السيناريو الإسرائيلي واستراتيجية محور المقاومة.. نُظم الردع

تتوضح يوماً بعد يوم الابعاد الاستراتيجية التي فرضها حزب الله في حرب تموز 2006، بوصفها مِفصلا تاريخياً في طبيعة الصراع بين محور المقاومة والكيان الاسرائيلي، خاصة أن انتصار تموز قد أسس أرضية صُلبة لمعادلات وموازنات كبحت بمضامينها مبادرات اسرائيل الهجومية، لتكون نتائج الحرب على سوريا تعزيزاً لهذه المعادلات، وامتداداً في الأهداف والمضمون لما عجز عنه الكيان الاسرائيلي من تحقيقه في حرب تموز، من هنا قد يبدو الحديث عن المعادلات الإقليمية والدولية التي اسس لها الجيش السوري وحزب الله، يدخل في سياق استراتيجي رادع لأي سيناريو اسرائيلي، وعليه فقد بات صُناع القرار العسكري في اسرائيل، في سعي حثيث إزاء البحث عن أي خيارات تُحقق تغيراً في موازين القوى، والحد من مفاعيل تعاظم قوة محور المقاومة، وخلق استراتيجيات دفاعية جديدة تعتمد كُلياً على سيناريوهات تُحجم قدرات محور المقاومة، وبناء منظومات ردع عبر توسيع نطاق العمليات الاسرائيلية في ظل المساحة الجغرافية الصغيرة التي تقع عليها إسرائيل، مما يُوسع عمقها الاستراتيجي، وعليه بات الهجوم هو السبيل الوحيد أمام تل أبيب لتحقيق خيار الدفاع الأمثل، وامتدادًا لهذا النهج تعتمد إسرائيل على حرب الحركة السريعة، فيما يتعلق بالهجوم أو سرعة إنهاء الحرب، قبل أن يتم التدخل من جانب القوى الدولية، خاصة أن الاستراتيجيات السابقة والتي اعتمدت على توظيف الفصائل الإرهابية في سوريا ولبنان والعراق، قد أخفقت اسرائيلياً، وعززت قوة محور المقاومة.

المقاومة الإسلامية في حزب الله -

المُعضلة الاستراتيجية للكيان الاسرائيلي لا تقتصر على فشل المُراهنات على الفصائل الإرهابية، لجهة قُدرتها على فرض مشهد إقليمي يتناسب وتطلعات اسرائيل، بل لهذا الفشل تداعيات استراتيجية جمّة، تتعلق مباشرة بتعاظم قوة محور المقاومة، وعليه فقد كان الفشل الإسرائيلي المُتعلق بقراءة المسارات السياسية والعسكرية في الساحة السورية والإقليمية عموماً، ذريعاً، هنا يكمن جوهر المُشكلة الإسرائيلية، فالكيان لم يعد قادراً على وضع قيود ناظمة لقواعد ردع جديدة، ولا فرض معادلات مُؤسسة لقواعد اشتباك في المنطقة، وبالتالي لم يجد الكيان الصهيوني أمامه سوى التعايش القهري مع انتصارات محور المقاومة، وبذات التوقيت محاولة توظيف هذا التعايش في سياق خيارات استراتيجية جديدة، بُغية احتواء مفاعيل وتداعيات انتصارات محور المقاومة، خاصة أن الانتصار السوري قد هيئ الارضية الاستراتيجية لقوة ردع لا يُمكن لأي سيناريو اسرائيلي تفكيك معادلاتها، فـ المعالم التي كرسها انتصار سوريا وحلفاؤها أسقط كافة الرهانات، لا سيما المراهنات على الوكلاء، هذا الأمر أجبر الأصلاء الدخول مباشرة على خط الصراع، نتيجة لذلك فإن سيناريوهات المواجهة تنطلق من بُعدين لكن وفق منظور استراتيجي، فإما الدخول بمواجهات عسكرية شاملة تُدرك اسرائيل أنها تُشكل خطراً على بنيوية الكيان، وإما تجنب المواجهة حرصاً على عمقها الاستراتيجي، وكلا الخياران لن يُحقق لها قوة ردع في مواجهة محور المقاومة.

أقرأ أيضاً:

  مد 3 شرايين لخروج المدنيين من مناطق سيطرة "النصرة" بادلب

ضمن السيناريوهات المُتعددة والتي تنطلق من ابعاد استراتيجية، الواضح أن اسرائيل لا تريد الحرب بقدر ما تسعى جاهدة لإعادة ترميم صورتها الردعية في المنطقة، واعادة فرض قواعد اشتباك جديدة، وتفعيل منظومات دفاعية اقليمية تعتمد على المسار السياسي وتفاهماته الضامنة، لتهدئة المُحيط الإقليمي بـ اسرائيل، وهذا الموقف يتطابق جُملة وتفصيلا مع الموقف الأمريكي، فالمنطق العسكري الذي فُرض عبر الميدان السوري وتجاذباته، قد أسس اقليمياً لـ مشاهد كارثية لمحور واشنطن، وبالتالي من المنطقي أن واشنطن لا ترغب بحرب ضمن هذا التوقيت السياسي، كما أنها ورغم تصريحاتها ذات الأسقف المرتفعة سياسياً وعسكرياً، إنما تحاول الدخول في منظومة التسويات، وهندسة واقع حيثياته افتراضية، لأن العقل لاستخباراتي لواشنطن يُدرك بأن حجم الخبرات ومراكمة الانتصارات لمحور المقاومة، قد وصل لمستويات استراتيجية لا يُمكن تعديلها او تغير مسارها، وعليه فإن أي حرب بين الكيان الاسرائيلي ومحور المقاومة في أي بقعة جغرافية تمتد من طهران إلى بغداد مروراً بدمشق وصولاً لحزب الله، ستمتد حُكماً إلى باقي مناطق الإقليم، وستغدو القواعد الأمريكية في مرمى صواريخ المقاومة عالية الدقة كارثية التدمير، وهذا ما ترجمه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في اتصاله مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، عُقب قيام اسرائيل بالإيعاز لخلاياها النائمة في لبنان، العبث بحالة الهدوء والاستقرار التي جاءت عبر قواعد اشتباك فرضها حزب الله، داعيًا إلى عدم التصعيد، وهنا لابد من الإضاءة على جُزئية تأتي في سياق الهواجس من اندلاع حرب كارثية في المنطقة، حيث أن روسيا وما أسسته من منجزات بأبعاد إقليمية ودولية وعبر البوابة السورية، لا تُريد بعثرة هذه المنجزات ووضعها في سياق المساومة أو التفضيل، خاصة أن أي حرب في المنطقة ستكون سبباً في ضعضعة كل التحالفات، وروسيا ذات الحضور السياسي والعسكري في سوريا ليس في صالحها أو صالح شركاؤها الاقتصاديين في الصين وأوروبا، قيام أي حرب تُطيح بالعناوين العريضة لكافة المشاهد السياسية والعسكرية والاقتصادية، في سوريا وباقي الإقليم.

أقرأ أيضاً:

  هُدنة إدلب على شفير النار والوضع الانساني الى اسوأ

في جانب موازٍ، فإنه من الواضح أن انتصارات الجيش السوري في ريفي حماه الشمالي وإدلب الجنوبي تُزعج الكيان الاسرائيلي، لكن اسرائيل تعمل لصالحها ووفق استراتيجيتها، ولا تُقدم خدمات لتركيا في سوريا، أو للسعودية في لبنان، أو تقوم بربط سياستها بأية مستجدات تفرضها تطورات المنطقة، خاصة مُستجدات الشأن السوري وتداعياته على تركيا، كما أن دولة الكيان لا تُقيم إعتباراً أو وزناً لزيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى الولايات المتحدة، كل هذا السياق السياسي والعسكري لا يعني اسرائيل بالمعنى الظرفي، بل تعمل على تأسيس قاعدة بيانات يُمكن من خلالها بناء استراتيجية دفاعية باطار هجومي، وبالتالي لا علاقة بين الاستهدافات الاسرائيلية لدمشق والضاحية الجنوبية بتحرير ريف حماه الشمالي، والوصول إلى ريف إدلب الجنوبي، وما بينهما من مُنجزات استراتيجية ذات مفاعيل وتداعيات إقليمية، تُعزز من حضور قوى المقاومة على امتداد ساحات الصراع، عطفاً على قلق وهواجس النظام التركي، أو زيارة الحريري إلى واشنطن، أو حتى حسابات داخلية تتعلق بالانتخابات الاسرائيلية المُقبلة، فالواضح أن الاستهدافات الاسرائيلية في سوريا ولبنان والعراق تأتي ضمن إطارين:

  • الأول – صراع المحاور، حيث تحاول اسرائيل إحداث تغير جوهري في سياسة المواجهة مع محور المقاومة، خاصة أن تراكم المُنجزات العسكرية التي حققها محور المقاومة ككل، تُشكل عامل ضغط على الكيان الاسرائيلي، الامر الذي من الممكن أن تترجمه الاستهدافات المُتكررة بُغية دفع واشنطن إلى تكثيف ضغوطها السياسية والعسكرية على سوريا وإيران والعراق.
  • الثاني – استراتيجية التصعيد التكتيكي بُغية إعادة خلط الأوراق التي أنجزها محور المقاومة ككل، وإجبار دوله على الرد بعد عمليات استفزاز مُتعمدة، لكن في مقابل ذلك، فإن محور المقاومة أذكى من الانجرار للتوقيت الاسرائيلي الراغب في التصعيد، والرد سيكون وفق توقيت محور المقاومة ضمن مُعطيات الأمر الواقع، والذي تفرضه طبيعة المرحلة السياسية والعسكرية في المنطقة.

أقرأ أيضاً:

  زيارة بأبعاد استراتيجية متعددة… دمشق بوابة الانتصارات

الكثر من التساؤلات والتي قد لا نجد لها إجابات في الوقت الراهن، خاصة تلك المتعلقة بطبيعة رد حزب الله “بالتوافق والتنسيق السوري الايراني”، او بقعته الجغرافية او مضمونه العسكري، لكن المؤكد أن اسرائيل ستقف على قدم واحدة في انتظار ترجمة ما قاله السيد حسن نصرالله واقعاً عملياتياً، فالصمت الاستراتيجي الذي يُتقنه محور المقاومة ككل، خاصة حزب الله، سيكون له تداعيات كثيرة على من وصفهم سماحته، بـ “أوهن من بيت العنكبوت”.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق