المهدي المُنْتَظَرُ بينَ إِشْكالِيَّةِ الوِلادَةِ وَإِشكالِيَّةِ الوُجودِ

القَضِيَّةُ المَهْدَوِيَّةُ قَضِيَّةٌ إِنسانِيَّةٌ حَظِيَتْ بإجماعٍ بَشّرِيٍّ لَمْ تحظَ بهِ أَيَّةُ قَضِيَّةٍ أُخرى ؛ فهناك تَطَلُّعٌ إِنسانِيٌّ نحوَ فكرةِ الخلاص . هذهِ القَضِيّةُ التي حَظِيَت بهذا الاجماعِ البَشَرِيِّ شّكَّكَ بها البعضُ مِنْ خِلالِ إِثارةِ بعضِ الشُبُهاتِ حولَ ولادةِ هذا المنقذِ الذي بَشَرت بهِ رسالاتُ السماء ، وبَشَّرَ بهِ نبيُّ الاسلامِ بأحاديثَ مُتَواترةٍ بلغت مايقارب ستة الاف حديثٍ رواها المُسلمونَ على إِختلافِ مذاهبهم في الصحاح والمسانيد .

ولادة الإمام المهدي (عج)
في ذكرى ولادة منقذ البشرية الإمام المهدي المنتظر (عج)

  • مُقاربةُ الوُجودِ ومُقاربَةُ الولادةِ

هل علينا أنْ نَنطَلِقَ من مُقاربةِ الولادةِ لنفي وجودِ شخصٍ أمْ نَنْطلِقَ من وُجودهِ لتكونَ ولادتهُ تحصيل حاصلٍ .المشككونَ في وجودِ شخصياتٍ تأريخيَّةٍ إِنطَلَقوا من مُقارَبَةِ الولادةِ لنفي الوجود التأريخيِّ لشخصيات كان لها دورُها وحضورها في التأريخ .

النبيُّ موسى عليه السلام أُحيطت ولادتُهُ بغموضٍ وخفاءٍ وسريةٍ وكتمانٍ . المُشَكِّكُونَ نَفوا وجودَ النبيِّ موسى التاريخيِّ ، ودورهُ في احداثِ التأريخ وَبالخُصوصٍ دورهُ في إِنقاذِ بني اسرائيل لانظلاقهم من الولادةِ وَغُموضها.ولكنّهم لو انطلقوا من وجود موسى عليه السلام ودورهِ في صنعِ التاريخِ وانقاذِ بني اسرائيل ؛ لكانت ولادتُهُ تحصيلَ حاصلٍ.

فرعونُ إِنطَلَقَ من مُقاربةِ وجودِ موسى السابقِ على ولادتهِ ؛ لانه أُخبرَ ان موسى (ع) يُمَثِّلُ تهديداً وجودياً له ولسلطانِهِ ؛ فَأَمَرَ فرعونُ بقتلِ كل مولودٍ ذكرٍ يُولَدُ في بني اسرائيل. كان موسى عليه السلام موعوداَ مُنْتَظَراً ومُخَلِصاً لبني اسرائيلَ ، و المهديُّ المُنتَظرُ كانَ موعوداَ مُنتَظَراً لخلاصٍ العالَمِ كلّهِ . فهو شبيهُ موسى في كونه منتظراً مُخَلِصاً ، وكلاهما قد خفيت ولادتهما نتيجة الظروف الصعبة التي مرَّ بها كلا المنقذَينِ.

العباسيون فعلوا مع الامام المهدي وبيتِ الامام العسكري مثلما فعل فرعونُ وزبانيتُهُ مع النبيِّ موسى عليه السلام فقد تَعَرَضَ بيتُ الامام الحسن العسكري للكبسٍ والحصارِ والتفتيش مراتٍ عديدةٍ؛ لانَ العباسيين انطلقوا من مقاربة الوجودِ الذي تحدثت عنه الروايات عن النبي صلى الله عليه واله والائمة الطاهرين .

  • القرانُ الكريمُ وولادة النبيَّ موسى (ع)

الاجواء المشحونةُ بالارهابِ والقهرٍ وتذبيحِ الابناءِ واستحياء النساء التي احاطت بولادةِ منقذِ بني سرائيلَ النبيِّ موسى عليه السلام قَد قَصَّها القرانُ علينا كما في قولهِ تعالى : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } ؛ القصص: الآية: 4.

وقصَّ القرآنُ علينا وحيَ اللهِ لأمِّ موسى والهامِهِ لها في وضعه في صندوقٍ والقائه في اليم ، يقول الله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } ؛ القصص: الآية: 7.

  • الاختلاف في ولادة العظماء

حدثتنا كتبُ التاريخِ والسير ، بأنّ الكثير من انبياء الله ، اختِلف في زمان ولادتهم ومكان ولادتهم كالنبيِّ إِدريس الذي قالَ البعضُ انه ولد في مصر ، وقال اخرونَ انهُ ولد في بابل وقد تضاربت الرواياتُ في سنة ولادة النبي ابراهيم (ع) وفي مكان ولادته هل هي حران ام اور ، ولكنَّ معظمَ الرواياتِ تشيرُ الى ولادته في اور . وقد ورد في بعض المصادر التَأَريخيَّةِ أنَ نمرود في السنة التي ولد فيها ابراهيم (ع) أمرَ بقتلِ كل مواليد تلك السنة ؛ لانَّ المنجمينَ اخبروه بولادة مولودٍ في تلك السنة يتمرد عليه ويكسر الاصنام ؛ فذهبت به والدته الى كهفٍ قريبٍ من البيتِ خوفاً من جنود نمرود وأخرجته من الكهف بعد 15 شهراً . وولادة عيسى عليه السلام احيطت بسريّةٍ تامَّةٍ وغموضٍ فقد بشرت الملائكةُ مريمَ بمولود كما في قوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ؛ ال عمران: الآية: 45.

وكان جوابها : { قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } ؛  ال عمران: الآية:47.

ولمّا جاءت به قومَها تحمله استنكروا عليها : { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } ؛ مريم : الآية :27.

والنبيُّ الخاتمُ محمد صلى الله عليه واله وسلم ، اختلف المسلمون في ولادته ، فهل يعني ان هذه الشخصيات التي احيطت ولادتُها بغموضٍ او اختلف في تواريخ الولادة واماكنها ، فهل هذا يبرر نفي وجودها التاريخي؟؟

بعضُ الكُتّابِ الاوربيينَ نفوا الوجود التأريخي للمسيح عليه السلام انطلاقاً من التشكيك في الولادة، ولكن المسيح كان حقيقةً تأريخيةً تحركت وبلغت وواجهت احبار اليهود وحاكمَ روما ، فلايمكنُ نفيُ وجوده التأريخيِّ لمجرد التشكيك في الولادةِ.

  • الوجود سابق على الولادةِ ولاحقٌ لها

هل الوجودُ الانسانيُّ يبدأُ بولادةِ الشخص أم أنَّ وجودَهُ سابقٌ على ولادتهِ ؟ ومن هنا يّتّبّينُ لنا أَصالةُ القولِ بأَصالةِ الوجود. فالوجودُ سابقٌ على الولادةِ ولاحقٌ لها ؛ لانَّ الولادةَ عمليةٌ ايجاديَّةٌ لانتاج الوجود ، ولكنَّ عناصرَ هذهِ العمليةِ الايجاديّةِ عناصر وجودية ، وهذه العناصر هي : الوالد (كل مايلد فيشمل الوالد والوالدة ؛ لان الوالد يلد الولد خفاً والوالدةُ تلدهُ كرهاً) ، والولد ، وعملية الولادة التي هي النسبة الوجودية بينَ الوالد والولد ؛ ولاهمية عملية الولادة اقسم اللهُ بعناصرها الوجودية في قوله تعالى : { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ؛ البلد: الآية : 3.

هناك قسم بالعنصر الوجودي الاول (الوالد) ، وقسم بالنسبة الوجودية بين الوالد والولد ( وماولد) ، وقسم بالولد بالدلالة الالتزامية لان وجود الوالد يستلزم وجود الولد .وعملية الولادة الايجادية لابد ان تكون عناصرُها وجودية ؛لان العدمَ لاينتج الوجود.

فالانسانُ موجود قبل الولادة في رحم الام وقبلها في صلب الاب ، وقبلها في عالم الروح وغيرها من العوالم والنشآتِ وبعد الولادة هو يتنقل في عوالم وجودية في البرزخ حتى يصل الى القيامة .الانسانُ يتنقلُ في منازلَ وجوديّةٍ قبل الولادةِ وبعدها .

  • المُقارَبَةُ الوُجوديّةُ للمهدويَّةِ في القران

القرانُ الكريمُ تحَدَثَ عن المُقارَبةِ الوجودية للمهدوية بحديثه عن ظهورِ الدين الحق على كل الديانات ، وهذا الظهور ليس ظهورَ الحجةِ والبرهانِ ، وانما هو ظهورُ الحاكميةِ والسلطان ، وحديثه عن وراثةِ عبادِ اللهِ الصالحينَ لللارضِ واعمارِها بالصلاح والخير ، والحديث عن وعد الله للمؤمنينَ باستخلافهم في الارض ، وجعل المستضعفين ائمة ووارثين للارض . كل ذلك حديث عنْ مقاربة الوجود للامام المهدي المنتظر قبل ولادته .

وهذه الايات هي :

  • { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } ؛ التوبة: الآية: 33 .
    { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } ؛ الانبياء: الآية:(105).
  • { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ؛ النور: الآية: 55.
  • { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } ؛ القصص: الآية: 5.

  • المقارَبةُ الوجوديةُ للمهدويّةِ في الروياتِ الشريفةِ

وفي الروايات التي رواها المسلمون في صحاهم وكتب الحديث والمسانيد عندهم نجدها تؤكد على مقاربة وجود المهدي كحقيقة اسلامية بعد الفراغ من كون المهدوية حقيقة انسانية تحدثت عنها الديانات والفلسفات المختلفة وحتى المادية ؛ لان المهدوية هي فكرة التطلع نحو عالم افضل يسود فيه العدل ويختفي الظلم ويعيش الناس فيه في امن وامان.

ومن هذه الروايات حديث الثقلين الذي يؤكد عدم افتراق العترة عن الكتاب حتى ورود الحوض على النبي صلى الله عليه واله وسلم.

والروايات التي تحدثت عن وجود الحجة في كل وقت وعدم خلو الارض منه كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخ الصدوق عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام: ( لولم يكن في الارض الا اثنان لكان احدهما الحجة ، ولو ذهب احدُهما لبقيَ الحجة) . (كمال الدين، ج1،ص 233 ) . وروى الكلينيُّ عن ابن الطيّار قال: سمعتُ ابا عبدالله (ع) يقول: (لو لم يبقَ في الارض الا اثنان لكان احدهما الحجة) . ( الكافي ، ج1، ص137).

كل هذه الرواياتُ تؤكد على مقاربةِ الوجود ولاتتحدث عن مقاربة الولادة؛ لانه اذا ثبت وجوده عليه السلام فستكون ولادته مفروغاً عنها .

اننا بمقاربة الوجود نُلقي الكرةَ في ملعب المشككين ليكونوا وجها لوجه اما انكار الروايات المتواترة التي تسالم عليها المسلمون وقبلوها ، والذين انكروا وجود المهدي كابن خلدون واحمد امين ، ومحمد رشيد رضا ، اعتبروا شاذين امام هذا الاجماع البشري والاسلامي على وجود المهديِّ المنتظر. المشكلة ليست في التشكيك في الولادة ؛ لان التشكيك فيها لايبطل فكرة المهدوية والوجود المقدس لصاحب الزمان عليه السلام.

وحتى اخواننا السنة حينما يقولون بانه سيولد مستقبلا ، فانهم بذلك يطرحون مقاربة الوجود المقدس لصاحب العصر والزمان عليه السلام ولكنه الوجود بالقوة ، والامامية يطرحون وجوده الفعليَّ .).

  • القائلون بولادة المهدي من العامة

الكثير من علماء العامة اتفق مع الشيعة في كون الامام المهدي المنتظر هو محمد بن الحسن العسكري الذي ولد في سامراء في عام 255 هجرية ، ومن هؤلاء :

الشيخ عبدالله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي في كتابه ( الاتحاف بحب الاشراف)، والشبلنجي في (نور الابصار) ، وابن الوردي في تأريخه ، والكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) ، وابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة) ، ومحمد بن طلحة الشافعي في ( مطالب السؤول) ، وابن خلكان في ( وفيات الاعيان ) ، وسبط بن الجوزي في ( تذكرة الخواص) ، والسويدي في ( سبائك الذهب ) ، وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) ، وعبدالوهاب الشعراني في ( اليواقيت والجواهر) وغيرهم .

  • مفرداتُ الثقافةِ المهدويةِ مفرداتٌ وجوديّةٌ

كل مفردات القَضيةِ المهدويّة هي مفرداتٌ وجوديَّةٌ تتحدث عن وجود الامام المهدي عجل الله فرجه ، فحديث القران عن حكومة الصالحين ووراثة الارض كلها تتحدث عن مقاربة وجود الامام المهدي عليه السلام ، والرويات المتواترة عن النبي (ص) واهل بيته المعصومين عليهم السلام تتحدث عن مفردات وجود الامام المهدي ، كحديث الثقلين ، ولاتخلو الارض من حجة ، والغيبة مفردة وجودية ؛ لان الغيبة هو الوجود الخفي ولاتعني عدم الوجود ، والانتظار كذلك مفردة وجودية ، فالمنتظر ينتظر موجوداً لاشخصاً خرافياً.

جعلنا الله من المنتظرين الحقيقين الانتظارَ الايجابيَّ ، والممهدينَ لظهوره الناصرين له والموطِئينَ لحكمهِ.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق