الحرب الأمريكية الجديدة .. حروب الظل

التطورات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، أفرزت نتائج تُشكل في ماهيتها بُعداً جديداً في بنية العلاقات الإقليمية والدولية، إذ لم يعد الشرق الاوسط مؤطراً بنفوذ أحادي القطبية، خاصة أن العديد من القوى الإقليمية اسست منظومات سياسية وعسكرية، جراء التصدع البنيوي في طبيعة العلاقات الشرق أوسطية، وتشابكها مع المنظومات الدولية، الأمر الذي اسفر عن ولادة أقطاب جديدة تُمثل تحدياً للقوة الامريكية سياسياً وعسكرياً. حيث أن تجدد الصراعات بين القوى الدولية الفاعلة في المنطقة، كما أن فواعل التنافس الاقتصادي، والبحث عن جغرافية تُحقق نفوذاً في مختلف المجالات، وعطفاً على تحقيق توازنات عسكرية باتت مؤثرة في أي تطورات قادمة.


كل هذه المعطيات أدركتها واشنطن وأسقطتها على استراتيجيتها الجديدة، حيال القضايا الإقليمية والدولية. فالمرحلة التي وُصفت بـ الربيع العربي، لم تكن إلا تجسيداً واضحاً وترجمة صريحة للاستراتيجية الأمريكية. ومن جهة أخرى، فإن المتابع للتطورات بأبعادها السياسية والجيو- استراتيجية في المنطقة، بات يُدرك أن جُلّ التوجهات الحالية والمستقبلية ترتكز في المضمون والأهداف، على تحويل المواجهات العسكرية، إلى مواجهات سياسية ضمن أطر الحرب الناعمة.

في المقابل، فإن المتابعون والمختصون بالقراءات السياسية التحليلية، توصلوا إلى نتيجة مفادها، بأن واشنطن لم تعد قادرة على بلورة معادلات عسكرية، ولم تعد قادرة على تحقيق النتائج التي من أجلها شنت الحروب في الشرق الأوسط، لتنتقل على إثر ذلك، إلى فرض الهيمنة والسيطرة بأدوات جديدة “محلية”، خاصة أن واشنطن وجدت أن استخدام القوة العسكرية، لا يُحقق مُخرجات ايجابية.

هذا التحول في نظرة واشنطن للمفهوم العسكري، بدأ عقب خسارة واشنطن في العراق وافغانستان، وما تلا ذلك من عمليات مقاومة حققت نتائج كارثية في الميزان الامريكي، من هنا دأبت واشنطن على توظيف قُدراتها وتفوقها التكنولوجي في سياق التأثير المُتمثل بتحقيق السيطرة والهيمنة والنفوذ، دون الحاجة إلى أي عمل عسكري، ليكون الانتقال من الحرب الصلبة أو الخشنة، إلى الحرب الناعمة التي تتميز بقلة التكاليف وانعدام الخسائر. وهذا ما عبّر عنه جوزيف ناي المتخصص في الشؤون العسكرية ووكيل وزارة الدفاع الأميركية السابق الذي تحدث عن الحرب الناعمة بقوله: “استخدام كل الوسائل المتاحة للتأثير في الآخرين باستثناء الاستخدام المباشر للقوة العسكرية“. من هنا بدأت حروب الظل الأمريكية.

حرب الظل الامريكية لم تكن وليدة التطورات الإقليمية والدولية، ولم تكن جراء تداعيات وإرهاصات ما سُمي الربيع العربي، وما افرزه من ولادة إصطفافات جديدة، لكن هذه الحرب وظفتها واشنطن في حقب مُختلفة، خاصة تُجاه الاتحاد السوفيتي. فقد استخدمت واشنطن استراتيجية القوة الناعمة المستندة إلى المنصات الإعلامية، والأدوات الدبلوماسية، إضافة إلى توظيف المكانة الامريكية عالمياً لجهة التعليم والتكنولوجيا والانترنت والحاسوب. كل هذا تم توظيفه يما يُحقق عامل جذب على المستويات كافة، وبناء عليه تكون واشنطن قادرة على تحقيق غاياتها دون اللجوء إلى القوة بمفهومها العسكري. فالولايات المتحدة استفادت عبر توظيف تجربة الحقبة السوفياتية وما احتوته من قوة عسكرية وتأثير سياسي، في استراتيجياتها الجديدة، ولعل لنتائج التي توصلت إليها مراكز الأبحاث الامريكية كانت سبباً مباشراً في الانتقال إلى حرب الظل أو الحرب الناعمة، فالقوة العسكرية ومهما بلغ تأثيرها وسطوتها، فإنها تُعاني حُكماً من الضعف في بعض الجُزئيات، وستفقد منظومتها العسكرية القدرة التأثيرية، وستكون بلا ريب عُرضة للتشظي.

أقرأ أيضاً:

  ليبيا: حفتر يشعل طرابلس...والحسم العسكري يقترب

من هنا فإن الدولة السوفياتية فقدت كيانها بسبب استخدامها القوة العسكرية الصِرفة، دون توظيف الامكانيات العلمية التي رافقت تلك الحقبة، في ابتكار أدوات ووسائل تحمي في مضامينها القوة العسكرية، فحالة عدم التوزان بين القوة العسكرية والقوة الناعمة بتكتيكاتها المُختلفة، سيؤدي إلى انهيار منظومة الدولة، بل وستخلق بموجبها هوة لا يمكن ردمها، وستكون جاذبة وبقوة لحالات الانهيار على الصعد كافة. وبالتالي فإن الولايات المتحدة قد ارتكزت على التجربة السوفياتية في تطبيق استراتيجياتها الجديدة في المنطقة. لكن في مقابل ذلك، فإن اسس القوة الامريكية غير مُكتملة، فمع تواجد القوة والموارد والسلطة، لابد وأن تحكم هذه المعادلة قاعدة المبادئ، والتي تفتقر إليها واشنطن في الكثير من معاملاتها إقليمياً ودولياً. ولعل فقدان المبادئ سيكون مدخلاً لانهيار المنظومة الامريكية. لكن حتى ذاك الوقت، سيبقى تأثير الاستراتيجيات الأمريكية المُعتمدة على حرب الظل، حاضراً بقوة ومؤثراً وفاعلاً لكافة التطورات القادمة.

مُصطلح الشرق الأوسط الجديد الذي سوقته الإدارة الأمريكية، لم يكن إلا جُزئية في سياق الحرب الناعمة، وقد ترافق هذا المصطلح مع قوة عسكرية هائلة استُخدمت في غزو العراق عام 2003، لكن الاستراتيجية الامريكية أخفقت في بعض جُزئياتها لجهة الهيمنة والسيطرة، وتعثر الخيار الأمريكي في العراق بعد التدخل العسكري، ليغدو المشهد مُخالف بالكلية لما تم رسمه أمريكياً. من هنا أدركت واشنطن ضرورة التغير من الداخل، وتحول الاستراتيجيات من التدخل المباشر إلى حرب الظل الغير مباشرة.

هذه الاستراتيجية تنسحب على مُجمل الدول التي تُعادي السياسيات الامريكية، وهذا ما تُعيشه سوريا والعراق واليمن وإيران ولبنان، فـ التأجيج الإعلامي يرتكز في مضمونه على إثارة النعرات الطائفية، وتغذية التناحر العرقي بين القوميات والمذاهب، ودعم طرف على حساب طرف أخر، فضلاً عن تهيئة الأرضية المناسبة ضمن أي مسار بُغية تنظيم الأدوار، والاشراف بشكل مباشر على طبيعة التطورات ومواكبتها استراتيجيا.

أقرأ أيضاً:

  حوار خاص مع الباحث السياسي الأستاذ أنيس النقاش

هذه المُعادلة يبدو أنها حققت نجاحاً لم تتمكن واشنطن من تحقيقه عبر القوة العسكرية الصِرفة، في دول محور المقاومة، كما أن استراتيجية حرب الظل حققت نتائج إضافية تتمثل في عدم خسارة أي جندي امريكي، والبقاء بعيداً عن مواضع الاتهام المباشر.

من هنا بات واضحاً أن المرتكزات التي تقوم عليها استراتيجية حرب الظل الأمريكية، هي:

  • استخدام الأساليب الأقل تكلفة قياساً إلى تكلفة الأساليب العسكرية والأمنية.
  • اعتماد الطرق التي تستدرج الآخرين من دون أدنى مقاومة.
  • استخدام البدائل التي غالباً ما تترك أثاراً ايجابية بعيداً عن الأساليب الصدامية.

ولتوظيف ما سبق من مرتكزات في سياق حرب الظل، كان للإعلام دوراً رئيسياً في هذه الحرب، بل تجاوز في بعض الأحيان هذا المستوى حتى عده بعض المختصين بأنه ألف باء الحرب، اذ مارس الإعلام هذه الحرب بعدد من المسارات، منها:

  • تركيز الإعلام على الخوض في القضايا الداخلية والطائفية والعرقية والقومية والابتعاد عن قضايا إستراتيجية.
  • الإكثار من الفضائيات الفنية وغير الفنية في المناطق التي تعارض السياسة الأميركية، خصوصاً في العالم العربي.
  • التماهي الإعلامي أي جعل الإعلام للدول نسخة طبق الأصل شكلاً ومضموناً مع الإعلام الغربي.
  • زيادة تأثير المواقع الإلكترونية في صناعة وتوجيه الرأي العام بما يتناسق مع الإستراتيجية الغربية والأميركية في الهيمنة والنفوذ.
  • توجيه وتحفيز الإعلام بأشكاله المتعددة في التركيز على الأفكار السطحية والابتعاد عن الأفكار التي تتيح اليقظة لدى الشعوب المستهدفة.
  • ترويج وتهيئة تقنيات التواصل الذكية بما ينسجم مع تأجيج الاضطرابات والانتفاضات والثورات التي شهدتها البلدان العربية وغيرها.

وعليه، فإن مفهوم حرب الظل الذي تنتهجه الولايات المتحدة الأمريكية، يُعد في ماهيته أشد خطراً وفتكاً في النتائج والتداعيات من توظيف القوة العسكرية، فالحروب الأمريكية السابقة استهدفت عسكرياً بُنية الدولة كنظام قائم، بينما في سياق حرب الظل تُستهدف العقول والمبادئ والقيم، إذ تحاول استبدالها بقيم ومبادئ تلبي أهداف واشنطن، بل تجعل الشعوب نفسها تتنافر من قيمها وتتجه إلى القيم الأخرى، ما يُهدد بشكل مباشر الموروث الأدبي والأيديولوجي للدول المستهدفة، خاصة أنه لا توجد حدود وزمان ومكان لهذه الحرب، لأنها لا تنحصر في سورية والعراق ولبنان وإيران، بل تشمل كل بلد يُناهض السياسة الأمريكية في المنطقة.

ومن الجدير بالذكر، أن مُخططو السياسة الإستراتيجية الأمريكية أطلقوا في عام 2008، معادلةً تجمع بين القوة العسكرية والقوة الناعمة. وكان اسم هذه المعادلة “Smart Power” أي القوة الذكية. وجاء ذلك بعد الفشل الأمريكي في أفغانستان والعراق، حيث أوصى خبراء لجنة بيكر هاملتون، لتعديل الخطة التي تعتمد على القوة العسكرية فقط، وإضافة القوة الناعمة لها. وقد جاء ذلك، بعد دراساتٍ عميقة، لمراكز ومعاهد صنع القرار الأمريكي، تحت إشراف ( “Center of Strategic and International Studies CSIS )” أي معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية، والذي خلص لضرورة دمج القوة العسكرية بالقوة الناعمة.

وقد تمت ترجمة هذا المشروع عملياً من خلال برنامجين أساسيين، كان لرئيس قسم تخطيط السياسات في الإدارة الأمريكية ومدير قسم غوغل للأفكار، جارد كوهين “Gard Kohin ” الدور الأساسي في ابتكارها، وهذه البرامج هي:

أقرأ أيضاً:

  وعد الآخرة

وهو البرنامج الأمريكي الهادف لصناعة الدول في القرن الحادي والعشرين، من خلال توظيف التكنولوجيا ووسائل الإعلام لضرب المجتمعات المعادية للسياسة الأمريكية، مما يساهم عبر استخدام ما يعرف بالميديا الذكية، لتشكيل طبقات وقوى سياسية ودينية في ساحة الخصم المعادي لأمريكا، يؤمن بالقيم والسياسات الأمريكية. وقد تم تشفير هذا المشروع من خلال الإطلاق عليه تسمية “ثورة الديمقراطيات” إعلامياً.

ويعني “إعادة توجيه مضمار التطرف” أي القيام بالإتصال بالبيئات السياسية للجماعات والنظم المتطرفة والمعادية للسياسة الأمريكية وفتح قنوات اتصال معها عبر جهات ثالثة، غالباً ما تكون أمنية لها علاقة بالإستخبارات وتكون على هيئة مؤسسات مدنية أو اجتماعية. والهدف من ذلك السعي لتوجيه زخم هذه الجماعات وتحويل حراكها وإغرائها بإشراكها في اللعبة الديمقراطية بما يخدم المشروع الأمريكي.

في النتيجة، يبدو واضحاً أن حرب الظل الأمريكية قد اتخذت مسارات ناظمة لمُجمل التطورات في المنطقة، ولأهمية هذه الحرب الجديدة، يجب التأكيد أيضاً على أن الكيان الإسرائيلي، وخبراء التخطيط الاستراتيجي فيه، توصلوا الى هذه الحقيقة أيضاً. فالمستشار في مجال الأمن القومي الإسرائيلي، ميخائيل ملشتاين، أكد مراراً أن تفوق كيانه، يحتاج الى حربٍ لا يكون الهدف فيها كسر القوة العسكرية لما يسمى المقاومة، بل يجب أن تكون المعركة في الميدان الفكري، ويكون الهدف ضرب الأفكار الموجودة في وعي جمهور المقاومة. ومن هنا تأتي بحسب رأيه، أهمية الدخول لهذه المجتمعات والشعوب المقاومة، عبر الإعلام والدين. الأمر الذي يؤدي إلى استهداف مباشر لبنية بيئة المقاومة، ما يعني وعلى المدى الطويل تأسيس مجتمع فارغ من الفكر المقاوم، وإن حمل شعارات وأهداف المقاومة.

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق