الجذور التاريخية للخلاف (السعودي- الكويتي)

الجذور التاريخية للخلاف (السعودي– الكويتي) على نار تحت جمر في المنطقة المقسومة

لقد تحددت حدود الكويت حسب اتفاقية 1913 (الإنجليزية العثمانية)، ثم تحددت مرةً أخرى في (اتفاقية العقير 1922)، التي غيرت في الحدود الجنوبية للكويت، بعد هذه الاتفاقية بعشرين عامًا تم عقد اتفاقية صداقة وحسن جوار بمدينة جدة، وحضر نائبًا عن الكويت وزير انجلترا المفوض لدى السعودية، ثم تبعها اتفاقية اخرى في عام 1402هـ وبذلك تنتهي مشكلة الحدود السعودية الكويتية.

أما فيما يتعلق بالمنطقة المحايدة فقد تم تقسيمها في عام 1964 عند منطقة النويصيب، فصار الجنوب تحت المسؤولية الإدارية للسعودية، والشمال تحت إدارة الكويت، فيما استمر باطن الأرض الذي يحتوي كميات هائلة من النفط مشاعًا، من الخفجي في البحر والوفرة على اليابسة. وهنا فالبدايات الحديثة تأتي مع ما سبق أن أشارت إليه وسائل الإعلام من توصل السعودية والكويت إلى اتفاق بشأن إنتاج النفط في المنطقة المقسومة. وهنا فالحديث في موضوع المنطقة المقسومة ذو شجون للطرفين، لما في ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية، إلا أنه يجب توخي الحذر في الحديث عن الموضوع لكثرة الإشاعات من جهة، وكون الأمر معقداً من جهة أخرى.

بالعودة لجذور ذلك نجد في اتفاقية العقير أنه تقع “المنطقة المحايدة”، التي تُسمى أحياناً “المنطقة المقسومة” بين السعودية والكويت، شمالي شرق السعودية وجنوبي الكويت، وتبلغ مساحتها 5770 كيلو متر مربع، وعُقدت “اتفاقية العقير” في عام 1922 بين عدة أطراف لترسيم الحدود، حيث شارك فيها الملك عبد العزيز، بصفته سلطان نجد وقتها، مع مندوبَين بريطانيين، أحدهما عن الكويت، وهو جون مور، والمندوب البريطاني في منطقة الخليج بيرسي كوكس، ومندوب الملك فيصل، ملك العراق آنذاك، وهو صبيح بك وزير المواصلات والأشغال.

عندها جرى التوصل إلى الاتفاقية بعد ستة أيام من اللقاءات بين الأطراف المعنية عقب خلاف شديد، حيث طالبت الحكومة العراقية وقتها بأن تكون حدودها على بعد 12 ميلاً من الرياض، في الوقت الذي طالب فيه الملك عبد العزيز بأراضي القبائل حتى حلب في سوريا، وجرى الاتفاق على تجاهل الخرائط والتركيز على أماكن القبائل وولائها، وعلى إثر ذلك قام بيرسي كوكس برسم خط أحمر على خريطة أمامه موضحاً الحدود، والتي أوضح فيها وجود منطقتين مشتركتين، واحدة بين (الكويت والسعودية) وأخرى بين (العراق والسعودية)، على أن يجرى ترسيم الحدود في هاتين المنطقتين فيما بعد، وهذه الاتفاقية هي السند القانوني لكل ما سيأتي بعد ذلك.

أقرأ أيضاً:

أوغلو يطلب من مصطفى الكاظمي تعيين وزير تركماني!

هنا قد يكون سبب وجود هاتين المنطقتين المحايدتين هو إصرار الملك عبد العزيز على أن تتنقل القبائل باستمرار في بعض المناطق، وبذلك فإنه يجب أن تضاف إلى السعودية، بينما أصرت الأطراف الأخرى على أن هذه المناطق تابعة لها، ربما لنفس السبب. ولم تكن المنطقة المقسومة بعد ذلك محل اهتمام حتى تم اكتشاف النفط في حقل برقان الكويتي، الأمر الذي جعل المنطقة محل أنظار شركات النفط العالمية، فجرى اكتشاف حقل الوفرة في عام 1954، الذي يعد امتداداً لحقل برقان، من قبل شركتي “جيتي أويل” و”الشركة الأميركية المستقلة النفطية”، ثم أعطت السعودية امتيازاً لشركة يابانية اسمها “الزيت العربية” في المنطقة المحايدة عام 1957، ووافقت الكويت على ذلك في العام الذي يليه، واكتشفت هذه الشركة حقل “الخفجي” في عام 1960، ثم حقل “الحوت” في عام 1963.

وسط كل ما سبق جعلت هذه الاكتشافات البلدين يطالبان بتقسيم المنطقة المشتركة بينهما، وبخاصة أن حقل “الوفرة” يعد امتداداً لحقل “برقان” الكويتي، وحقل “الخفجي” البحري يعد امتداداً لحقل “السفانيةالسعودي، والأول في شمال المنطقة المحايدة والثاني في جنوبها الشرقي، فبدأ الحديث بين البلدين على ترسيم الحدود في المنطقة المحايدة في عام 1960، وجرى الاتفاق في عام 1965 على تقسيم المنطقة، لكنه لم يحدث رسمياً إلا في عام 1970، ونصّ على تقسيم المنطقة مناصفة، بحيث تمارس كل دولة سيادتها على النصف الخاص بها، بينما تتم المشاركة في الموارد النفطية مناصفة في كل المنطقة، ويبدو أن اتفاقية العقير هي التي منعت التقسيم الكامل بين البلدين.

بمرور السنوات جاءت نقاط الخلاف وأسرار أكبر مما جرى الحديث عنه في العلن، ولعل تفاصيل الاتفاقيات ألقت ضوءاً على بعض هذه الأسرار، ولكن بناء على ما هو معلن، فإن السعودية مدّدت امتياز شركة “شيفرون”، التي تنوب عن السعودية في المنطقة المحايدة وتدير عمليات إنتاج حقل الوفرة مع شركة نفط الخليج الكويتية، من دون استشارة الحكومة الكويتية، الأمر الذي أزعج الكويتيين. ومن ناحية ثانية، شغلت مكاتب شركة شيفرون منطقة ساحلية رغبت الكويت في إنشاء مصفاة فيها، وأرض هذه المكاتب مستأجرة من الكويت، وهنا جاء السؤال هل تمديد السعودية امتياز شركة شيفرون يقتضي تمديد عقد إيجارها في الكويت الذي انتهى؟.

أقرأ أيضاً:

ضغوط سعودية إماراتية لدفع مصر للتدخل عسكريا في ليبيا

هنا جاء أيضاً دور الاتفاقية التي فعّلت في عام 1970 “كل دولة تمارس سيادتها على نصفها الخاص بها”، وبناء على ذلك طالبت الحكومة الكويتية شيفرون بمغادرة المكان واختيار مكان آخر، فلما رفضت الشركة، رفضت الحكومة الكويتية تجديد تصاريح العمل وعرقلت أموراً أخرى للشركة، فقررت الأخيرة وقف عمليات الإنتاج في عام 2015. ومن ناحية أخرى، قررت السعودية وقف العمليات في حقل الخفجي لأسباب قالت إنها “بيئية وفنية”، والإعلام الكويتي قال حينها “إن نفط حقل الخفجي يهاجر إلى حقل السفانية، وبالتالي فإن من مصلحة السعودية الانتظار وعدم الوصول إلى اتفاق”، بينما ذكرت السعودية أن أحد أسباب وقف إنتاج حقل الخفجي هو هجرة نفط السفانية إلى حقل الخفجي، الأمر الذي يتطلب وقف العمليات في الخفجي إلى حين السيطرة على الأمور في حقل السفانية! ويبدو أن هناك بعض الأمور تتعلق بحرق الغاز أيضاً.

من نقاط الخلاف أيضاً موانئ التصدير، فالكويت تريد تصدير نفط المنطقة من موانئها، بينما السعودية تريد هي الأخرى التصدير من موانئها أيضاً. ونُشرت العديد من المقالات بعدة لغات تتكلم عن الدوافع السياسية لوقف الإنتاج في المنطقة المقسومة، إلا أن ذلك لا يتعدى كونه تحليلات لعدم وجود أي إثباتات حتى الوقت الحالي، ولكن لا يمكن نفي العوامل السياسية المتعلقة بالموضوع. فكيف انتهت شركة “شيفرون” في المنطقة؟ واكتُشف حقل الوفرة من قبل شركتي “جيتي أويل” و”الشركة الأميركية المستقلة النفطية”، وقامت حينها شركة “نفط الكويت” بشراء شركة “الشركة الأميركية المستقلة النفطية” في عام 1977، كما اشترت “تكساكو” شركة “جيتي أويل” في عام 1984، ثم اندمجت “شيفرون” مع “تكساكو” في 2001، الأمر الذي يفسر وجود شركة شيفرون الآن في المنطقة، وسُميت شركة “شيفرون السعودية” في 2007، وتدير الشركة حقل الوفرة نيابة عن السعودية مع شركة “نفط الخليج” الكويتية، نيابة عن الحكومة الكويتية، ويمكن لحقل الوفرة أن ينتج بين 200 و250 ألف برميل يومياً من النفط الثقيل الحامض (وزنه النوعي بين 18 و21)، ونظراً إلى ثقل النفط وقِدم الآبار، فإن تكاليف الإنتاج في الحقل عالية نسبياً، حيث يتطلب الأمر حقن الآبار ببخار الماء لتسهيل انسياب النفط، وهذه عملية مكلفة.

نعم حقول الخفجي والحوت وتوابعهما على خلاف حقل الوفرة، حقول الخفجي والحوت وغيرها حقول بحرية، وقد اكتشفت شركة الزيت العربية (اليابانية) حقل الخفجي في عام 1960، ثم حقل الحوت في عام 1963، إلا أن السعودية رفضت تجديد الامتياز لليابانيين في عام 2000 عند انتهاء الامتياز، لعدم رغبة اليابانيين في ضخ استثمارت جديدة في المنطقة، وكان اليابانيون مقتنعين تماماً أنه ليس أمام السعودية أي خيار سوى تجديد الامتياز، لذلك تجاهلوا مطالب السعودية، ونظراً إلى هذه القناعة، هبط خبر إلغاء الامتياز على الحكومة اليابانية واليابان ككل كهبوط الصاعقة، وليس هناك أدل من ذلك سوى الإعلام الياباني نفسه. وقبل قرار السعودية إغلاق الحقل في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، كانت شركتا أرامكو لأعمال الخليج (إحدى شركات أرامكو) والشركة الكويتية لنفط الخليج تديران المشروع تحت مسمى “شركة عمليات الخفجي المشتركة”، وكان الحقل ينتج نحو 250 ألف برميل يومياً من النفط المتوسط الحامض (وزنه النوعي 28.5 درجة).

أقرأ أيضاً:

غوتيريش يعين ممثلة جديدة للامم المتحدة في العراق

في سبتمبر/ أيلول 2018، توجه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الكويت في زيارة رسمية، لكنه غادر بعد نحو ساعتين فقط لتبدأ التساؤلاء حول تلك الزيارة الخاطفة، وما إذا كانت الخلاف قد احتدم حول المناطق النفطية المشتركة بين الدولتين الخليجيتين. حينها خرجت الخارجية الكويتية لتتحدث سريعًا عن الزيارة “الأخوية” والنتائج الإيجابية التي خرج بها الطرفان، وعبّرت عن أسفها لما “تم تداوله من معلومات مغلوطة لا أساس لها من الصحة حول نتائج زيارة ولي العهد السعودي مؤكدة أن تداول مثل هذه المعلومات يعد نهجا يهدف إلى الإساءة للعلاقات الأخوية بين البلدين”.

سبق أن ظهر بعدها وبحسب وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، أن الكويت والسعودية، وقعتا اتفاقية ملحقة باتفاقية سابقة حول تقسيم المنطقة “المحايدة”، بجانب اتفاقية تقسيم المنطقة المغمورة المحاذية للمنطقة المقسومة بينهما ومذكرة تفاهم. وهنا قد “يكون هناك فقط بعض المسائل التي كانت عالقة خلال الــ”50 سنة” الماضية.. والجانب الكويتي يريد حلها الآن، قبل أن نستمر في الإنتاج في تلك المنطقة”. هكذا تحدث ولي العهد السعودي حينها. لكن واقع الحال ظل يتحدث عن جذور تاريخية لخلاف (سعودي كويتي) على نار تحت جمر في المنطقة المقسومة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق