الشرق الأوسط و صفقة القرن

في خضم تنوع الحروب على الشرق الأوسط في عناوينها الإرهابية، والتي تبقى حروباً نتيجتها القتل والدمار والشتات، كما الحرب التي شهدها العراق، او التي تشهدها سوريا واليمن، حيث تُعد الأعنف والأخطر عالمياً، و تعمد القوى المُصنعة لهذه الحروب للتنويع في اختيار الملفات، والتي تُناسب الواقع المفروض على الساحتين السياسية والعسكرية، ومدى التنقل بين الملفات وفقا لمقتضيات المرحلة، فمن الملفات السياسية يتم التحرك وفقا لمعطيات خاصة إلى ملفات عسكرية حتمية تفرضها اجندات سياسية ابتدعتها تلك الدول، حسب الحاجة مع إمكانية تسطير هذه الاوراق حسب التوقيت الخاص والمرحلي، وذلك للحيلولة دون حدوث فشل مبكر للمخططات المرسومة.

ففي الحرب على العراق عام 2003 كانت الذريعة للحرب، هي امتلاكه للأسلحة النووية، والتي ثبت زيفها، لكن ذلك لم يمنعهم من المضي في تمزيق هذا البلد، فما خُطط له تم تنفيذه وبات العراق في وضع ارادته امريكا واسرائيل وحلفاؤهما، مع التشديد على ابقاء الوضع في العراق في مرحلة إعادة النهوض، ولكن بمراقبة امريكية، لان مخططهم فشل في مواضع كثيرة، وذلك نتيجة صمود الشعب العراقي وقدرته على مجابهة العدوان.

واستكمالا للملفات، قامت الحرب على سوريا ، و هي حرب إرهابية كارثية والتي دخلت عامها التاسع، ولكن ومع اختلاف العناوين المطروحة لهذه الحرب واختلاف عناوين ادواتها الإرهابية، إلا انها مازالت تقاوم وتحقق الانتصارات في كثير من المناطق، ومازالت على نهجها العروبي والقومي للقضية الفلسطينية، القضية العربية القومية الاولى والاهم في هذا الشرق العربي، والذي صبّت فيه قوى الغرب كل مقدراتها لإقامة وطن قومي لإسرائيل في فلسطين، وافتعلت كل هذه الحروب لأجل تحقيقه هذا الهدف.

ومع التطورات السياسية والعسكرية الحاصلة في الحرب على سوريا، بدأت امريكا واسرائيل وحلفائهم يصطدمون بقدرة القيادة السورية والجيش السوري على الصمود، فكان لابد من التحرك السريع لهذه القوى المعادية وإعادة تدوير ملفات الحرب بما تقتضيه المرحلة، وخصوصا مع انتصار محور المقاومة المتمثل بسوريا وإيران، بالإضافة إلى اقتراب اعلان بنود صفقة القرن التي طرحها الرئيس ترامب ورعاها صهره كوشنير، والتي من اهم بنودها الاعتراف “بالقدس” عاصمة لإسرائيل، ليحين الوقت لتفعيل البنود المتبقية، علماً ان ما تم تنفيذه من الصفقة كان بداية في خروج واشنطن وتقليص الدعم عن منظمة الاونروا للاجئين الفلسطينيين، وبالتالي اشغال الشعب الفلسطيني بهموم المواطن العادي، لتُكمل الحكومة الاسرائيلية العدوانية مخططاتها في التوسع و الاستيطان، وبالتالي إيصال رسالة إلى عرب الشتات في المهجر أن فكرة العودة غير واردة في ظل كل هذه التحديات التي تعيشها المنطقة العربية وبلدهم خصوصا.
اصطدام مخطط الصفقة بجدار من نار عربي مقاوم

لم يقف الفلسطينيون مكتوفي الايدي مع اطلاق واشنطن واسرائيل لصفقة القرن، بل بدا الحراك الشعبي على اوسع ابوابه في مسيرات لكسر الحصار، و للتأكيد بان الفلسطينيين لم ولن يتخلوا عن قضيتهم “حق العودة وتقرير المصير”، فما حققته حرب غزة عبر مقاومتها وانتصارها على القبب الحديدية في فلسطين المحتلة، كما وجود حزب الله في الجهة الشمالية لفلسطين، وسوريا من الجنوب وإيران الداعم الاكبر للمقاومة الفلسطينية، كل هذا ابطئ من تقدم الصفقة، وبالتالي كان لابد من التحرك لعقد مؤتمر البحرين، والذي قبل ان يبدأ، استُعيض عنه “بورشة البحرين” تحت مسمى التنمية الاقتصادية في فلسطين المحتلة، والسؤال المطروح أية تنمية اقتصادية؟، وكأن الشعب الفلسطيني قد انهى حربه مع الاحتلال، وطلب من الدول العربية مد اليد لإعادة النهوض بالبنى الاقتصادية!.

ما تفعله أمريكا واسرائيل في الشرق الأوسط ما هو إلا محاولة لاستحداث ورشة عربية هي في الاصل مطبعة مع اسرائيل، تتخذها الامبريالية الصهيونية كدمى تُطرح امامها بنود الصفقة، والتي سيكون البند الابرز لها إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وضم الضفة الغربية، كما تم ضم الجولان في خرق واضح لجميع القوانين والمواثيق الدولية، فـ الاموال التي تحتاجها الصفقة قد غدت في يد الرأس المدبر امريكا من قبل بعض البلدان العربية، لكن الهزيمة التي منيت بها واشنطن وادواتها الإرهابية في سوريا، وكذلك التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، ومع تعاظم قوة محور المقاومة في لبنان وسوريا وايران واليمن، سَيحول دون إمكانية الإسراع في التنفيذ، والذي سيأخذ شكلا إعلاميا لا اكثر، فالشعب الفلسطيني ما زال يقاوم والشعب السوري مازالت حربه مع الإرهاب مستمرة وكذلك اليمن.

في النتيجة وعلى الرغم من التطبيع العلني لبعض الدول العربية مع اسرائيل، وتقديم الاموال والدعم لدولة الاحتلال، إلا ان فلسطين المحتلة بشعبها ومقاومتها ستتمكن من اسقاط الصفقة، وحماية المسجد الاقصى والقدس الشريف، وستبقى سوريا متمسكة بالقضية الفلسطينية لأنها اضحت قضية وجود، وكل ما يشهده العالم العربي هو لتحقيق الحلم الاسرائيلي في إقامة دولة اسرائيل الكبرى من النهر الى البحر في الشرق الأوسط ، و الذي سيصطدم بهذا المحور المقاوم.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى