الكناني والجبوري مريضان!!

فالح حسون الدراجي

الكاتب فالح حسون الدراجي
الكاتب فالح حسون الدراجي

الفنان غازي الكناني والصحفي عدنان الجبوري.. عراقيان مكتنزان بالعراقية وممتلئان بالوطنية من الوريد الى الوريد، هما يقيمان في الخارج البعيد منذ سنوات عديدة، إلاَّ أن روحيهما تحلقان كل مساء فوق السطوح الناصية في مناطق بغداد الشعبية.

ومع كل ما يتمتعان به من ألق وإبداع ونجاح وشهرة، إلاَّ أن الله أبتلاهما بمرض خطير، وجميل، اسمه (حُب العراق). ومرض (حُب العراق) لمن لا يعرفه، يختلف تماماً عن المرض السايكولوجي الشائع (الهوم سك)، باعتبار أن (الهوم سك) حالة مرضية يتعرض لها الأشخاص البعيدون عن الأهل، أو المدينة، أو المنقطعون عن علاقات وأجواء العمل، أو المحرومون من التواصل الحميمي مع الآخرين.

(والهوم سك) في كل الأحوال يمثل حنيناً عارما لشيء ما، شيء ليس بالضرورة أن يكون الوطن بعينه. وإذا كان المريض (بالهوم سك) يشفى بمجرد زوال سبب مرضه، فأن المصاب بحب العراق لا يشفى، ولا يطيب حتى يوارى جثمانه الثرى.

فهو دائم الوجع، وشديد التعلق بوطنه، كما يتعلق الطفل بأذيال أمه، وهنا لا يختلف الأمر في شيء، سواء أكان المريض يقيم في خارج العراق، أم في داخله!. فحين يكون مقيماً في الخارج تجده خائفاً وقلقاً على سلامة (عراقه)، يتابع نشرات الأخبار العالمية ليل نهار، ويتقصى عن الأوضاع في بلاده، من المصادر المُحبة لوطنه، دون غيرها، كي لا يسمع خبراً سيئاً، فيؤذيه، ويقتله. ولن يكون حاله أفضل حين يكون مقيماً في الداخل، إذ ستجده باكياً شاكياً كلما تعرض (عراقه) لأمر جلل – وما أكثر الأمور الجلل في العراق؟ إذن فإن مرض (حب العراق) ليس محدداً باغتراب (زمكاني) أو موضوعة حدودية معينة، إنما هو يتعلق بحساسية وجدانية عاطفية عالية، ويقع تحت ضغوط نفسية شديدة، تكونت نتيجة العشق والهيام ببلاده التي يراها وحدها ولا يرى بلاداً غيرها!!

أقرأ أيضاً:

  المرجع الخالصي يجيب حول الموقف مما يجري في العراق وما هي النصيحة للمؤمنين

وهكذا يتبين لنا الفرق بين مرض (حُب العراق) ومرض (الهوم سك).. وفي التطبيق الواقعي والإنساني، فإن حالة الهيام والعشق العاطفي العارم للعراق، التي وجدتها في شخصَي الفنان الكبير غازي الكناني، والصحفي الرياضي الكبير عدنان الجبوري، جعلتني أثق، وأتأكد تماماً من هذا الفرق. فمثلاً غازي الكناني الذي يقيم في استراليا، والمتوفرة له كل أسباب العيش الرغيد، والراحة التامة، والمتوفرات السكنية اللائقة، والخدمات الصحية الباهرة في تلك الدولة الكبيرة، خاصة وإن الرجل الآن في مرحلة عمرية متقدمة، يحتاج فيها للخدمات الصحية، والعلاجية، والإنسانية أكثر من أي وقت آخر. لكن الكناني يبكي بكاء مُراً على العراق، ويريد المجيء والعيش في بلاده رغم كل الظروف. وأذكر إني ألتقيته في بغداد قبل سنوات عدة في أمسية تكريمية أقامتها لي إدارة (رواق المعرفة)، احتضنني صديقي الكناني والدموع تهطل من عينيه كالمطر، فقلت له ما بالك يا رجل، لقد وجدتك في استراليا باكياً، وقبلها في عمان باكياً، واليوم أراك في بغداد تبكي أيضاً، فمتى تتوقف عن البكاء؟

فقال: لا أقدر يا صاحبي لا أقدر، فالعراق الذي يقيم في كبدي، وجوارحي يبكيني كل لحظة، فكيف تريد لعيوني أن لا تبكي، وهي ترى وطني الجميل يتعرض لكل هذه المؤامرات، والإعتداءات الإرهابية التدميرية الحقيرة؟

وأمس كنت قد قرأت كلمة شكر وتقدير وجهها الفنان الكبيرغازي الكناني لأصدقائه ومحبيه لسؤالهم عنه، ويطمئنهم فيها الى تجاوزه محنة المرض، فضحكت، وقلت في سري: والله لن تتجاوز مرضك يا أبا عمار، ولن تشفى منه، فأنت لست مصاباً بمرض التيفوئيد أو القولون او الزائدة الدودية.. إنما نت مصاب بمرض (حب العراق)، فهل وجدت مريضاً بحب العراق يشفى؟ ونفس الشيء وجدته لدى صديقي الصحفي الرياضي عدنان الجبوري، فهذا الصحفي المقتدر كان قد سكن ولاية جورجيا في الولايات المتحدة قبل سنوات عديدة، لكن قلبه ظل مقيماً في البياع، لم يبارحها قط.. وللحق فإن عدنان الجبوري حالة وطنية متفردة لا مثيل لها في كل الكائنات البشرية. وانا هنا لا أتحدث عن طيبته التي باتت مثالاً يضرب في الأوساط الصحفية الرياضية، ولا عن وطنيته وعراقيته الفذة، التي أفزعتني في فجر يوم من أيام شهر حزيران، حين أتصل بي تلفونياً، وصوته يمتزج بالدمع، صارخاً بلهجته البغدادية: لك داد أبو حسون.. ذوله داعش الكلاب احتلوا الموصل!!

أقرأ أيضاً:

  ما سبب انخراط أمريكا و بريطانيا في حروب رغم عدم وجود أي تهديد حقيقي

وأنقطع الصوت عني، ولم يعد، حتى علمت من صديقي وأخي حسام حسن بأن عدنان قد نقل في نفس الساعة الى الطوارئ بعد تعرضه لجلطة دماغية كادت تقتله. هذا هو عدنان الجبوري، الذي يعيش في أمريكا، وعينه على بغداد.. بينما يعيش الكثير من السياسيين والوزراء والنواب وتجار السياسة العراقية في بغداد، وعيونهم ترنو لأمريكا..

ملخص القول أرسله لرئيس الوزراء، ولوزير الشباب ووزير الثقافة، وأقول لهم جميعاً: حققوا رغبة الكبيرين غازي الكناني، وعدنان الجبوري، فهما يحلمان بالعودة الى العراق ويتمنيان الموت على وسادة العراق، على الرغم من اعتراضي على هذا الطلب، لأننا بصراحة نريدهما أن يعيشا في العراق وليس يموتان فيه.

لذا فإني أتمنى باسم زملائي في مؤسسة (عين الحقيقة) للثقافة والإعلام أن توجِّه حكومتنا الوطنية دعوة لهذين العراقيين تكريماً لتاريخهما الإبداعي الطويل، واعتزازاً بينابيع الدمع التي تنام تحت جفنيهما، وتنفجر كلما ذُكر العراق!!

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock