الليبرالية هي الطريق الأوحد للتحرر

الليبرالية مصطلح غربي معرب مشتق أصلا من كلمة “ليبيرتي” وتعني الحرية . والليبرالية مذهب فكري يركز على الحرية الفردية ويرى أن وظيفة الدولة هي حماية حريات المواطنين وملكياتهم الخاصة . ولهذا تسعى الليبرالية لوضع قيود على السلطة وتقليل دورها وتوسيع الحريات المدنية وإبعاد الحكومة عن السوق .

وقد برزت الليبرالية كمذهب سياسي أو فلسفة سياسية في عصر التنوير (القرن 17) . و دعت للحرية في كل مجالات الحياة سياسية وإقتصادية وإجتماعية . وتنادي الليبرالية بالمساواة التامة بين جميع أفراد المجتمع وفئاته وطبقاته . وترى أن الجميع متساوون وأن الرئيس أو الملك ليس أكثر ذكاء و لا وطنية من أبسط فرد في الشعب .

  • العدل بين الطبقات :

كما ترى أن الطبقة الحاكمة أي البرجوازية الكبيرة توجه الحكم لصالحها وتتجاهل مصالح باقي الطبقات . ومن ثم وجب اشتراك كل طبقات المجتمع في الحكم لترعى مصلحتها بنفسها . وهذا يستلزم أن يكون لكل طبقة تنظيمها السياسي الذي يخوض إنتخابات الرئاسة والبرلمان والمحافظين والمجالس المحلية . ويدفع بكوادره للمعترك السياسي لتكوين أجيال من القيادات السياسة القادرة والمحنكة . و من خلال نوابه يعارض الحزب القوانين التي تُحَمِل طبقته أعباء لا تحتملها . واذا كانت أغلبيته لا تسمح بإيقاف القانون الذي لا يناسبها فإن الحزب يدعو الطبقة التي يمثلها الى التظاهر والإضراب عن العمل . ويشرح لهم أخطار هذا القانون عليهم أي أن الحزب هنا هو القيادة السياسية للطبقة .

  • الأساس الفلسفي لليبرالية :

منذ ظهورها حظيت الليبرالية بتأييد الفلاسفة والإقتصاديين الغربيين . إذ رفضت المفاهيم الشائعة في ذلك الوقت مثل الحق الإلهي للملوك والملكية المطلقة . وتبلورت أفكارها كفلسفة على يد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في القرن 17 فقال أن لكل إنسان طبيعي الحق في الحياة والحرية والتملك . وأن الحكومات يتوجب عليها ألا تنتهك هذه الحقوق استنادا الى العقد الاجتماعي و دعا إلى تغيير الحكم الإستبدادي بحكومة ديمقراطية تمثل كافة شرائح المجتمع .

وقد تأكدت الفلسفة الليبرالية عندما تبنتها الثورة الأمريكية (1775) والثورة الفرنسية (1789) كنظرية للثورة . ولما إقتنعت الأغلبية بهذه الفلسفة نجحت الثورتين في الإطاحة بالحكم الإستبدادي . وبعد الثورة الفرنسية تحديدا انتشرت الليبرالية سريعا فشهد القرن التاسع عشر تأسيس حكومات ليبرالية في اوروبا و الأمريكتين . وفي القرن العشرين ظهر خصوم لليبرالية هم الفاشية والشيوعية والنازية . لكن الفكر الليبرالي استمر في الإنتشار وانتصر على كل خصومه في الحربين الإولى والثانية ثم في الحرب الباردة .

  • إتهام الليبرالية بالكفر :

كثيرا ما يبدو مصطلح الليبرالية غامضا وغير محدد و السبب هو تعدد الإتجاهات والتيارات الليبرالية . وهذا التعدد نتج عن عدم وجود مرجعية للفكر الليبرالي فهي لا تقدس أحد ولا تعين أحدا لتفسيرها أو للتحدث باسمها . خشية أن تتحول الى مذهب منغلق على نفسه وله مبادئ ثابته يلتزم بها الفرد وبهذا فلن تعد ليبرالية .

أقرأ أيضاً:

الأمم المتحدة ترد على تصريحات السيسي حول ليبيا

ومرجعية الليبرالية الوحيدة هي فقط القيم التي تنتصر للإنسان وتضمن له حريته وكرامته وفرديته . وهكذا تعددت الليبرالية بتعدد الليبراليين ومن حق الليبرالي أن يكون هو مرجع ليبراليته . وتاريخ الليبرالية حافل بالتجارب والإضافات دون إلزام أحد بإضافات أو بأفكار شخص أخر . وهناك اتجاهات ليبرالية إستعارت مبدأ العقلانية من مذاهب فكرية أخري . وتقصد به أن العقل يستطيع تنظيم حياة البشر دون حاجة الى الدين . وأضافت هذا الى ليبراليتها وأصبحت أحد الاتجاهات الليبرالية . والأصل أن الليبرالية لا تنص على الالحاد أو تشترطه لكنهم إستعاروه من مجمل الفكر الاوروبي المعاصر . والليبرالية تتيح للفرد حرية الفكر و العقيدة وهي لا تعبأ بسلوك الفرد طالما كان يخصه هو وفي إطار حرياته وحقوقه . أما أن يفرض على الإخرين آرائه أو دينه فالليبرالية ترفض هذا و بصرامة شديدة .

  • ثوابت الليبرالية :

هناك ثوابت لا يمكن إعتبار الفرد ليبراليا بدون الإيمان بها وهي : الحرية و الفردية . فجميع الليبراليين يشتركون في الإيمان بهذه القيم :

  • أولا – الحرية : وتعني أن الفرد حر في أفعاله وتصرفاته وليس لأحد أن يحد من حريته ولا حتى الدولة نفسها . وأن وظيفة الدولة هي حماية حريات الأفراد وصيانة الحقوق . وتأمين الفرد من التعرض لظلم أو اعتداء على حرياته أو على حقوقه الشخصية أو المالية . وهي تقيد السلطة والمسئولين بالمزيد من القيود حتى لا تطغي سلطة الدولة على كرامة الفرد وحريته ووجوده . وتتعدد الحريات الى حرية الرأي والفكر والعقيدة وحرية تكوين الجمعيات والاحزاب والاتحادات والنقابات وحرية السفر وحرية التجارة والأسواق الى أخر الحريات والحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
  • ثانيا – الفردية : كانت القرون الوسطى بإقتصادها الإقطاعي الطبقي قد مالت الى تغليب المجتمع والحكام والسلطات على الفرد . وجاءت الثورة الإنجليزية (1688) لترسخ في وعي الناس لأول مرة مفهوم الحرية . وإصدرت إعلان الحقوق (1689) الذي يعد بمثابة الانتقال من العصور الوسطى الى العصور الحديثة . وبعدها بقرن أسقطت الثورة الفرنسية تقسيم المجتمع الى طبقات يعلوها الإقطاع ثم الكهنة ثم رجال الكنيسة فيما يقبع باقي الشعب في طبقة مسحوقة . وألغت الثورة أي إمتياز كانت تتمتع به هذه الطبقات وأصبح نيل الحقوق مرتبط بالعمل وبذل الجهد .

وأصبحت قيمة الإنسان تكمن في ميزاته الشخصية ومدى قدرته على النجاح والتفوق في مجال من المجالات . وفي عصر النهضة كان يقصد بالفردية الأنانية وحب الذات . إلا أن هذا المفهوم تغير في القرن العشرين ليصبح هو استقلال الفرد من خلال العمل والإعتماد على النفس . ومن هنا تجد أبناء المليونيرات في المجتمعات الغربية يعملون في محطات بنزين أو كجليسة أطفال أو غيره . ويثبت الشاب بهذا أنه مستقل عن أبيه وأنه جدير بالحرية وأن وجوده ليس معلقا على وجود أبيه .

وترى الليبرالية أن الفرد هو الوجود الحقيقي والفعلي للإنسان . وهو المعني بالأديان والفلسفات وتتمحور حوله الحياة بأكملها . ومن حقه أن يعيش كما يشاء ووفق قناعاته هو لا قناعات الأخرين . ومن هنا فجوهر الليبرالية هو حق الفرد في أن يحيا حرا كامل الإختيار. وهذا يستوجب التعايش مع الأخر المختلف معه وقبول الإختلاف . وفي النهاية فإن الليبرالية تقوم على الايمان بالفرد وتهدف لضمان حريته الفكرية . وإحترام كرامته وضمان حقه في الحياة وسائر حقوقه كما تشترط المساواة أمام القانون .

  • الدولة الليبرالية :

تقف على الحياد أمام جميع أطياف الشعب وطبقاته . وتمتنع عن التدخل في العلاقات الإجتماعية أو النشاط الفردي أو القضاء أو الرياضه أو الفنون والآداب أو الدين أو الاقتصاد إلا في حالة الإخلال بمصالح الفرد . فالدولة لا عمل لها إلا الأمن والعدالة والدفاع و ضمان حريات الأفراد .

أقرأ أيضاً:

مصادر: مساعٍ مصرية للتقارب مع "الوفاق" الليبية

والمسئولين مجرد موظفين وغير مسموح لأحد بأن يخلع عليهم صفات القداسة أو التأليه .

*والجانب السياسي من النظرية الليبرالية يشترط أن تتكون الدولة وفق إرادة الشعب . لأن رضاء المحكوم بالحاكم هو مصدر شرعية الحكم . وإقترح الفلاسفة توماس هوبز و جون لوك وجان جاك روسو وعمانويل كانط نظرية العقد الاجتماعي وهي تفترض أن هناك عقدا بين الحاكم والمحكوم و أن رضاء المحكوم هو مبرر سلطة الحاكم . وهذا الرضاء يعبر عنه الفرد في إقتراع عام يمارس فيه سيادته فيعين هذا رئيسا و ذاك محافظا أو نائبا في البرلمان . ويكلفهم بالعمل لخدمته وتحت إمرته و رقابته ووفق الشروط التي يضعها والمدة التي يحددها لهم . ويمكن للأقلية التي لا ترضى بإختيار الأغلبية أن تعارض كما تشاء . وواضح طبعا أنه بدون وجود الحريات لا يتصور وجود المعارضة . والفكر الليبرالي فرض على النظرية الديمقراطية ألا تضحي بالأقلية وإلا أصبحت ديمقراطية غير ليبرالية . فالليبرالية تهتم بالأقليات وتسمح لهم بالتعبير عن آرائهم وعقائدهم .

وعبر اربعة قرون من التطور والنضال نجحت الليبرالية في تحرير الإنسان من بطش السلطة و ضغوط المجتمع .

أما الجانب الإقتصادي من الليبرالية فهو حرية التجارة والإسواق وهو ما يعرف بالإقتصاد الحر أو إقتصاد السوق . والإقتصاد الحر يعني أن الدولة لا تتدخل فيه وتترك السوق يضبط نفسه بنفسه . وأن الدولة لا ينبغي لها أبدا أن تقوم بأي نشاط إقتصادي يستطيع فرد أو جماعة القيام به .

ويأتي الجانب الإجتماعي لليبرالية فيسمح للدولة بالتدخل في الاقتصاد لحماية الفقراء ولضمان العدل بين الطبقات . ويسمى هذا الاقتصاد “إقتصاد السوق الإجتماعي” وهو يتخذ موقفا وسطا بين الرأسمالية والإشتراكية . كما تهتم الليبرالية بضمان التعليم والعلاج و تأهيل الناس للعمل وتقديم الخدمات الإجتماعية لهم .

  • الليبرالية والدين :

كما ترون فلا يوجد أي تعارض بين الليبرالية والدين الإسلامي . وليس هناك ما يمنع من إقامة ليبرالية إسلامية تمنع استغلال الدين في السياسة. وإتخاذه مطية للسياسيين سواء في الحكم أو في المعارضة . وتدعو للفصل بين علماء الدين والدين نفسه وترفض التفسيرات القديمة . وتطالب بتفسيره الأن بإعتباره صالحا لكل الأزمنة . وبعد تنقية الإسلام مما أقحم عليه من فتاوى وأراء بشرية ستجد أنه دين يحترم الحرية والفردية .

أقرأ أيضاً:

بعد السيسي ماكرون يهدد بتدخل بليبيا.. من يقود الصراع؟

ويحمي الأقليات والضعفاء ويحض على تحرير العبيد ويجعل تحريرهم عبادة نتقرب بها الى الله تعالى . كما يضمن حرية الرأي والتعبير ومعارضة الحاكم إذا خالف الشرع أو العرف أو مصلحة البلاد والعباد . كما يفرض الاسلام العدل ويجعله أساس الملك ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط والدين أنزل أساسا للفرد فهو وحده الذي له وجود حقيقي وليس مجازي مثل المجتمع.

  • الليبرالية هي النظرية الوحيدة للثورة :

وختاما فالليبرالية هي النظرية الوحيدة التي تصلح لإنجاز الثورة المصرية والثورات العربية بعامة . وهي العلاج الأوحد لمجتمعاتنا العربية حيث تقبل الليبرالية بالتعددية . تعدد الأديان والمذاهب والأعراق وهي لا تجبر الفرد أو المجتمع على إعتناق دين أو مذهب أو رأي . والفكر الليبرالي ليس غريبا على مصر فهي تعرفه منذ القرن 19 بفضل جهود الشيخ رفاعه الطهطاوي . حيث نقل الفكر الإجتماعي والسياسي الفرنسي في عدة مؤلفات . كما ترجم الدستور الفرنسي ووثيقة حقوق الإنسان وكتاب روح القوانين لمونتسكيو والعقد الإجتماعي لروسو وغيرها من الكتب التي تبشر بالقيم والمبادئ الليبرالية . وقد واصل علي مبارك جهود رفاعة الطهطاوي وساهم في تأسيس التعليم المدني الموازي للتعليم الأزهري . كما قام جمال الدين الأفغاني بدور ليبرالي في مصر حيث تبنى الدعوة الى الحرية . وطالب بوضع دستور للبلاد ومكافحة الاستبداد ومقاومة الإستعمار . وإستمرت حركة الإصلاح على يد الشيخ محمد عبده حيث دعا الى التوفيق بين الإسلام والمدنية الحديثة . وعبد الرحمن الكواكبي الذي كشف مخاطر الاستبداد وبين أنه يؤدي لإستعباد الأمة . وإعتبر الإستبداد سبب تخلف الأمة ودافع عن الحرية والعدالة والمساواة . ثم كان تلميذه قاسم آمين الذي دعا إلى تحرير المرأة . ويعد طه حسين من أبرز دعاة الليبرالية والتحديث في هذه الفترة . فقد سخر كل جهوده الفكرية والإدبية والسياسية والأكاديمية لخدمة الفكر الليبرالي الذي آمن به .

أما عباس محمود العقاد فقد آمن بالديمقراطية الليبرالية ودافع عن الحرية وتصدي للفكر الإشتراكي والشيوعي . وكان وفديا وأثرى الصحف الوفدية حيث كان يكتب مقالها الإفتتاحي.

وقد أثمرت الجهود الفكرية اللبرالية في القرن 19 في ظهور 3 أحزاب سياسية هي : الحزب الديمقراطي المصري (1919:1922) – حزب الأحرار الدستوريين (1922:1953) – و حزب الوفد وجميعها كانت تتبنى الفكر الليبرالي.

الى أن جاء الجيش فأنهي كل هذا وقتل الحياة السياسية وأغلق صحف المعارضة وكمم الأفواه.

ووضع في كل قسم شرطة فلكة وكرباج سوداني لجلد المواطن على قدميه وهو مصلوبا رأسا لقدم.

ولن يخلصنا من هذه العبودية التي علقنا فيها إلا العودة الى الديمقراطية والدولة الليبرالية . 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق