العدوان التركي. وسُعار الإدانة. والواقع الجيواستيراتيجي

لاشك أن أردوغان له أطماع في الجمهورية العربية السورية. وقد ساهم من اللحظة الأولى في الهجمة الكونية الشرسة ووفق دوره المرسوم في الأجندة الصهيوامريكية لهذه المنطقة من العالم العربي.

ومنذ البداية. مارس أردوغان دوره بجدية تتفق وأحلامه التوسعية والتي وجدها تتقاطع مع المشروع الشرق أوسطي الجديد الذي يعتمد الفوضى الخلاقة منهاج إعداد المنطقة للتقسيم.

لكن_ وفي تقديري_ أن أردوغان وإن كان يحلم بالخلافة. وهماً. إلا أن أطماعه في سورية المنتصرة الآن لا يتعدى طموح الأطماع التكتيكية. لهدف. أو حتى لعدة أهداف ليس من بينها احتلال الأرض العربية السورية والبقاء فيها.. ليقينه الذي رسخ في عقله السياسي أن هذا البقاء بات مستحيلاً. وأن كلفته باتت باهظة التكاليف بما يستحيل معه أن يقوم بتسويقها إلى الداخل التركي. خاصةً وأن الجيش العربي السوري والذهنية الصلبة في إدارة الأزمة في دمشق لقرابة العشر سنوات دون فشل واحد في التوجه والاستهداف وتحصيل النتائج من الميدان العسكري على كل الجغرافيا السورية وحتى الآن.

إذن.. ما لهدف من العدوان.؟

قبل الخوض في البحث عن إجابة شافية لهذا السؤال المطروح بقوة على الذهنية الشعبية العربية. يجب أن نلقي الضوء على بعض المحددات.

..منها التاريخي والذي تم الإتفاق عليه بين دمشق وأنقرة. ومنها ما يرتبط ارتباط العلة بالمعلول بين أطماع أردوغان ووهمه للخلافة. وبين المشروع الصهيو أمريكي المدعوم من العواصم العربية.

أما التاريخي ففي مطلع العام 1996 أرسلت تركيا سليمان ديميريل ورئيس وزرائها مسعود يلماز تشكو إلى دمشق موقف الأخيرة الداعم لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، ومنحه ملجئً آمناً في سورية. وكان ذلك على إثر اندلاع الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني والنظام التركي في غضون 1984. واحتدم الخلاف وتدخلت مصر وإيران والجامعة العربية بين دمشق وأنقرة وتم توقيع اتفاقية أمنية بين تركيا وسورية، عُرف باتفاق أضنة.

وقد أجاز هذا الاتفاق الأمني بين البلدين وفي المادة الرابعة في الفقرة الأولى منه حق تدخل الجيشين العربي السوري والتركي كل منهما في بلد الآخر، تلبية لحاجة الأمن على الحدود البينية للطرفين، في حال إنشغال الجيش الوطني في مسائل تمس الأمن الداخلي. وقد قررت الاتفاقية الأمنية هذه هذا الحق في الدخول العسكري إلى بلد الآخر. لتركيا كما لسورية..

لكن هذا التدخل ليس مطلقاً حتى وإن توفرت الحالة التي وُضٍعت بنود إتفاقية أضنة لأجلها، بل تقرر هذا الحق لكلا البلدين، لكلا الجيشين لمسافة محددة بدقة هي خمسة كيلومترات، وفقاً لما جاء بالملحق رقم 4 من الإتفاقية.

ونرى أنه حتى يكتمل المشهد التحليلي أن نلقي الضوء على نقاط الاتفاق والاختلاف في مراحل التقاطع والتوازي بين مشروع أردوغان والمشروع الصهيو أمريكي. وأثر ذلك على مساحات التلاقي والتنافر مع المصلحة الإستراتيجية للدولة الوطنية السورية.

بعد محاولة الإنقلاب على نظام أردوغان والتي أفشلتها المخابرات الروسية، وفتح بوتين بوابة دخول أردوغان إلى الخيمة لرصد تقاطعات المشروع الشرق أوسطي الجديد، الذي تستخدم فيه واشنطن حروب الجيل الرابع عن طريق الاستثمار في الإرهاب لتحقيق هدفين لأمريكا:

  • الأول تثبيت الأمريكي سيداً منفرداً بالعالم منفرداً في عالم أحادي القطبية.
  • الثاني ضمان تحقيق أمن إسرائيل العظمى من النيل إلى الفرات والسيطرة الكاملة على الثروات والممرات الإستراتيجية التي تتحكم في مفاصل العالم في المنطقة العربية ودون منازع.

أقرأ أيضاً:

  دعماً لسيادة سوريا

وقد مارس السيد بوتين سياسة ثعلبية ناجحة وباردة تلهب الآخر، وتقوم بترحيل الانتكاسات الدولية في مناطق النفوذ الملتهبة في العالم لتصب في جعبة تحصيل الفشل الأمريكي تدشيناً لحقبةٕ مغايرة من الصراع، لتأسيس عالم متعدد القطبية ينتصر للأخلاق والمصالح المشتركة كقاعدة لا يرفضها في الجماعة الدولية إلا غاشم وفاشل ومعتدي ومحتل.

هذا على جانب. وعلى الجانب الآخر أراد بوتين الإنتصار لموسكو ضد الإرهاب والثأر منه في قواعده وفي مواطن استثماره وتمويله وتشغيله.

هنا بات للسيد بوتين حق تضفير أنقرة أردوغان مع طهران وموسكو وإجلاس أردوغان على الطاولة في أسيتانا وسوتشي وعقد الإتفاقات التي جعلت من أنقرة ضامناً في إنجاح مناطق لخفض التصعيد في الجغرافيا السورية. ومن خلال اليقين بأن أردوغان ضالعٌ من البداية في لعب أدوار دعم الإرهاب وتنظيماته وتدريبه وتمريره إلى الأراضي السورية.

ويحقق بوتين وصم أردوغان في الذهنية الأمريكية بحلحلته من مربع العمالة المطلقة لواشنطن. ويمد بوتين الخط على استقامته قليلا في ضربة نوعية للجدارات المشتركة التي تحتمي بها واشنطن وأنقرة معاً فيُسلم أردوغان منظومة الدفاع الجوي الروسيةs400 التي تدق مسماراً غليظاً في جدار حلحلة التركي من العمالة المطلقة للأمريكي.

يذهب التركي إلى الإعلان عن عزمه إجتياح الأراضي السورية، ولم تكن مفاجأة إلاّ لمن لم يطالعوا المشهد كاملاً.

وبعد أن تيقن لأردوغان الخائن بطبعه أن الجيش العربي السوري ما حدد وجهته إلى منطقة من المناطق، وأعلن الزحف إليها على مدى كل سنوات الأزمة، إلاّ وحقق ما ذهب إليه وحرر الأرض وانتصر، وتيقن لسيد أنقرة أن سورية لن تسقط وأنها قطعت كل الطرق على المشروع الذي كان مكلّٓفاً بكل تفاصيله، وأن حلم تحقيق خطوة للأمام في مشروعه للخلافة باقتطاع قطعة من لحم الجغرافيا السورية فور التفاهمات التي كان ينتظرها على الطاولة بعد هزيمة سورية والدخول إلى مراحل جني الثمار، بات من اليقين إنتصار الجيش العربي السوري واستحالة هزيمة سورية واستحالة الوصول إلى تلك الطاولة.

فأراد أن يركن ظهره إلى إتفاقية أضنة ويتدخل عسكرياً في سورية. وقد تم الإتفاق على ذلك مع الأمريكي، لكن الأهداف في واشنطن كانت غير نظيرتها في أنقرة. لعِب أردوغان بالولايات المتحدة الأمريكية وحصل على الضوء الأخضر لاجتياح الحدود مع سورية، ليحقق لواشنطن هدفاً عسكرياً يتلخص في أن يتم فك الإشتباك والحصار المحكم الذي يفرضه الجيش العربي السوري حول إدلب، التي مازال بها أكثر من عشرة آلاف من الإرهابيين من الدواعش والنصرة، لتتمكن واشنطن وحلفائها من إعادة تموضعهم وتسليحهم وإعادة إنتاجهم لإرباك المشهد الميداني في الجغرافيا السورية، لنقل هذا الإرباك إلى الطاولة السياسية، ولقطع الطريق على تعافي مرحلة إنتاج الدستور السوري وما يتلوه من مراحل تعافي الدولة العربية السورية، وبما تُشكله المرحلة الأخيرة هذه من التعافي من أخطار محدقة بالأمن الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في المنطقة. هذا على جانب من مبررات واشنطن في منح الضوء الأخضر للتركي في الإعتداء على سورية.

أقرأ أيضاً:

  وزير الدفاع التركي: الهجوم على القوات التركية حدث رغم التنسيق مع روسيا!

وعلى الجانب الآخر من المخطط الأمريكي أن يذهب الجيش العربي السوري إلى ملاقاة التركي في شرق الفرات- الجزيرة، المؤجل الذهاب إليها إلى ما بعد تحرير إدلب في الذهنية الإستراتيجية والعسكرية في دمشق.. بما يُلبي الإرباك في صفوف الجيش العربي السوري وخلق فرص ميدانية للإلتفاف بعمل كماشة على الوحدات العسكرية التي ستذهب إلى شرق الفرات من ناحية الأمام في مواجهة قسد المتمتعة بضمانة تحقيق طموحات الإنفصال ومعها قوات سورية الديمقراطية حسب الوعد الأمريكي، ومن خلف ظهر التركي الذي ليس من صالحه تكوين دولة كردية في هذه المنطقة مثله مثل السوري تتقاطع المصلحة هنا في هذه.

وتنقض العصابات الإرهابية التي في إدلب على وحدات الجيش من الخلف، أملأ في خلق حالة طالما سعت واشنطن للحصول عليها في السنوات السابقة للاستفادة منها في الضغط على دمشق عبر جنيف.. واستحال لأمريكا الحصول عليها.

وفوراً قررت أمريكا الانسحاب وترك الميدان شرق الفرات للتركي، الأمر الذي حدا بهروب أكثر من 150 عسكري أمريكي وأجنبي من سورية إلى العراق وعبر معبر غير شرعي.

لكن أردوغان كانت له طموحات وأهداف غير نظيرتها في البيت الأبيض.

أراد التوغل إلى أبعد مما تجيز له إتفاقية أضنة.. ذهب إلى حوالي 35كم في العمق السوري.. لماذا؟.

هدف أردوغان إستثمار الحالة للتخلص من الخطر الكردي وقطع الطريق على إمكان قيام دولة كردية هنا، وخطط لتوسيع رقعة النيران لاحتلال الأرض وطرد قسد وقوات سورية الديمقراطية من المنطقة وإضعاف وجودهم والذهاب بعد ذلك إلى إستثمار وجود الملايين من الشعب السوري على الأراضي التركية فيقوم بنقلهم إلى المنطقة التي يحتلها.. بالاتفاق أو بغيره..

ويطرد الأكراد إلى الداخل السوري ليصنع سياجاً بشرياً ًسورياً يقطع التلاحم الجغرافي بين أكراد سوريا وأكراد تركيا.

هذا وبالنظرة الإستراتيجية يُحقق مصلحة مشتركة بين السوري والتركي، لكنه يُصٓدّر الأزمات إلى الجغرافيا السورية، كلها ربما في المستقبل القريب.

وبذلك يكون أردوغان قد لكم البيت الأبيض لكمة لم يكن هناك إتفاق عليها، مما أقام الدنيا ولم يُقعدها في أميركا وأوروبا وبلدان وعواصم الدعم والتمويل ضد سورية لهدف تقطيع الجغرافيا… إذن لماذا؟.

فقد اجتمعت القمة العربية فوراً على مستوى وزراء الخارجية وخرجت الإدانات ضد الاعتداءات التركية على سورية الشقيقة، وسورية مقعدها شاغراً لازال وفي حال الإجتماع، الأمر الذي يجعل الشعب العربي يجتهد في البحث عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الإجتماع العاجل، ويقتنع شعبنا العربي الذي شاهد وتابع بألم عدم ذهاب الأنظمة العربية الحاكمة إلى ثمة خطوة واحدة تليق باعتراض ٍ ما على قرار واشنطن بضم القدس إلى إسرائيل وجعلها العاصمة ونقل السفارة الأمريكية إليها، بل وأيضاً تابعت الشعوب العربية قرار ضم الجولان العربي السوري إلى إسرائيل، ولم يصدر عن القادة ما يعكر صفو السيد الأمريكي، وشاهدت هذه الشعوب الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة لمئات المرات على دمشق، ولم يأنف القادة العرب، وتابع الشعب العربي بقرف ما ذهبت إليه أنظمة الحكم في مواقفها من تغير قواعد الإشتباك التي ذهبت إليها دمشق وحزب الله مع تل أبيب.

أقرأ أيضاً:

  بالفيديو.. مسلح يكشف وقائع عن تقدم الجيش السوري بادلب

من هنا، يتضح لنا محددان:

  • الأول أن الجيش العربي السوري يذهب إلى الحرب في شرق الفرات ولا يضطر إليها لأنه لم يضعها في أولويات المعارك قبل إدلب، وكنت أرى وهم في دمشق يرون الأفضل ونؤيدهم بالمطلق، ألا يذهب الجيش إلى الجزيرة الآن لسببين الأول أن أولويات المعارك إدلب والثانية أن البيئة الحاضنة شرق الفرات لم تنضج وطنياً بعد بما سيضاعف من كلفة المعركة من حيث الخسائر عسكرياً واستيراتيجياٌ.

وربما رتبت القيادة في دمشق وأثق في ذكائها الإستراتيجي وقدرة الجيش العربي السوري على الإستفادة من البعد الجيواستيراتيجي لمنطقة تعُج بالمشكلات الميدانية.. وأعتقد أن قرار الزحف السوري إليها تم اتخاذه على نتائج ترتيبات خلقتها حالة الإعتداء التركي في البيئة الحاضنة والرسائل التي أرسلتها تلك التنظيمات مثل قسد إلى دمشق والدروس المستفادة من القصف التركي وخيانته للتفاهمات مع تلك التنظيمات واستيعاب الأخيرة عدم وفاء التركي لعهوده معهم، وخروج الأمريكي والفرنسي وترك تلك التنظيمات على الأرصفة، واستيعاب درس حتمية العودة إلى الدولة المركزية..لتتبدل البيئة الحاضنة تمهيداً لانتصارات سورية في هذه المنطقة تدفع إلى السعي الدولي والإقليمي الجاد لحسم الملف شرق الفرات، في تقديري لن يكون بالسياسة بل سيكون بفض الإشتباك أولاً ثم تجاوز كل هذا في مراحل قادمة.

وفي تقديري أن سُعار التنديدات للتركي، والحملة الشعواء والمسعورة في خروج الأمريكي للتهديد واتخاذ الإجراءات الإقتصادية الفورية ضد أنقرة باتفاق كل مراكز صناعة القرار الأمريكي، وهبّة العواصم وسرعتها في اللحاق باتجاه ما تذهب إليه البوصلة في البيت الأبيض، الأجانب والعرب، لسبب واضح هو أن المتفق عليه في حلف تدمير سورية تم الخروج عنه لتقسيمها وحالة النتائج الكارثية التي ألمّت بهذا الحلف من ناتج إنكسارات أدواتهم وانتصارات الجيش العربي السوري.

وقد ذهبت المؤامرة إلى محاولة عدم الخروج بدون حصة من النجاح.. وتلخص النجاح في إقامة دولة كردية طالما حاول الأمريكي والصهيوني إقامتها عبر مصطفى بارزاني ومسعود من بعده في شمال العراق، ولطالما دعم الأمريكي ضد أنقرة ودمشق لإنجاز دولة صهيونية جديدة تقطع تواصل الجغرافيا بين دول محور المقاومة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق