المستقبل سبق حزب الله بأشواط.. وحالة إحباط يشعر بها التيار الأزرق

ميسم رزق –

قبل حرب تموز 2006، كان يُمكن تيار المستقبل أن يُهاجم حزب الله ضمناً، وأن يتهمه باغتيال الرئيس رفيق الحريري من دون أن يُسمّيه. كان يمكن نواباً ووزراء وشخصيات مطبوعين بختم أزرق أن يستعينوا بأصدقاء غربيين. يشكون «همّهم» سراً. أما بعد العدوان، فلم يعُد للتيار أصابع يختبئ خلفها. رفعها جميعها في خدمة مشروع استهداف المقاومة التي لم يبلعها يوماً.

على ضفاف الأزمة السورية، وقف تيار المستقبل لاصطياد ما يُمكن من جثث أعدائه فوق نهر الدم الجاري. لا شك في أن من تابعه منذ حرب تموز، لا تزال في ذهنه صورة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مستقبلاً وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، يقبّلها بحرارة المشتاق، بالتزامن مع سقوط قنابل الموت الأميركية الذكية فوق رؤوس المدنيين اللبنانيين. لم يُغيّر السنيورة ثوبه. العداء للمقاومة مبدأ ثابت. منذ اندلاع الأزمة السورية، يُطالب بصفته رافعة تيار المستقبل الأساسية وفريق الرابع عشر من آذار  (من تبقى منهم) في ظل غياب الرئيس سعد الحريري، المسؤولين في لبنان بالنأي بأنفسهم عما يحصل، في وقت لم يسحب فيه تياره يده من وحول سوريا. كان التيار أول من زجّ بنفسه في قلب الأحداث، مشاركاً فيها بالدعم «اللوجستي».سبق حزب الله بأشواط، بتدخله العسكري الذي بقي سراً، قبل أن تبدأ الصحف الأجنبية بكشف المستور (لوفيغارو، واشنطن بوست، نيويروك تايمز وغيرها من الصحف الأجنبية التي تحدّثت عن تورط «رجل سعد الحريري» النائب عقاب صقر بتسليح مجموعات من المعارضة السورية).

لكن الشيخ سعد الحريري أصرّ، إعلامياً، على أن هذا الدعم يقتصر على الحليب والبطانيات. رغم ذلك، وبعد مصارحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الجمهور بشأن مشاركة عناصر من الحزب في القتال، لا يوفّر نواب المستقبل ومسؤولوه يوماً إلا سخّروه للهجوم على المقاومة التي «تغامر» في الداخل السوري. يتجاهلون سبقهم في الميدان، وأن الفارق الوحيد بينهم وبين خصمهم يكمن في أن تدخّل حزب الله فعال إلى جانب الجيش السوري، فيما لم تُتَرجَم «هوبرة» الحريري سوى مزيد من المشاكل بين الجماعات التي كان على تواصل دائم معها.

أقرأ أيضاً:

  بري يرفع الصوت: لم تعد الأسماء تهمني… ونور أبكتني

يسير تيار الحريري على موجة الدول الخليجية. يضبط نفَسَه على إيقاعها. يدين أي نوع من التدخل الخارجي في الأزمة السورية، لكنه يدعم المعارضة. يرفض قتال حزب الله في مدينة القصير وغيرها، وبعض نوابه يؤمنون الغطاء للمسلحين العابرين للحدود من لبنان إلى سوريا. يتهم الحزب بأنه ينقل التوتر إلى الساحة اللبنانية ولا يتوانى عن تغطية المسلحين الذين قتلوا الجيش في عرسال، والمنتشرين في شوارع طرابلس منذ توقيف شادي المولوي. ومع كل تقدّم للجيش السوري (بمشاركة الحزب أو من دونها) في الميدان السوري، يفقد تيار المستقبل السيطرة على نفسه. لا يخفي أحد نواب المستقبل «الإحباط الذي أصاب التيار ومختلف مكونات فريق الرابع عشر من آذار، بعد سقوط مدينة القصير». إحباط شبيه بذلك الذي ظهر عام 2006، بعدما وضعت حرب تموز أوزارها.

في تيار المستقبل من يناور. يهاجم حزب الله من منطلق حرصه على شباب المقاومة الذين يسقطون في أرض غير «أرض المعركة الحقيقية». وكأنّ تيار المستقبل كان أول من دافع عن مقاومة حزب الله في أرضه للعدو الإسرائيلي. يحاول الحريريون إيهام الناس بأنهم كانوا في تموز وآب 2006 يقفون جنباً إلى جنب مع رجال حزب الله لصد الغزو الإسرائيلي للجنوب. وكأن سعد الحريري ورجاله لم يروا في تلك الحرب فرصة لطعن حزب الله في الظهر، أو على الأقل، لانتظاره «على الكوع». كان ورثة رفيق الحريري السياسيون، في تيار المستقبل وفي صفوف حلفائه، يطوفون بلاد العالم ليحمّلوا المقاومة مسؤولية العدوان. هل من يصدّق أن في التيار من يحرص على حياة المقاومين في الحزب؟

هل قدّم أحد نوابه أو مسؤوليه اقتراحاً طالب فيه بإقامة نصب تذكاري للشهداء اللبنانيين الذين قاتلوا الجيش الإسرائيلي عام 2006 فوق الأراضي اللبنانية؟ يتصرّف المستقبل اليوم كما لو أنه لم يترك شارعاً إلا أعطاه اسماً من أسماء شهداء الدفاع عن أرض الجنوب. هل تُنسى وثائق ويكيليكس التي كشفت كيف عمل عدد من الشخصيات المستقبلية، وبعض حلفائهم في 14 آذار، في الخفاء ضد المقاومة؟ المطالبة بإطالة أمد العدوان الإسرائيلي حتى «تدمير حزب الله» تكاد تكون المشترك الوحيد بين أركان فريق «السيادة والاستقلال».

أقرأ أيضاً:

  سعيٌ باريسي، تسويق روسي، "لاءات" حزب الله والقبول الأميركي، وعسكرة الحكومة بلا الحريري

يجافي معظم المستقبليين الحقيقة عندما يوهمون الجمهور بأنهم أيّدوا المقاومة سابقاً، وأنهم تخلوا عن هذا التأييد بعد أحداث 7 أيار 2008. يحاولون طمس حقيقة أن ما غيّر نظرتهم هو رفع السيف السوري عن رقابهم عام 2005. ففي زمن «الاستقلال»، لم يُسمَع موقف مستقبليّ واحد مؤيد للمقاومة، حتى عندما كان المقاومون يمنعون جيش الاحتلال من الوصول إلى نهر الليطاني في آب 2006. الأمر لا يرتبط بـ7 أيار، ولا بحرب تموز. العداء للمقاومة اللبنانية منذ عام 2005 هو مبدأ ثابت. يعيش التيار، سياسياً، على جدول أعمال مؤلف من بند وحيد: تجريد المقاومة من سلاحها، لتحقيق الهدف الرئيسي «للبنان وإسرائيل»، الذي كشف عنه السنيورة يوماً في إحدى وثائق الخارجية الأميركية، وهو «أمن إسرئيل، وسلام لبنان الذي لا يُمكن أن يحدث الا بتحول حزب الله إلى تنظيم غير مسلّح». بعد عام 2006، أنشأ سعد الحريري ميليشيا في بيروت وبعض المناطق، لمواجهة المقاومين الذين يدّعي اليوم الحرص على حياتهم. فشل مشروعه، فخرج ليقول إن المقاومين لم يعودوا مقاومين. واليوم، بدلاً من الميليشيا المسلحة، انتقل إلى العتاد المذهبي، في لعبة تأمين الغطاء السياسي للجماعات المتطرفة التي يقول بعض العقلاء في تياره إنها لن «تأكل أحداً قبلنا».

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق