا وإيران يبقى في أطره الظاهرية، دون الغوص في عمق التفاصيل، إلا لإيجاد مُخرجات تُنزل واشنطن وأدواتها من أعلى الشجرة.

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock