اللاهوت والناسوت عند جمال عبد الناصر

بهزيمة المحور وإنتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ الصراع الإمبراطوري بين الحلفاء أنفسهم ، حيث تريد الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي إزاحة الإمبراطوريات الأوروبية الآفلة وهي بريطانيا وفرنسا . ومن ناحيتهما كانتا مصممتان على تجاهل حقائق النظام الدولي الذي تشكل آنذاك والمعتمدة على حجم القوة ونتائج الحرب . فراحت القوتين العظميين تشجعان ثورات التحرر الوطني في المستعمرات البريطانية والفرنسية ، كما دخلت أمريكا في صراع خفي مع الإمبراطورية البريطانية لتتسلم مجمع بترول الشرق الأوسط . ولما كان صراعا بين شقيقان ينتميان لنفس الدين ونفس الحضارة ، إقتضى الأمر أن توجه أمريكا ضرباتها من وراء حجاب . وعلى الجانب الآخر كان يقف ضابط مصري مريض بجنون العظمة ، يقدم أوراق إعتماده للإدارة الأمريكية ليقوم بالمهمة التاريخية ويكون مخلب قط في يد القوى العظمى . فبينما كان يلقي خطابا على الجماهير المحتشدة إنطلقت فجأة ثمانية رصاصات أفقدت البكباشي توازنه ، وتركته كمن يفيق من البنج ويفضح دون إرادة ما يجيش في صدره وما يعتمل في عقله الباطن فقال : “أيها الأحرار فليبق كل في مكانه ، دمي فداء لكم ، أنا لست جبانا ، فليقتلوني فقد أنبت في هذا الوطن الحرية والعزة والكرامة من أجل مصر ، فليقتلوني فقد وضعت فيكم العزة والكرامة . إذا مات جمال عبد الناصر فليكن كل منكم جمال عبد الناصر، متمسكا بالمبادئ والمثل العليا ، إذا مات جمال عبد الناصر اليوم فإنه يموت مطمئن البال لأنه خلق فيكم العزة وخلق فيكم الكرامة وخلق فيكم الحرية . إذا كنت نجوت اليوم فبعون الله لأزيدكم حرية ولأزيدكم عزة ولأزيدكم كرامة”.

في تلك الأجواء البطولية يصرح السيد بأن الشعب عبارة عن تجمع من العبيد لا يعرفون معنى الحرية ولا العزة ولا الكرامة . وأن السيد وحده هو من ألهم بها وتلقاها عن الله مباشرة ، ويعلن أنه يقوم حاليا بتلقينها للشعب ، ويتعهد بأنه سيواصل ذلك بعد نجاته بل وسيزيد في حصة كل مواطن من العزة والكرامة والحرية .

إنطلقت هذه الكلمات الكارثية والبذيئة من ميدان المنشية بالإسكندرية لتستقر على مكاتب المسئولين بأوروبا وأمريكا والإتحاد السوفييتي و إسرائيل وغيرهم ، ومن يد المسئولين إلى الأطباء النفسانيين وقادة أجهزة المخابرات لسبر أغوار البكباشي وإكتشاف عقده النفسية للعزف عليها . ويبدو هنا تضخم الذات وجنون العظمة واضحا للغاية ، بل أنه وصل لمراحل متقدمة ربما بفعل توليه السلطة فأصبح يرى نفسه إلها . وسنلاحظ فيما بعد أن هذه الكلمات القليلة الكاشفة قد أصبحت دستورا خفيا للبلاد ، وسوف تتحول إلى أطروحات على لسان الكتاب والصحفيين ، لترتدي ثوب التنظير والتحليل ، ويتم تلقينها للشعب ليحفظها عن ظهر قلب أو بالأحرى ليتعبد بها تقربا للإله الذي أعلن عن نفسه .

  • ولنبدأ بتحديد ملامح عقدة البكباشي :

  1. هو الفادي الذي يفدي أمته بدمه ، أي أنه مسيح جديد ، وهو ليس جبانا بل يمتاز بالشجاعة والجسارة وتجري على يديه معجزات .
  2. أنه هو من أنبت الحرية والعزة والكرامة في أرض الوطن ، وهي نبتة جديدة لم تكن معروفة من قبل في هذه البلاد .
  3. إنه إذا مات أو قتل فلن يعوض غيابه إلا أن يتحول كل فرد من أفراد الشعب إلى جمال عبد الناصر ، وهذا لا يشبه موت البشر وإنما نوع من الحلول الإلهي حيث يتوزع الإله هنا على أجساد الرعية بالكامل . ويمكن القول بأن حادث المنشية وضع ملامح السياسة المصرية كلها حيث ترجمت كلماته الكاشفة إلى خطة تأليه كاملة وأصبح لعبد الناصر بدء من الآن طبيعتين هما اللاهوت والناسوت .
  4. وإختتم المريض هذيانه بأن صرح بأنه يعتبر تجسيدا للمبادئ والمثل العليا ، وأنه بمناسبة نجاته سيكافئ عبيده بمنحهم جرعات إضافية من العزة والكرامة والحرية .
  • إخراج المارد من القمقم

وبدء من هذه الواقعة ظهرت لغة جديدة روجها كبار كتاب هذا العهد وهو سيشبه قيام الساحر بإخراج المارد من القمقم ، وذلك بإثبات كل كلمة قالها عن نفسه أو بالأحرى تغذية كل عرض من الأعراض التي عبر عنها البكباشي . وفي خريف 1956 حان تتويج ناصر كإله ، وكان حفل التنصيب الرسمي هو غارات بريطانيا وفرنسا على القاهرة والإسكندرية ومدن القناة ، وصراخ ناصر في الجامع الأزهر وإعلانه أنه سيقاتل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل . وإنتهت العملية بمكسب للقوتين العظميين فيما كسبت إسرائيل قطعة أرض إستراتيجية هي أم الرشراش التي تغير إسمها إلى إيلات . كما كسب ناصر شخصياً حيث أصبح رمزاً عالمياً بينما خسرت مصر أرضها .

أقرأ أيضاً:

غوتيريش: ملايين الأفارقة مهددون بفقر مدقع بسبب كورونا

وفي الإطار السياسيى الطبيعي كان يمكن تقييم هذا الآداء بالعقل لا بالعواطف ، وحساب الخسائر والأرباح وسنجد أن مصر إستعادت القناة مبكرا بضع سنين ، لكنها خسرت أم الرشراش من ناحية أخرى وسيطر عليها العدو الصهيوني وأطل منها على البحر الأحمر فكسر الحصار الذي تضربه عليه مصر . لكن ما حدث لم يكن في إطار الديمقراطية ولا السياسة نفسها ، لأن هذا النصر السياسي العالمي والتاريخي تم نسبته إلى شخص عبد الناصر ، وتم تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا وموقع مصر وقناة السويس التي هي رقبة الإمبراطورية البريطانية . وحولت الدعاية عبد الناصر إلى إله .

  • شعائر عبادة جمال عبد الناصر

وضعت صور الإله في كل الوزارات والهيئات ، وفي الشوارع مع اللافتات وأقواس النصر وعبارات الإمتنان للقائد . وكانت جميع المدارس تضع في مدخلها تمثالا نصفيا للزعيم ، أما أقوال الزعيم وشعارات ثورته فهي ميسرة وموجودة على الحوائط واللافتات وأعمدة الإنارة ليسهل على الناس حفظها والتعبد بها .

البابا كيرلس والرئيس الراحل جمال عبد الناصروكانت كتب التاريخ المدرسية تحفل ببطولات القائد وأعماله الخالدة . ويحفظ الأطفال أناشيد تعبر عن أمة كانت تحلم بمخلص منذ آلاف السنين ، وأخيرا لاح لها في الأفق على هيئة رئيس دولة مزود بجناحين وله قدرات خارقة .. يمتطي جواده الأبيض ويطير به فوق السحاب ثم يتنزل على أرض مصر ويتجلى على شعبها كهدية من الله . كانت تلك شعائر عبادة حقيقية يمارسها الشعب يوميا ، تغذيها عشرات الإغاني تنساب يوميا عبر الأثير . وهي بمثابة التواشيح أو التسابيح التي تذكر الشعب بصفات معبودهم الذي هو روح الشعب في مصر و روح الأمة العربية . وهو يفهم في السياسة والإستراتيجية والدبلوماسية والإقتصاد والعسكرية والتاريخ وكل شئ . وأنه أكبر من الشعب وأكبر من الوطن لأنه الروح فيهما ، وهو إن مات أو قتل سيموت الشعب ويفنى الوطن . من أجل هذا تفزع الجماهير لموت هذا النوع من القادة ، وتملأ الشوارع بالملايين وتبكي من الأعماق ، تحت وهم أن الأب قد مات وأن موته يعني موت الأمة لأنه هو الروح فيها .

أقرأ أيضاً:

السيسي ورئيس وزراء اليونان يحذران من تدخل أطراف خارجية في ليبيا

ولهذا فإن حزن الجماهير لموت القادة الفاشيين الدجالين لا يعود لعشقهم للطاغية بل إلى برمجة عقولهم بالأوهام والأساطير حول البهلوان الذي يحكمها . ولنتأمل بعض النصوص التي تدعو لعبادة جمال عبد الناصر .

فقد كتب المعارض الليبرالي خالد محمد خالدإن هذا الرجل حدث تاريخي ضخم ، هو الإطار الحي للمرحلة العظمى في تطورنا ، إن الرجل الذي يتحدث الآن بإسم العرب هو جواز مرورهم إلى المستقبل ، وإسمه هو كلمة السر بينهم وبين التاريخ ..المفهوم التاريخي له أنه الخلاصة المركزة لخمسة آلاف عام بكل تجاربها“.

وفي أجواء 1956 أيضا كتبت الأخبار “هل هذا ممكن ؟ هل كان يخطر ببال أحد أن يخرج مصري من قرية بني مر ويهز العالم ، فتسرع الدول الكبرى لعقد الإجتماعات وتحشد الأساطيل وتجهز الجيوش ، وينطق بكلمة واحدة فتنهار أسهم البورصة في نيويورك ولندن وباريس . ويؤمم شركة مصرية فيقال أنه حكم على الإمبراطورية البريطانية بالإعدام ، وأنهى بجرة قلم إمبراطورية فرنسا وراء البحار . لا نظن أن مصريا رأى في المنام هذا الحلم ، لقد عشنا عشرات السنين نرى بلدنا يحكمها الأجنبي” .

كما قال هيكل “ناصر مثال للرجل الذي يؤمن بنفسه فيؤثر فيمن حوله وقد يمتد تأثيره ليشمل وطنه كله وقد يمتد إلى العالم الواسع” . وقال التابعي في 1958يقول : “إن عظمة عبد الناصر نابعة من نفسه وبصرف النظر تماما عن سلطته أو حتى بلده ، فهو رئيس دولة لا تزال معدودة من الدول الصغرى ، لكنه الرئيس ناصر كبير وعظيم لأنه هو نفسه كبير وعظيم“.

وفي 1964 تساءل التابعي :”ماذا كنا سنصبح عليه لو أن الله لم يبعث إلينا بهذا الرجل الذي رفع رؤوسنا في العالمين“. إكتمل بناء اللاهوت الناصري وأصبح جمال هو إبن الله ، وهو منحة من السماء لأهل مصر ليحررهم ثم يخلق فيهم العزة والكرامة ، ويقودهم إلى المجد ثم يحمل عنهم أوزارهم ليمهد لهم الطريق إلى الملكوت السماوي . ويعبر حسين الشافعي عن هذا فيقول في 1955:”الثورة نبتت ونضجت في قلب جمال عبد الناصر فكانت ثورة الملايين ، أيها السادة الله أعلم حيث يضع رسالته..فإنه تعالى هو من وضع أمانة هذا الوطن في عنق هذا الرجل“.

  • الزعيم الإله البطل ألغى الإنتخابات وإخترع الإستفتاء

وقد أستفتي على عبد الناصر ثلاث مرات وكانت النتيجة سنة 1956هي 99,9 % وعدد الرافضين 5000 ، وفي إستفتاء الوحدة مع سوريا 1957 إرتفعت النسبة إلى 99,99 وعدد الرافضين إنخفض إلى 247 صوت . وفي إستفتاء 1965 إرتفعت النسبة إلى 99,999 وإنخفض عدد الرافضين إلى 65 فردا لا غير . وحتى هذه الأعداد الضئيلة من المعارضين بررها على آمين فقال :”إنه تلقى عشرات الخطابات منهم موقعة بإمضاءاتهم وقالوا أن سبب تصويتهم بالرفض هو رغبتهم في إمتحان حرية الإستفتاء ونزاهته ، أو الرغبة في خلق معارضة تكون دليلا على ديمقراطية النظام ، فيما إعترف البعض له بأن حوادث شخصية هي التي أثرت في إختيارهم“. وفي جميع هذه الأحوال فإنها ليست معارضة سياسية ، وعن ال 65 فرد الرافضين في إستفتاء 1965 قال أحد الكتاب :”منهم من إنحرفت يده من غير قصد لحظة التصويت من الأحمر إلى الأسود ، ومنهم المصاب بعمى الألوان ، ومن أسيئ معاملته يوم الإستفتاء ، ومنهم من أراد أن يتأكد من حرية الإستفتاء ، رغم هذا شكرا لأنكم جعلتم للمعركة طعم ، ودعواتي من أجلكم أن يلهمكم الصواب دائما وخاصة بعد أن عفا الرئيس عنكم“.

أقرأ أيضاً:

السيسي بحديثه عن ليبيا يوجه رسالة لاردوغان

والنصوص كثيرة جدا نختمها بنص كتبه مصطفى محمود سنة 1960:”جمال عبد الناصر روح أكثر منه شخص لأنه يحتوي على معنى وجودنا كلنا ، على آمالنا وإرادتنا وقوتنا وحبنا ومستقبلنا . إنه نحن..نحن نتنفس من رئتيه ونرى من عينيه ونحس من قبله ونتكلم من لسانه ، ونطل من شرفات عقله على الدنيا . إنه كلمتنا وطريقنا ، إنه صبرنا..إنه زعيمنا..لأن فيه تتجسد قوانا الروحية جميعا..أنا أؤمن به..ومن خلاله أؤمن بالله ، أنا بعبد الناصر أشعر بأشرف ما في وجودي..روحي ، وأعلم واثقاً أن الغد لي ، فكما كانت الدولة حقيقة الفرد في فلسفة الحق عند هيجل ، كان عبد الناصر حقيقة المصري أو العربي” .

وهكذا دارت ماكينة الإعلام الأحادي بأقصى طاقتها لتصنع لعبد الناصر جانباً إلهياً سماوياً يحمل كل صفات الإله ، وتخفي الإنسان البشع حيث عبد الناصر الطاغية الجلاد الدموي .

وتجعل العلاقة بين ناصر والشعب علاقة العبد بسيده وخالقه ورازقه وحافظه ومولاه . وإستمرت إزدواجية اللاهوت والناسوت الناصري منذ 1956إلى أن أسقطت إسرائيل الجانب الإلهي عند جمال عبد الناصر بهزيمة 1967 المفجعة ، والتي أحدثت نفس تأثير عصا موسى فأسقطت الألوهية عن الفرعون . وهكذا فقد صنعت أمريكا الإله ناصر بتمكينه من توجيه الضربة القاضية لإمبراطوريتين منافستين ، وقتلت إسرائيل هذا الإله في 1967. وليس غريبا أن يشعر الجميع بأن ناصر قد مات في 1967 وتأجل دفنه حتى 28 سبتمبر 1970 . فقد كان هناك بالفعل شخصا مات وهو جمال الإله ، وتبقى للشعب إنسان بائس محطم ، لا يمتلك أي قدرات لا خارقة ولا عادية حتى . فقد كشفت الهزيمة حقيقة أن ناصر ليس رجل دولة يعتد به ، كما أنه سياسيي ضعيف حتى أنه يجتهد مع القاعدة ، وهو غير مسيطر على الجيش بسبب سياساته الخاطئة ، وضحى بجيش مصر مقابل إرضاء صديقه المشير عامر . ويتبع عواطفه في مواقف لا مجال فيها للعواطف .

و قتل الحياة السياسية وإنفرد بالبلاد ، لينفث فيها عقده وأمراضه النفسية. وطبعا وضح أن الحياة الوجدانية للسيد عبد الناصر أو الحمولة النفسية له ، أصغر من المنصب الذي آل إليه بقوة السلاح ، وهكذا أهدرت 18 سنة من عمر مصر لأن أحدهم ضل الطريق إلى مستشفى الأمراض النفسية، ووجد نفسه في قصر الحكم فتحول جنونه إلى أيديولوجية وفلسفة بل ودين للبلاد .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق