التّوجهات الاستراتيجية الأمريكية في العراق.. مَخاطرُ وتَحدِّيات

تنطلق التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، من بُعدين اساسين يتم من خلالهما دراسة التحولات البنيوية والجوهرية الحاصلة في المنطقة، فـ التحليل الأمريكي يرتكز ضمن مسارين، أحدهما التحولات الاساسية والتي يُمكن من خلالها دراسة الفواعل والظواهر السياسية المُستجدة في المنطقة، لكن مُجمل هذه التحولات لا تُشكل خطراً استراتيجياً على التوجهات الأمريكية حيال عديد الملفات الإقليمية، لأنها تأتي في السياق الطبيعي لجوهر العلاقات الإقليمية والدولية، بينما المسار الأخر والذي يُعد في جُزئياته مُهددا مباشراً للاستراتيجية الأمريكية، فهي التحولات الجذرية في منطقة الشرق الاوسط، هذه التحولات تُشكل عاملاً مؤثراً في بنية النظامين الإقليمي والدولي، إضافة إلى التحولات على مستوى الأحادية القطبية أو تعددية الأقطاب، وهذا ما يُشكل عامل ضغط على واشنطن لجهة توجهاتها الجيو استراتيجية في المنطقة، وعليه فإن الأحداث السورية العراقية التي وسمت مشهد المنطقة لسنوات طويلة، تندرج ضمن التحولات الأساسية في المنطقة، لأنها أفرزت مجموعة من المعادلات والإصطفافات التي لا تُشكل خطراً على السياسية الأمريكية، لكن التحولات الجذرية التي رافقت مسار التطورات في سوريا والعراق، مدعاة قلق أمريكي مُتنامي، فالانكسارات والخيبات التي مُنيت بها واشنطن سواء على صعيد تحالفاتها الإقليمية، أو على صعيد حروبها بالوكالة واعتمادها على أدوات إقليمية محلية، شكل عامل ضغط لجهة تبديل الاستراتيجيات في المنطقة، فالملف السوري وتداعياته لجهة انتصار دمشق سياسياً وعسكرياً، فرض على واشنطن نمطاً جديداً في توظيف استراتيجيتها في الإقليم، لا سيما عبر استهداف أركان محور المقاومة، تحديداً العراق.

على الرغم من النجاح الأمريكي العسكري في العراق إبان احتلاله عام 2003، ومحاولات نزعه من محيطه العربي الإقليمي، إلا أن العراق بحسب الرؤى الامريكية يُمكن أن يُعيد بناء قدراته سياسياً وعسكرياً، الامر الذي يُعد خطراً على مصالح واشنطن في أهم مجال حيوي لها، نظراً لما يتمتع به العراق من مقومات جيوبولتيكية يُمكن أن تعيد به للظهور بقوة من جديد، في ظل نظام سياسي يكن العداء للولايات المتحدة والغرب عموماً، من هنا يُعد منع العراق من الظهور كقوة اقليمية كبرى على المسرح الاقليمي والدولي اولوية استراتيجية أمريكية ، وتطبيقا لـ مضمون استراتيجية التخطيط الدفاعي لواشنطن، ولعل من أهم مُنظري الاستراتيجيات الامريكية “مارتن انديك مستشار الأمن القومي عام 1993″، الذي يرى بأن الخطر على مصالح أمريكا في الخليج يأتي من دولتين هما العراق وايران، وحدد طريقتين لإبعاد الخطر عن التوجهات الاستراتيجية لأمريكا في المنطقة، وذلك عبر تعديل سياسيات كل من العراق وايران اللتان تُعدان خطراً على المصالح الامريكية في المنطقة، مع العمل على استبدال انظمة الحكم فيهما، بُغية التعايش والتكامل مع التوجهات الأمريكية، لكن المُثير للانتباه، بأن أنديك يرى بأن الخطر العراقي على التوجهات الأمريكية، أكثر من الخطر الإيراني، من هنا سعت مؤسسات صناعة القرار في واشنطن ضمن تخطيطها الاستراتيجي بعيد المدى، إلى تقسيم الجغرافية السياسية في العراق، مع العمل على استحضار تهديدات داخلية وخارجية ترتكز على معادلات الارهاب، وقدرة توظيفه في السياق السياسي والعسكري الناظم لطبيعة العراق، وتداعيات ذلك على الدور العراقي الإقليمي.

أقرأ أيضاً:

الشمالين السوري والعراقي.. واختبار المصير 

ضمن ذلك لن يكون مستغرباً أن المناورات الأمريكية في العراق، تتخذ منحى تصاعدي يعتمد على المستجدات الإقليمية المتسارعة والمُهددة في مضمونها للمصالح الأمريكية، عطفاً على ذلك، يبدو أن الكيان الصهيوني أيضاً يُعاني من تعقيدات جمة حيال مُجمل التطورات في المنطقة، فالتصدعات التي أصابت الخطط الأمريكية الاسرائيلية في سوريا مقتلاً في المضمون والأهداف، وكذا إيران التي فشلت محاولات استجدائها وإخضاعها، ونظراً للترابط الجغرافي والمصيري بين دمشق وبغداد وطهران، كان لابد من إعادة توجيه السياسيات و صوغها وفق مقتضيات المرحلة الراهنة، مع العمل على نقل ساحة المواجهة جُزئيا من سوريا إلى العراق، خاصة أن الحرب على الإرهاب مستمرة في أكثر من مفصل جغرافي يربط بين البلدين، كل هذه الوقائع تجعل من استهداف القوى العسكرية في العراق والمُتمثلة بفصائل الحشد الشعبي العراقي والجيش العراقي، ضرورة مُلحة في تطورات التوقيت السياسي والعسكري، وبات واضحاً ان استهداف الحشد يُعد سلسلة من خطة أمريكية اسرائيلية ترمي في مضامينها إلى إقصاء دور الحشد العسكري والمؤثر على التوازنات السياسية في العراق، إضافة إلى أن الحشد ودوره في محاربة الإرهاب الأمريكي المُتمثل بداعش، شكل تحولاً جوهرياً في مضمون الخطة الأمريكية، التي كانت تعتمد على داعش في تطبيق الخطة الموضوعة للعراق وامتداداً إلى سوريا.

بالصور.. شهيدان من الحشد الشعبي بقصف بطائرتين مسيرتين، واسرائيل تتبنى

صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية ومحللون عسكريون صهاينة كانوا قد كشفوا في وقت سابق أن “إسرائيل” هي التي تقف وراء عمليات القصف، وذلك بالتنسيق مع القوات الامريكية المتواجدة في العراق، هذا الأمر أكدته في وقت سابق تسجيلات مُسربة لقائد عمليات الأنبار محمود الفلاحي، مع أحد عملاء الاستخبارات الأمريكية الذي طلب من الفلاحي معلومات عن مواقع الحشد الشعبي والقوات العراقية، نتيجة لذلك بات واضحاً ان واشنطن ترتكز في حربها الاستراتيجية الجديدة ضد العراق على بُعدين:

  • الأول – الاستراتيجية الناعمة والتي تعتمد في جُزئياتها على استهداف الحشد الشعبي إعلامياً، عبر ضخ معلومات كاذبة تكون سبباً في ضرب القاعدة الشعبية الكبيرة التي تدعم قوات الحشد في العراق، لكن هذه الاستراتيجية فشلت خاصة بعد التزام قوات الحشد الشعبي بتوجيهات القيادة العراقية، والاندماج ضمن صفوف الجيش العراقي.
  • الثاني – الاستراتيجية الصلبة والتي بدأت عبر استهداف ممنهج لقطعات ومراكز ومستودعات الحشد الشعبي، فضلا عن تقارير تؤكد بأن بعض عناصر داعش المُحتجزين لدى القوات الأمريكية سيتم إطلاق سراحهم، وذلك بعد إدراك واشنطن أن لا قُدرة لأدواتها الإقليمية باستثناء اسرائيل، على الدخول في مواجهات مع قوات الحشد الشعبي المنضوية تحت لواء الجيش العراقي، لذلك عمدت واشنطن واسرائيل على تفعيل هذه الخطوة لجهة استهداف الحشد الشعبي العراقي.

أقرأ أيضاً:

شاهد.. هزة قوية تزلزل الشرطة الامريكية بسبب جرائم عنصرية

في النتيجة، كثيرة هي الأهداف الأمريكية في العراق، فضلا عن أهداف غربية إقليمية تتوافق بمُجملها مع التوجهات الأمريكية، لكن وبمنطق ميزان القوى، فإن محور المقاومة ككل يُدرك ماهية التوجهات الامريكية ليس في العراق فحسب، بل في الشرق الأوسط كاملاً، وعليه فإن اسس المواجهة ومعادلاتها قد أُتخذت ووضعت في الإطار العسكري المناسب، والمُعتمد على قدرات محور المقاومة عسكرياً، فضلا عن إجراءات سياسية عميقة تُشكل سداً في وجه الطموحات الأمريكية في العراق والمنطقة، لتبقى كافة الاحتمالات والسيناريوهات التي يتم هندستها، رهناً بالتطورات السياسية والعسكرية في القادم من الأيام.

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق