المشروع المقاوم ومشاريع الصّهينة…!

 تشهد الساحات العربية تطورات كثيرة، لعل من بينها غياب الحديث إلى حد كبير في الشارع، وفي المكتبات، وفي الإعلام، وفي مؤسسات العمل العربي المشترك عن الخطر الصهيوني على الواقع والمستقبل العربي، وغابت معه بعض المفردات مثل: العروبة ـ التضامن العربي ـ الوحدة ـ القومية العربية… العلمية والعلمانية… ليحل محلها ألفاظ ومفردات البترودولار، لتتسع على مستوى السطح مقابل ثقافة المقاومة ، فاستمرأتِ العقول والألسن تلك المفردات التي كانت بغيضة.

ونحن نسمع، ونقرأ اليوم ما يقوله الباحثون والساسة الصهاينة، وينشرونه على المستويات الإقليمية والدولية من أن ”الواقع الراهن أثبت أنّ مشاكل التوتر المستمرة في المنطقة ليس سببها الكيان الصهيوني، فهناك مشاكل متجذرة تاريخياً وجغرافياً فيها… وفي هذا السياق فالإسرائيليون جاهزون للإسهام في حلها ولاسيّما الناجم منها عن الطائفية والمذهبية والعرقية، بخاصة إذا امتدت اليد العربية لطلب العون والمساعدة والاستشارة”!

ويثور في وجهنا السؤال هل نتهم أمتنا باللاعقل، أوباللاحكمة، أو باللاعزم؟ ومآل ما نذهب إليه يحيلنا إلى وقفة عقلية راشدة تُفصح عن طبيعتنا وذهنية التصور الذاتي، والموضوعي التي نمتلكها، أو تكتنفنا بإرادات خارجة عن قدراتنا. ومدار الإحالة الواجبة يضعنا أمام إعادة النظر في مذاهبنا في السياسة، والتفريق بين متلازمات هذه القضية، وبين المشاريع المذهبية التي يعمل عليها عدوُّنا من كل اتجاه، وفي كل أسلوب غاشم.

 فالتحديات التي تواجهنا كما يحدّدها لنا عدوّنا الأمروصهيوأوروبي ليست الظاهرة الاحتلالية لأرضنا في فلسطين، والأردن، وسورية، ولبنان… وليست من المشروع الصهيوني الاحتلالي الاستيطاني، التهويدي، العنصري بل هي من قيام الشيعة فينا بتبنّي فكرة المقاومة و المقاومة من أجل تحرير الأرض، وعدم الإذعان للشروط الصهيوأميركية والاستسلام، وتوقيع صكوك التنازل عن الحقوق التاريخية، والقبول بالاندراج في الخارطة الجديدة الكانتونية المرسومة لبلادنا.‏

منذ لاءات جمال عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم عام 1967 (لا للصلح، لا للاعتراف، لا للمفاوضات) التي حكمت الرؤية العربية الدقيقة للصراع العربي الصهيوني عربياً ودولياً، والأمة العربية منكوبة بأنظمة التبعية المرتبطة بالتحالف الإمبريالي الصهيوني، سياسياً واقتصادياً، وهي، هذه الأنظمة، تبدي كل الاستعداد لتمرير سايكس بيكو جديد، يقسم المقسم، ويجزئ المجزأ، تمهيداً لإقامة ”الدولة اليهودية” على كامل الأرض الفلسطينية، وعلى حساب الشعب العربي، وفي الطليعة الشعب العربي الفلسطيني.

أقرأ أيضاً:

  سرايا القدس تدخل صاروخاً جديداً في الخدمة: أربكنا حسابات العدو خلال المعركة

 كانت هذه الأنظمة المعلبة المصنعة، في الماضي القريب، خائفة من المد القومي العربي، تنفذ مؤامرتها، وتبني علاقاتها مع الكيان الصهيوني في إطار الكتمان  وبوساطة عواصم الغرب الإمبريالي، وبشكل غير مباشر. أما اليوم وبعد تراجع العمل القومي العربي، فقد بدت واضحة بارتباطها وتآمرها العلني، تبث سمومها من عواصمها مباشرة، وبعد احتضان اجتماعات معادية ومؤلمة، تذكر الشعب العربي بضياع حقوقه المشروعة من المحيط إلى الخليج.

إنها، وهي تفعل ذلك، تدبر الجوع والفقر والقمع والقتل والتدمير، وتضع الثروات العربية بتصرف المشاريع الأمريكية الصهيونية، ليس في المنطقة العربية فقط، وإنما على صعيد العالم، لتساهم الأموال العربية ليس في إقامة الدولة اليهودية، وإضاعة الحق العربي في فلسطين والأجزاء العربية المغتصبة فحسب، وإنما في فرض هذه المشاريع على شعوب أخرى في يوغسلافيا والشيشان وأوكرانيا، ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وفي دعم الحركات الفاشية في أوروبا وأمريكا، وفي كل أنحاء العالم.

لقد أثمر المال العربي في كل أنحاء المعمورة إلا في الوطن العربي، وللدقة إذا كان قد أثمر ففي تجزئة الوطن العربي وتقسيمه، وفي وأد الطموحات العربية. ولقد بلغ استخدام هذه الأموال الذروة في التآمر على العرب بدعم ما يسمى بـ ”الربيع العربي” من أجل تطويعه لصالح المشروع الإمبريالي الصهيوني، كي تدمر الأمة العربية وتبقى حقوقها في حالة من الضياع.

وهم يحاولون، اليوم، تطويع سورية، بواسطة إرهابهم، وعبر الضغوط على أمريكا ودول الغرب لاستخدام الحلول العسكرية في مواجهتها، ومن خلال التدخل التركي في الشمال السوري، والتدخل الإسرائيلي في جنوبه، وبما يوحي أنه الرد على الانتصارات التي حققها شعب سورية وجيشها في كل معركة تخاض على امتداد الأرض السورية. إنهم يحاولون تنفيذ مخطط تقسيم سورية كحاجة إسرائيلية، من خلال تعميق خطوط المعاداة بين أطياف الشعب السوري، وانتماءاته الوطنية والقومية، ومن خلال تهميش أي دور عربي، أو إقليمي، أو دولي صديق يساعد في الحل السياسي للأزمة السورية.

أقرأ أيضاً:

  اللجنة الدستورية السورية مُنعطف سياسي بأجندات دولية

لقد أفسدت هذه الأنظمة العلاقات العربية العربية، وشجعت علاقات التبعية لتصبح المصالح العربية المشتركة مصالح متباعدة، أفقدت الأمة العربية تضامنها وتعاونها، وهو ما يلاحظ على كل صعيد من خلال التدخل الأجنبي ونهب الثروات العربية، المستخدمة في ترميم الأزمات الامبريالية الصهيونية الاقتصادية المتفجرة،  يجري كل ذلك من أجل إبقاء العلاقات العربية العربية متفككة، وبعيدة عن ترميم دورها المتراجع على كل مستوى، وفي الطليعة المستوى الفلسطيني. تراجع لم يتوقف عبر تاريخهم الأسود، بل زادت وتيرته عندما استخدم أموال النفط العربي المسيطر عليه من قبلهم لتمويل الإرهاب، المسبب للنزاعات والاضطرابات المذهبية والطائفية، والمستخدم كسلاح لزرع الموت والدمار في كل أنحاء الوطن العرب.

لقد تنكرت أنظمة التخلف والتبعية لكل الروابط العربية المشتركة، وللمخزون العاطفي الذي يربط العرب عبر التاريخ. وفي حال تمكنت هذه الأنظمة وأسيادها من محور المقاومة ، ونعتقد جازمين أنها لن تتمكن، سيفعل الصهاينة أكثر مما فعلوا في الأمة العربية، تقسيماً ومجازر وتخريباً، في جسد الشعب العربي، ولا يخفى على عاقل أنه منذ قيام الدولة ”الوهابية” وغيرها من المسميات العربية اللفظية المستعدة للاعتراف بقيام الدولة اليهودية، والأمة العربية تغرق في ظلام دامس، زادته مخلفات ”الربيع الأسود” الذي يعكر الأجواء العربية ويذهب بمقدراتها نحو الضياع.

 إذاً في مفاهيم الأمروصهيوني، ومصطلحاتهم ليس لنا نحن العرب إلا هوية واحدة فقط هي هوية التابع المطيع الذي يُؤمَر وينفذ دون أي إحساس قومي، أو شعور سيادي باعتبارنا خُلقنا لخدمة الصهيونية القطرية والقطرية المتصهينة وحسب. هذه هي هويتنا في مفاهيم أعدائنا، ولكي نبرهن على مقولتنا، نقدّم صورة الرفض الإسرائيلي للمصالحة الفلسطينية وكيف قال نتنياهو في تصريح سابق، وبوقاحة منقطعة النظير للرئيس الفلسطيني: ”مزّق الاتفاق واعترف بالدولة اليهودية ومن ثم تحدث معنا عن التفاوض”…

أقرأ أيضاً:

  الحضور الأميركي في «الشرق الأوسط»... قوة الردع المتغيّرة

إذاً المصالحة والتصالح العربي و المقاومة وحق العرب في تحرير أراضيهم، وحقهم في الحرية والدولة التنموية، والإنسانية، كلُّ هذه المفاهيم غير موجودة في القاموس الصهيوني، وتتعهد أميركا وأوروبا بتنفيذ هذه المنهجية عبر أدوات الخيانة عند العرب من بعض الملوك والأمراء والأجراء. ومن عجب العجاب أنه حين تُفتضَح سياسة للحلف الأمروصهيوني لا يستطيع أن يستنكرها أجراؤهم عند العرب بل ستكون مهمة الأجراء تسويغ السياسة الأمروصهيونية. ولو أردنا أن نقدم الأمثلة على عمالة بعض العملاء العرب لوجدنا الكثير منها منذ أن كانوا يتعاونون مع شاه إيران الشيعي لأنه نصير لإسرائيل، إلى رفضهم للثورة الإسلامية في إيران لأنها لم تناصر إسرائيل. وما تزال ـ حتى اليوم ـ أدوات الخيانة تواصل تآمرها…

ويكاد يكون تاريخ العرب منذ سقوط الدولة الإسلامية العربية في 1258 حتى اليوم هو تاريخ الصراع المتواصل مع الاستعمار الإمبريالي بتجلياته، واستهدافاته المختلفة. وما جمعته الأجيال المتعاقبة من خبرات من المفترض أن تكون بوصلتهُ في العقل العربي لا تخطئ التأويل، والتحليل، وتركيب المواقف المطلوبة. أما أن نجد العقل العربي وكأنه لم يخزّن شيئاً من خبرات تاريخه حتى يفيد من عدم تكرار الحدث الاستعماري بأشكاله، وصوره التي عُرفت فإن الموقف والحالة هذه يستدعي المزيد من لحظات التأمل والتبصّرِ.

واليوم نلمح في الواقع، وفي الأفق يقظة الشارع العربي، ونهضة العقل والوعي، ويتيقن المتابع من بروز مؤشرات وعي إيجابية في الشارع العربي والإسلامي، وعند أحرار العالم، منها أن محور المقاومة الذي طالما سدد ضرباتٍ موجعة للمشروع الصهيوني، هو قادر اليوم على تسديد الضربات نفسها للمشروع الإرهابي التكفيري. ومنها أن هذا المحور قادر على تصحيح الانحراف المقصود في مسار الصراع من عربي صهيوني، إلى عربي عربي.

بواسطة
مصطفى قطبي
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock