العراق: عواصفُ عاتيةٌ ووعودٌ خاويةٌ

قد لاأذكر شيئا جديدا لو دونت بعض الأسطر عن العواصف العاتية المتلاحقة التي مرت ومازالت تمر على العراقيين منذ عقود. وبمرور الزمن تحولت المحن إلى بحر متلاطم الأمواج يهدد سفينة هذا البلد وركابها بالغرق في لحظة لايفيد بعدها الندم أبدا.

العراق
تكليف رئيس جهاز المخابرات العراقي مصطفى الكاظمي لتشكيل الحكومة الجديدة في العراق

ومن المؤلم على قلب كل عراقي شريف إن يشهد هذه الدوامة القاتلة وهي تدور وتدور كطواحين الهواء دون أن يلوح في الأفق بصيص من أمل يطمئن فيها على مستقبله ومستقبل أطفاله. وضحاياها الدائميين هم العراقيون البسطاء الذين لاناقة لهم ولا جمل مع لعبة اللاعبين وعالمهم المشبع بالتلوث والفساد.

ولطالما نصحت المرجعية الرشيدة وحذرت من هذا التداعي الخطير في جسد العراق. وكتب العديد من ذوي الأقلام النظيفة والنوايا المخلصة الصادقة عن معاناة شعبهم، ولكن لاحياة لمن تنادي. وأستثني منهم الذين وقفوا في صف الإعلام الداعشي وتستفزهم عبارة المناطق المحررة من داعش، ويعانون من فوبيا إسمها الحشد الشعبي الذي حرر الأرض من رجس أحبتهم الدواعش الأرجاس، فهؤلاء لم يتركوا فرصة ليصبوا جام غضبهم على مجاهدي العراق الشرفاء. ولم يخفوا رغبتهم الجامحة في التحريض على إشعال حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس وهم بعيدون عنها في فنادقهم لكي يتفجروا عليها وتهدأ نفوسهم المظلمة المشبعة بالحقد الطائفي المقيت. وكذلك من يلقب نفسه بـ(المفكر) الذي خدم النظام الصدامي لربع قرن، والذي أبى إلا أن يختم أرذل العمر بالشتائم البذيئة ونهش الأعراض وبينه وبين اللحد قاب قوسين أو أدنى. فقد سمعته يطلق لسانه ببذاءات يستهجنها كل إنسان له شرف يعتز به، وضمير حي يردعه عن فحش الكلام البعيد عن أي نقد هادف . وكان الأجدر بهذا ( المفكر) أن يدعو الله لكي يرحم العراقيين في شدتهم، وينقذهم مما لحق بهم من كوارث لاأن يرمي بهتانه على أمهات من يختلف معهم. ومن أبسط واجبات الخصم السياسي أن يحترم نفسه ولا ينحدر إلى هذا الحضيض من أجل منافع شخصية لم تتحقق له .ولا أدري كيف سيواجه هذا (المفكر) ربه حين تدنو ساعة الحساب. والحمد لله الذي أبعدني عن أي مسؤول عراقي من كبيرهم إلى صغيرهم حتى لايقال إني أدافع عنهم ولكن كرهي للباطل هو الذي دفعني لإدانة مثل هذا الكلام الرخيص من شخص يدعي إنه (مفكر).

أقرأ أيضاً:

تركيا تؤكد فتح حدودها مع إيران والعراق

ومع تصاعد خيبة الشعب العراقي من أصحاب القرار نتيجة لإعراضهم عن نصح المخلصين وتحذيراتهم بعد أن أغرتهم السلطة، وتاهوا في بريقها ولهواتها،وفضلوا مصالحهم الشخصية والحزبية على مصلحة الوطن والمواطن. فمن حقنا أن نطلق عليهم عبارة (حكام العقم والوعود الزائفة) وهذا مالمسه المواطن منذ ستة عشر عاما مضت من عمر العراق ، وتحولت تلك الوعود التي أطلقوها إلى كومة من الرماد على مذبح الشهوات الحزبية، والمغانم الشخصية التي عشقوها إلى حد التقديس .

ففي طيلة هذه الأعوام لم تنهض صناعة ولا زراعة ولم تشيد مدارس ولا مشافي لائقة بالعراقيين في بلدهم الغني، ولم يصل ماء صالح للشرب للملايين ،ولم تؤسس كهرباء مستقرة،والنظافة غائبة، والجهاز الإداري ينخره الفساد والمحسوبية. وآلاف المصانع المنتجة تحولت إلى هياكل متهالكة تعبث بها الرياح من كل آتجاه.

ودخلت للعراق أردأ المواد الإستهلاكية بعيدا عن أية رقابة. وكل هذا تشهد عليه العيون.والمواطن المتعب بسمع الكثير من الكلام في الفضائيات عن المشاريع التنموية، والنهضة العمرانية ، والحكومة الألكترونية، وكيبل الأنترنيت الضوئي، وتحسن الكهرباء. لكن كل تلك الوعود ظلت مكتوبة على الورق وكان من نتيجتها إختفاء مليارات الدولارات، وزيادة نسبة الفقر، وتغول الطبقات الطفيلية الفاسدة في مفاصل الدولة، وتراجع الوطن في كل مجالات الحياة.

وكل عام يمر والعراقيون ينتظرون الفرج لكن الحرمان يشتد على الطبقات الفقيرة. ورموز الفساد يتخمون بطونهم وجيوبهم بالمال الحرام بعد أن ماتت ضمائرهم، وفقدوا كل نوازع الحرص والغيرة على شعبهم. وكأن ثروة الشعب العراقي وهبها الله لهم وحرمها على الفقراء من أبناء جلدتهم حيث لاتزال نسبة أكثر من 30% من عامة الشعب العراقي تعاني من الفقر والأمراض التي تحصد مئات الآلاف من الأرواح ، بعد أن تحولت ربوع العراق إلى ملعب للكوارث المتلاحقة . وهذا الكلام ليس نظرة سوداوية لكنها الحقيقة المرة على أرض الواقع.

واليوم وفي ظل جائحة كورونا ،وهبوط أسعار النفط إلى مادون العشرين دولارا للبرميل، وآعتماد ميزانية العراق على 95% من النفط، والعجز الرهيب الذي ينتظرها فيما إذا أقرت. وعدوانية السلطان العثماني أردوغان الذي آستضعف العراق حيث تطلق طائراته بين فترة وأخرى صواريخها لتقتل العديد من المدنيين الأبرياء مقابل عدم إستطاعة الحكومة العراقية فعل شيئ لوقف هذا العدوان سوى تقديم الإحتجاجات الخجولة التي لاتغني ولا تسمن من جوع. ويصاحب هذا القصف الوحشي نشاط الدواعش في ديالى والأنبار والموصل وضواحي كركوك، وآشتداد الحملة الإعلامية من دواعش السياسة الصداميين القابعين في أربيل وعمان وغيرها، والحالمين بالإستيلاء على الحكم من جديد. وسيطرة الأمريكان على الأجواء العراقية.ونقل قواعدهم العسكرية إلى مناطق كردستان للبقاء الدائم في العراق مقابل حكومة ضعيفة عاجزة عن القيام بأي إصلاح. وخزينة على وشك الإفلاس. وليس من المستبعد عجز الحكومة عن تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين في الأشهر القادمة. يقابل ذلك تكالب أقطاب العملية السياسية على المطالبة بحصصهم مع ثالث مكلف هو مصطفى الكاظمي الذي يواجه هو الآخر مهمة عسيرة ومعقدة كما حدث مع سابقيه.

أقرأ أيضاً:

"ما بين العراق وسوريا إرهاب مشترك.. قيصر الأمريكي"

ومن المؤكد إن مصيره سيكون كمصير الزرفي وعلاوي إذا رفض مبدأ المحاصصة التي يتفانى من أجلها أقطاب العملية السياسية خلف الكواليس وإن آدعوا غير ذلك في العلن. فهم يحاولون تحت مسمسيات (التوافق ) و(التوازن ) و(الإستحقاق الإنتخابي ) تمرير حكومة محاصصاتية بامتياز لتبدأ الدوامة من جديد. وتتحول كل وزارة إلى دكان تجاري يدر المال للأحزاب المتنفذة لكي يقوى نفوذها أكثر. وقد شهد شاهد من أهلها حين صرح لإحدى الفضائيات وقال بالحرف الواحد:

إن آكتشاف لقاح لجائحة كورونا بات أسهل من الموافقة على رئيس وزراء لايخضع لشروط الكتل السياسية وآشتراطاتها .

هذا هو حال العراق اليوم الذي يتعرض لأشد العواصف خطرا منذ تلك الحروب التي أشعلها نظام الدكتاتور صدام حسين فهل ستستمر ظاهرة عدم إكمال النصاب لمجلس النواب العتيد، ويبدأ البحث عن بديل جديد للكاظمي إلى اليوم الذي يتحول فيه العراق إلى دولة فاشلة كما يرغب الأعداء ؟ أم تحدث المعجزة وينبع الماء من الحجر، ويتنفس الصابرون الصعداء .؟ ليس من أجل من بلغ من العمر عتيا كأمثالي بل من أجل الجيل الجديد والأجيال القادمة. فانتظروا إني معكم من المنتظرين.!

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق