“المسؤول الشريف”

المسؤول الشريف

إذا أردْتَ أن تأخذ حِكَمَاً وطنيّةً وإنسانيّةً تنير لك الدروب في حياتك القادمة؛ بعيداً عن الوضاعة والعتمة ووسخ المظاهر وتفاهة الدنيا الملطّخة بالمادّية؛ فاقصد إنساناً كهلاً متقاعداً كان مسؤولاً شريفاً ويجلس على عرش إحدى الوظائف في شركة أو مؤسّسةٍ حكوميّة مدنيّة كانت أو عسكريّة، وكان يأبى أن يختلس أو ينهب أو يرتشي وكان يرفض العزائم والولائم، التي تسبح فيها طيّبات الطعام الاستعراضيّ في بحر من خمور الويسكي والشمبانيا، وكان يأبى الغنائم الثريّة والهدايا الفخمة.

فلم يكن يوقّع وهو المسؤول إلّا ماكان يمليه عليه ضميره، ولايخالف قوانين دولته الحبيبة التي يعتبرها بمثابة أمّه الكريمة التي أنجبته، ولايجوز أن يخونها أو ينهرها او يقول لها أفٍّ، ولا يسمح لكائن بشريّ ومهما نفشَ ريش غروره الطاووسيّ أن يلحق بها الأذى.

ستلتقي به إن بحثت عنه في بيته المتواضع في قريةٍ علّمَهُ، ترابُها الكرمَ والطهارةَ والصدقَ وإراقة الدماء المقدّسة من أجل الذود عن الوطن والحقّ، أو في في حارةٍ شعبيّةٍ لاتتّسعُ شوارُعها الكريمةُ المُهمَلةُ إلّا للناس الطيّبين، وقد تزيّنت جدرانُ منازلها ومتاجرها بصور الشهداء وأسمائهم المرصّعة بالكبرياء.

ستلتقي به في منزله الذي يفوح منه عبير البساطة والتواضع والحبّ وهو باسم المحيّا ومقلتاه تشتعلان أملاً وإيماناً بالحقّ ثمّ يسخو من أجل ضيافتك بكلمات التودّد والاستقبال اللائق بعيداً عن طقوس المجاملات التي لم يتعوّدها وهو يقدّم لك مايحويه مطبخه العاشق للضيوف من طعام يتناسب وراتبه التقاعديّ الذي يستره من برغل ومكدوس وزيتون وسلطة… ومن شرابٍ تتصدّره المتّة أو القهوة أو الشاي أو الزهورات البريّة.

ستلتقي به أيّها الباحثُ عنه وعكّازه يصادقه إلى جانب نظّارته الأصيلة وبعض الكتب والأوراق و علبِ دواءٍ كرتونيّة لعلاجه من السكريّ أو الضغط أو التهاب المفاصل أو الجلطة، وسيحدّثك عن أصحابه الماكرين الذين هجروه بعد أن تقاعد وهبط من كرسيّه المسؤول إلى حارته الشعبيّة، أو قريته الجميلة الوادعة، ومحَوا رقم هاتفه من دفاترهم الانتهازيّة ودهنوا زجاج سيّاراتهم بالأسود حتّى لا يراهم وهم يرشقونه، وهو ماشٍ على الطريق بنظراتهم المُستخفَّة الساخرة.

سيحدّثك عن صبره على الآلام وهو يرتشفها- راضياً سعيداً -بنكهة الشرف والوفاء ؛وعن القناعة التي يتلذّذ بطعمها وهي ممزوجة باللقمة الحلال؛ سيحدّثك عن أمثاله الغيارى على الوطن وقد داسوا بأقدامهم الصلبة رؤوس ثعابين الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة و أحرقوا كتب التاريخ الكاذب المشوّه؛ سيحدّثك عن قمح سوريّة الذي لا يُهزَم؛ سيحدّثك عن بيادر عرق الشرفاء وعن بيّارات دمائهم المقدّسة.

سيحدّثك عن زيتون سوريّة المقاوم وعن غارها المنتصر.

منتجب علي سلامي

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق