السيد فضل الله: من حق أي دولة أن تحفظ حدودها

الرهان على أميركا خطأ

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين (ع) واليه مالك الأشتر عندما قال له: “ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ (القضاء) أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ (لا تدفعه مخاصمة الخصوم إلى الغضب، أي أن يكون واسع الصدر)، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْ‏ءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ (لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق بعدما يتبيّن له)، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ (يتنزّه عن الطمع)، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ (يدقّق في أحكامه ويتعمّق فيها)، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، (فلا يصدر أحكامه إلا بالوضوح التام كالشمس في وضح النهار)، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ (لا يملّ من مراجعة من لا يرى حكمه صائباً)، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ (حاسماً عند وضوحه)، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ (لا يتأثر بالمدح)، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ، فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا“.

أيّها الأحبّة، هذه صورة القاضي التي أرادها الإمام، والتي ينبغي أن نستهدي بها، ليكون عندنا قضاء نزيه خالٍ من الشوائب والهفوات، قادر على حفظ العدالة. وبذلك نكون أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة التحديات.

أقرأ أيضاً:

  لماذا إقفال مزارع النابلسي؟

لبنان

والبداية من لبنان، الّذي لا يزال المواطنون فيه يشعرون بالقلق من الوضع الاقتصاديّ، هذا القلق الذي لا تبدّده التطمينات التي تصدر عن أركان الدولة بسلامة الوضع المالي، وهم يرون بأمّ أعينهم عدم ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، والذي يترك تأثيراً في حياتهم، لكون أغلب المبالغ التي يدفعونها بالدولار الأمريكي، وما لم تكن كذلك، فإنها تتأثر به.

إنَّنا أمام هذا الواقع، ندعو الدّولة إلى أن تكون واضحة مع مواطنيها، فمن حقّ المواطنين على دولتهم أن يعرفوا حقيقة الأزمة التي يعانونها، وسبب عدم اتخاذ الإجراءات التي تلجم التراجع في صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار، كما كان يحصل في السابق، وأن يعرفوا إذا ما أصبحت الأزمة في الواقع الاقتصادي تفوق قدرة الدولة اللبنانية على حلّها.

في هذا الوقت، تسعى الحكومة اللبنانيّة، من خلال زيارات مسؤوليها إلى الخارج أو المؤتمرات التي تجري لمساعدة لبنان، إلى معالجة هذا الوضع الاقتصادي ، بالسعي للحصول على مساعدات أو الاستثمار فيه لإخراجه من هذا الواقع الصعب.

مؤتمرات

وقد ساهمت هذه الزيارات والمؤتمرات في خلق أجواء ارتياح بفعل الوعود التي قدمت، والتي نأمل أن تتحقق، ولكنها لن تستطيع أن تحقّق ما يصبو إليه اللبنانيون من تحسين واقعهم، بعدما أصبح واضحاً أن المساعدات هي بمثابة قروض، إن هي أتت، وقد لا تأتي سريعاً، وستكون مشروطة بإصلاحات لا بد للدّولة اللبنانيّة من الإسراع في القيام بها، فلا يمكن لأية دولة أن تقوم باستثمارات في ظلِّ استمرار الفساد والهدر والصفقات والمحسوبيات وعدم الشفافية التي تطفو على السطح وهي تحصل تحت مرأى العالم وسمعه.

ومن هنا، ورأفة بهذا البلد، ندعو الحكومة اللبنانية التي تسرّع في إنجاز موازنة العام 2020، إلى أن تقدم إلى اللبنانيين والعالم الموازنة التي وعدت بها؛ الموازنة التي تحمل في طياتها بذور الإصلاح، بحيث تعيد ثقة اللبنانيين بدولتهم وثقة العالم بها.

أقرأ أيضاً:

  أحزاب البقاع: عدوانية الأردوغانية في سوريا توأم الصهيونية في الجنوب

إنّنا نخشى، وتحت وطأة الاستعجال في إخراج الموازنة في المهلة الدستورية، تأخير الإصلاحات، وإعاقة استعادة الدولة لحقوقها المالية وبناء دولة خالية من الفساد، لتكون دولة يطمئن فيها اللبنانيون إلى مستقبلهم، لأن ذلك سيضطرهم إلى الخروج إلى الشارع، كما خرجوا سابقاً، وستطفو الأزمات على السطح، وليس آخرها أزمة الخبز المرتقبة أو المحروقات أو الدواء أو أزمة التجار والمستوردين.

سوريا

وإلى سوريا، التي شهدت في الأيام الأخيرة واقعاً جديداً، تمثّل بالدخول التركي إلى الأراضي السورية، بداعي تأمين حدود هذا البلد. لقد جاء هذا التصعيد في الوقت الذي بدأت سوريا تخطو خطوات جدية نحو الاستقرار الأمني والسياسي، ولا سيما بعد تأليف اللجنة الدستورية.

إنّنا أمام ما جرى، نرى أنَّ من حق أي دولة أن تحفظ حدودها، وأن تقي نفسها مما قد يتهددها من الخارج، ولكن هذا لا ينبغي أن يتم على حساب سيادة دولة أخرى أو بتأجيج الصراع فيها.

إنَّ تأمين الحدود لن يكون بإضعاف سوريا، بل بالعمل على دعم هذا البلد وتعزيزه وتأمين سبل الاستقرار ومعالجة المشكلات التي تشكو منها تركيا وتهدد حدودها.

ويبقى أن نقول، وبعد القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا، لكل الذين كانوا يراهنون على أميركا لتحقيق استقرارهم: إن من الخطأ الرهان على الخارج الذي لا يعمل إلا لحسابه ومصالحه.

إنَّ رهانكم ينبغي أن يكون على الحوار بين كلّ مكوّنات سوريا، من عرب وكرد ومسلمين ومسيحيين وشيعة وسنة وعلويين، للوصول إلى صيغة تضمن للجميع حقوقهم في ظل وحدة داخلية تشكل ضمانةً للجميع.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock