الرسائل التي أربكت أوباما وسحبت بساط التهويل من تحت قدميه

أسبوعان لا ثالث لهما تلك الايام العصيبة التي عاشها الرأي العام العالمي خاصة شعوب المنطقة جراء تصعيد التهويل الاميركي ومن يدور في فلكه اوروبياً واقليمياً في التهديد بتوجيه ضربة لسوريا، واذا بالسحر ينقلب على الساحر ونار التهريج تنطفئ ويسحب البيت الأبيض طلبه من الكونغرس الأميركي بالسماح له القيام بعمل عسكري ضد دمشق وكأن لم يكن شيئاً مذكورا، الكثير والكثير ممن يقفون على تطورات الأحداث في الشرق الأوسط لا يزالون يجهلون حقيقة ما جرى خلال تلك الفترة الوجيزة من الزمن من تبادل الرسائل بين العدوين اللدودين أميركا وايران في وقت كان الدب الروسي يبحث عن مخرج يحسن فيه صورة البوفالو الأميركي للخروج من المأزق والورطة الكبيرة التي تورط فيها “أوباما”هذا الرئيس الديمقراطي التعيس الحظ بعد اندفاع دون تعقل وبعيد عن الحكمة المطلوبة في مثل هذه الموارد نحو تصعيد اللهجة العسكرية بدلاً من الدبلوماسية، وأخذ يحس بأنه واقع في مستنقع من الوحل ولكن هذه المرة ليس من جنس وحل ليبيا ولا حتى من جنس الوحل الأفغاني أو العراقي.

فهولت اميركا وظنت انها بالتهويل يمكنها السيطرة على القرار العالمي بضرب سوريا لكنها فوجئت بتصدي واقعي وكبير وخطير اسمه محور المقاومة وفي مقدمته ايران وبمساعدة روسيا وحتى الصين للحد من عربدتها في المستوى الاقليمي والعالمي والتصدي لخططها الاستعمارية في المنطقة، فلوحوا لها بحرب اقليمية او ربما عالمية واسعة النطاق ان شنت أي هجوم على سوريا و”لو صغيرة في نقطة نائية”، وأن عنجهيتها قد أصطدمت هذه المرة بحجرة صخرية كبيرة أسمها “محور المقاومة” ولم تعد بعد اليوم القوة العظمى الوحيدة على الساحة الدولية ولا بد لها أن تحسب للآخرين حساب .

ولو وقفنا على ما جرى من خلف الكواليس خلال الايام الخمس عشرة الخوالي تلك من صمود وسكوت ومقاومة وانتصارات على الساحة السورية حققها الجيش العربي السوري في مواجهة التصعيد والتهويل الاعلامي والسياسي والتحشيد العسكري في البحر الأبيض المتوسط من قبل أميركا والعدو الصهيوني وفرنسا من جهة ومن جهة اخرى القوات البحرية الروسية والغموض الذي أكتنف قضية أطلاق الصاروخين اللذين انكرتهما أميركا و…سنعرف مستقبل الأمور وتطوراتها على الساحة الدولية والاقليمية خاصة السورية منها مستقبلاً .

فقد كشف مصدر دبلوماسي اوروبي واسع الاطلاع ان الحرب الاميركية على سوريا بدأت وانتهت لحظة اطلاق الصاروخين الباليستيين اللذين بقيا محل تضارب في المعلومات بين نفي اسرائيلي وتأكيد روسي، وصولا الى خروج بيان اسرائيلي يتحدث عن انهما أطلقا في اطار مناورة اسرائيلية – اميركية مشتركة وسقطا في البحر ولا علاقة لهما بالازمة السورية .

فيما أكدت مصادر أمنية مطلعة أن الصاروخين اللذين أطلقتهما القوات البحرية الاميركية من أحدى قواعدها في المتوسط اصطدما ببعضهما البعض جراء أختراق الكتروني لقاعدة أطلاقهما من قبل مجموعة مجهولة مما أدى الى انفجارهما في الجو في المياه الدولية وعلى بعد أكثر من (500) كيلومتر من محيط المياه الأقليمية السورية .

كان هذا الأمر بمثابة ثاني رسالة وجهت للطرف الأميركي وبعض الحلفاء الذين بقوا معه بعد الرسالة الأولى التي وصلت البيت الأبيض وعلى استعجال يقال أن صاحب الحكمة والحنكة والساعي السامي العماني السلطان قابوس كان قد حملها من طهران الى الادارة الأميركية خلال زيارته لها خلال تلك الفترة العصيبة والتي جاءت رداً على الرسالة الأميركية التي طلبت من ايران التماشي مع بعض رغبات الولايات المتحدة لانهاء الأزمة السورية ومنها الضغط على الرئيس السوري بشار الاسد بعدم الترشح خلال الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2014 ، مقابل امتيازات في العراق وأفغانستان وسوريا الجديدة حيث واجه برفض طهران الشديد مؤكدة أن هذا القرار سوري لا نتدخل بمثل هكذا أمور .

أما الرسالة الأولى والتي وجهت صفعة قوية للأرعن الأميركي فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(البقرة 258) ، فهي أن “مصادر مقربة من قيادة المقاومة الاسلامية في لبنان (حزب الله) كشفت من ان وحدة الكوماندوز البحرية التابعة للمقاومة الاسلامية نفذت مناورة حية في البحر الابيض المتوسط بواسطة زوارق حربية ايرانية سريعة جدا لا تستطيع الرادارات الاميركية اكتشافها وهذه الزوارق قادرة على حمل اكثر من (٥٠٠) كيلو غرام من المواد المتفجرة حيث استطاعت هذه الزوارق ان تقترب الى مسافة قريبة جدا من البوارج وحاملات الطائرات الاميركية المرابطة في البحر الأبيض المتوسط ثم عادت الى قواعدها بسلام”.. وتضيف المصادر ذاتها “ان الدليل على هذه المناورة هو تحليق طائرة استطلاع متطورة للمقاومة خلال العملية الجريئة وقامت بتصوير البوارج الاميركية والزوارق التابعة للمقاومة وهي تقترب منها دون ان تكتشفها الرادارات الاميركية وقد تم ارسال هذه الصور الى القيادة الاميركية الوسطى ولم تستطع تصديق ما يحصل وعلى وجه السرعة تم ابلاغ الرئيس أوباما بالامر وتم تأجيل الضربة او بالأحرى إلغائها نهائيا ..” .

هذا ما دفع بالرئيس الاميركي “باراك أوباما” الى التماس نظيره الروسي “فلاديمير بوتين” خلال لقائهما على هامش قمة العشرين في ي قصر قسطنطين في سانت بطرسبرغ بروسيا بين 5 و 6 أيلول/سبتمبر الجار ي، لإخراجه من الأزمة مرفوع الرأس نوعاً ما والبقاء على الهيبة الأميركية الفضفاضة كالجبس أمام العملاء والحلفاء الاوربيين والاقليميين خاصة العرب وتركيا على أقل تقدير خاصة بعد أن خذله الحليف الستراتيجي البريطاني هذه المرة وواجه رفضاً المانياً واوروبياً لم تواجهه الادارة الاميركية من قبل حيث يعول المراقبون انها كانت تعكس مخاوف اوروبا خاصة بعد الرسالة الأولى التي تسلمها البيت الأبيض من ايران .

وهنا هرع الدب الروسي لانقاذ راعي البقر الاميركي هذا البوفالو المتوحش رغم تحظر العالم وتطوره، فخرج بمقترح وضع سوريا لمخزونها الكيمياوي تحت تصرف الأمم المتحدة والمنظمات المعنية والذي سبقه تقديم دمشق بطلب الانضمام الى اتفاقية حظر انتاج واستخدام الاسلحة الكيمياوية والذي لم تتم الموافقة عليه حتى الآن من قبل المنظمة الدولية جراء الضغوط الاميركية – الاسرائيلية التي تواجهها لآن ذلك سيزيد من الضغط كثيراً على تل أبيب من قبل المجتمع الدولي لانضمامها الى المعاهدات الدولية المناهضة لانتاج واستخدام وانتشار اسلحة الدمار الشامل خاصة الكيمياوية منها والنووية والذي شهدنا كيف تم عدم الموافقة على مثل هذا القرار الذي تقدمت به بلدان عربية بدعم من ايران الى وكالة الطاقة الدولية خلال اجتماعها الأخير قبل أيام .

وكان المقترح الروسي بمثابة ليست القشة التي يتمسك بها الغريق بالنسبة للادارة الاميركية وانما هي العصا التي أنقذتها من ورطتها التي دفعها نحوها حلفاءها وعملاءها الاقليميين والسوريين المحليين السذج والذين انهاروا وأصابتهم خيبة أمل كبيرة بعد اعلان الرئيس الاميركي “أوباما” موافقته عليها وانترع فتيل الحرب، رغم أنهم كانوا قد أعدوا لها العدة الكاملة من العتاد والأفراد والمال الذي بلغ حتى سقف ال(200) مليار دولار من أموال النفط السعودي وأخواتها في دول مجلس التعاون، وأخذوا يعدون اللحظات والدقائق والساعات لسقوط قلعة المقاومة والصمود سوريا وألتحاقها بركب الخونة والمساومين مع العدو الصهيوني .

ولم يمض وقت طويل على الرسالة الثانية وفيما كان البيت الأبيض لا يزال عاكفاً على دراسة الرسالة الايرانية الأولى ولا يزال مدهوشاً لكيفية أختراق كل أجهزته التي يتشدق بتطورها على سائر المعدات العالمية، جاءت رسالة رابعة من أرض السواد عراق الرافدين حيث سقط أكثر من (80) قتيلاً وأصيب العشرات من أعضاء زمرة “خلق” الارهابية إثر هجوم من قبل مجموعة شعبية عراقية مقاومة على معسكر “اشرف” قرب ديالى براجمات الصواريخ والاسلحة الاتوماتيكية وذلك بعد مضي ثلاثة أيام على التهديد الذي أطلقه قائد فيلق “القدس” التابع لقوات حرس الثورة الاسلامية في ايران اللواء قاسم سليماني للقوات الاميركية حيث خاطبهم قائلا: “على كل جندي أميركي تطأ رجله أرض سوريا أن يحمل تابوته على أكتافه .. فأرض الشام هي محل عروجنا الى السماء” والذي كان بمثابة الرسالة الثالثة للطرف الاميركي ومن يدور في رحله بالتفكير بالعدوان على سوريا أرض الحضارات والتعايش السلمي بين الاديان ، في وقت كان الخبراء الاميركيين عاكفين على تفكيك شفرة التهديد الذي صدر من رجل معروف عنه أنه يفعل وينفذ ويضرب ولكن لا يتكلم ولا يفصح عن ذلك أبداً .

الصعقة الكهربائية هذه ذات الفولتية العالية تلقاها قائد أركان الجيوش الأميركية الجنرال “ديمبسي” قبل غيره ذلك العسكري العتيد الذي كان أول من خالف نظرية وفكرة توجيه الضربة لسوريا التي كان يقودها مجموعة من الأراعن الاميركيين وفي مقدمتهم وزير خارجيتها “جون كيري” ووزير حربها “هاغل” بدافع وتحفيز من عراب الحروب الاميركية ضد البلدان العربية والاسلامية الصهيوني العنيد “جون ماكين” .

وقد كان “ديمبسي” قد صرح في أكثر من لقاء من بعض أعضاء اللجنة الدفاعية والامنية في الكونغرس الاميركي بأن القوات الاميركية غير مستعدة وحتى غير قادرة على دخول حرب جديدة خاصة في منطقة الشرق الاوسط وهي لا تزال متورطة في وحل المستنقع الافغاني والعراقي وتتحمل الصدمات تلو الضربات هنا وهناك وأن مجموعات المقاومة المنتشرة في المنطقة بدعم وتسليح من ايران أخذت تتوغل في العمق الاميركي الشرق أوسطي وتكشف عن كل خفايا ضباط الاجهزة الأمنية التجسسية الاميركية في المنطقة وتعري نقاط ضعفهم مما يجعلهم لقمة سائغة وسهلة للاعداء .

وقد عزز هذا القرار وشعور الخيبة لدى القيادة العسكرية والامنية الاميركية بضرورة التراجع عن التهويل بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا وحتى ربما التفكير فيه مستقبلاً هي الرسالة الخامسة التي نقلها الوسيط السويسري في طيها قرص مبرمج يحوي استطلاع كامل ومسح دقيق للمواقع العسكرية الاميركية السرية منها والعلنية في الشرق الاوسط وعدد المتواجدين فيها وتحركاتهم بدقة عالية، لتوحي للطرف الآخر بانها عرضت للصواريخ الايرانية ومجموعات المقاومة الاقليمية ومنذ اللحظة الأولى لأطلاق أول صاروخ أو رصاصة على سوريا الخط الأحمر لمحور المقاومة والصمود ورأس الرمح النافذ في قلب المخطط الاستعماري – الخياني الذي يستهدف الأمة ومقدساتها .

وهناك رسائل اخرى أشد قوة وتأثيراً على القرار الاميركي ليس مسموح من الناحية الأمنية الكشف عنها في الوقت الحاضر ربما تسنح الفرصة قريباً لبيانها واستعراضها بشكل تفصيلي وتحليلي في المستقبل، هذا اذا لم نأخذ بنظر الاعتبار رسالة الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري خلال تلك الفترة على الأرض ضد المجموعات الارهابية المسلحة بمال البتروعربي لذبح الابرياء والعزل من أنباء سوريا من مسلمين ومسيحيين وانتهاك الاعراض والمقدسات في كل شبر من أرض بلاد الشام .

وفي خضم هذه الورطة الكبيرة والبحث عن مخرج مشرف للحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه الاميركي تلقى الرئيس “أوباما” رسالة أثلجت صدره نوعا ما وجعلته يتنفس الصعداء من الجانب الايراني حيث نقل الوسيط الاوروبي عن الرئيس الايراني الدكتور حسن روحاني دعوته للطرف الاميركي لتظافر الجهود البناءة وتهيئة الاجواء لعقد حوار وطني، سواء في سوريا أو البحرين، كما يجب على دول المنطقة والبلدان الاخرى العمل سوياً في سبيل إنهاء الخصومات والتدخلات المحفوفة بالمخاطر التي تغذي العنف والتوتر والتصعيد الأمني وتثير الشقاق فيما بيننا، وضمان التوصل الى حلول مرضية لجميع الأطراف .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى