الهجرة النبوية الشريفة كرست قيم العدالة والمؤاخاة والكرامة الانسانية

*د.محمد أبوسمره | أمر الله سبحانه وتعالي الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالهجرة من مكة المكرمة إلى يثرب يوم الجمعة الموافق‏27‏ من شهر صفر سنة ‏14‏ من البعثة النبوية الشريفة ‏(‏ الموافق 13/ 9 / 622‏ م‏)‏ ، بعد أن قضى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مكة ثلاث وخمسين سنة من عمره الشريف ، ولم تكن هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم ) برفقة صاحبه أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فراراً من الاضطهاد‏ وخوفاً من ارتفاع وتيرة بطش المشركين ، أو بحثاً عن الأمن‏‏ والحياة المستقرة الهادئة ، ولكن امتثالاً لأوامر الله تعالى بالهجرة المباركة من مكة إلى المدينة ، ليتم الإنتقال من مرحلةٍ الدعوةالمكية التي كانت محكومة بظروف ومعطيات وآليات وأدوات وظروف خاصة ، إلى مرحلةٍ جديدة تتسع وتنتشر فيها الدعوة بدايةً في الجزيرة العربية استعداداً للجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمته في كافة بقاع الأرض‏ ،ولتكريس مكارم الأخلاق وقيم العدالة والمؤاخاةوالمساواة وحمايةالكرامة الانسانية ،مصداقاً لقول الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق ) .

ويهل علينا العام الهجري الجديد بضيائه وبهائه وجماله يحمل لنا ذكرى الهجرة النبوية الشريفة الطيبة العطرة ، وماتضمنته من معجزات ودروس وتعاليم وارشادات ومعانٍ بليغة تغرس في وجدان الأمة اليقين بسماحة وعدالة ووداعة وإنسانية ووسطية ورحمة الدين الإسلامي ،مصداقاً لقوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) ، وتهل علينا هذه الذكرى العطرة بالتزامن مع الفتن المريرة القاسية والمفجعة التي تعيشها الأمة الإسلامية والعربية والشعب الفلسطيني ، بالإضافة إلى حالة التشَظِي والتشرذم والتمزق والإحتراب ونزيف الدم والحروب الطائفية والمذهبية والعرقية والإثنية والقومية والسياسية المتنقلة من دولةٍ ومنطقةٍ إلى أخرى ، وفي نفس الوقت يعيش الشعب الفلسطيني المظلوم للعام العاشر على التوالي في ظلال الإنقسام المؤسف ،بينما هو في أمس الحاجة إلى توحيد صفوفه وجهوده وإمكاناته لإسترداد حقوقه المسلوبه والتصدي للإستيطان والتهويد الصهيوني العنصري للمسجدالاقصى المبارك والقدس الشريف والضفة والمناطق المحتلة عام 1948 ولعمليات تهجير الفلسطينيين وقتلهم على الهوية ووقف مصادرة وتهويدالأرض والمقدسات والتراث ، والتمسك بالعقيدة والأرض والوطن المقدس والدفاع عن حقنا العقائدي / القرآني / الديني والحضاري والتاريخي والواقعي في فلسطين وكافةمقدساتها ….

ماأحوجنا في هذه الأيام الصعبة القاسية التي تحاصرنا فيها المصائب والويلات من كل مكان وحدب وصوب ، ونحن نعيش نسائم وذكريات الهجرةالنبوية الشريفة أن نقتدي بنهج وسنة وهدي سيد الأنبياء والخلق أجمعين المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأن نسعى لامتلاك الإرادة القوية وترسيخ الإيمان مثلما فعل الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حينما بدأ وحيداً بالدعوة إلى الإسلام منذ هبط عليه الوحي الشريف ( عليه السلام ) بالرسالة العظيمة لإفراد الأولوهية وتوحيد الله الواحد القهار ، ولإنقاذ البشرية وتخليصها من الكفر والشرك والشقاء والضلال والظلم والظلمات ،وإرساء معايير العدل والعدالة والسماحة والرحمة والمساواة ، وإرشاد الناس إلى سبل السعادة والخلاص في الدنيا والآخرة ، وقد واجه ( صلى الله عليه وآله وسلم) جبهة الباطل والكفروالشرك بحقيقةالإيمان وصلابة الحق ،

وإمتلك القوة واليقين والإرادرة الصلبة والصبر على البلاء والأذى ، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم ) قوياً بإيمانه ويقينه وإعتماده المطلق على الله الواحد الأحد، وصادقاً مع ربه ونفسه وأهله وصحبه والمؤمنين والناس أجمعين ، ولقي سيد الأنبياء والخلق أجمعين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من العذاب والإضطهاد والقهر والظلم والتكذيب والعدوان وحرب الإشاعات والاتهامات الباطلة والأكاذيب والحصار والمؤامرات والإبتلاءات مالم يلقه نبيٍ أو رسول،حتى أُتهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجنون والكذب والشعر والشعوذة ، بينما هو الذي عرفته العرب جميعاُ أنه الصادق الأمين ومثال الطهارة والشرف والنقاء ، وواجه الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأكاذيب والمكائد والمؤامرات والإبتلاءات والفتن والإعتداءات والإشاعات والحصارات والحروب بالصبر والجَلَد والحُلُم والدعوة بالهداية والإيمان بالإسلام والنجاة من الكفر وعذاب النار للخصوم والأعداء، فلقد جاء الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حاملاً السعادة والنجاة والخلاص للبشرية جمعاء في الدنيا والآخرة بإخراج الناس والعباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ،

وبهذا الدين الحنيف أخرج كل من آمن برسالته السمحاء من العبودية والذل والمهانة والإنغماس في الحروب والجهل والتخلف والجاهلية ، إلى الحرية والإنتصار على النفس والشهوات والإنعتاق من أسر الجاهلية والتخلف والقبلية والحروب العبثية ،وعلمنا النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كيفية الصبر على البلاء وتحمل الأذى من ذوي القربى والتعالي على الجراح والآلام ، والخروج من أسر هموم واحتياجات النفس والجسد والذات والعشيرة والقبيلة إلى هموم الأمة والإنسانية جمعاء ، ومن المطامع الذاتية والشخصية والقبلية إلى صناعة التاريخ والحضارة ومستقبل الأمة والبشرية حتى يوم القيامة ، وبناء الذات الإسلامية النموذجية الحضارية المنشودة ، وكيف نكون حضاريين في تعاملاتنا وأخلاقنا وقيمنا وعلاقاتنا ، حتى في خلافاتنا ، وتمكن النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من نقل العرب من حالة الفوضى والتشرذم والبداوة والحروب القبلية والإقتتال العشوائي لأتفه الأسباب وشريعة الغاب التي كان يأكل فيها القوي الضعيف ،إلى مجتمع المؤاخاة والحياة المدنية والدولة الحضارية المستقرة ،

وأصبحت الحياة في المدينة المنورة والجزيرة العربية واليمن وغيرها من البلدان في ظل الإسلام والرسالة المحمدية السمحاء هي الحياة الأنموذج الأمثل لكيفية بناء الدولة الأنموذج والحضارة الإنسانية والتقدم والرقي والإزدهار ،واستطاع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن ينقل المؤمنين الفقراء البسطاء المضطهدين المستضعفين من حالة الذل والإستعباد والإنكسار خلال الجاهلية ، إلى أسمى أشكال العز والفخار والكرامة والحرية ، ولم تكن هجرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مجرد عملية انتقال من مكان إلى آخر ، أو من حال الضعف والاستضعاف إلى حال القوة ، ومن الدعوة السرية والمتخفية إلى الدعوة العلنية والانتشار، انما هي هجرة نبوية شريفة نحو الاستخلاف وبناء الحضارة ومجد الامة والإنسانية ،وقدضربت لنا الهجرة النبوية الشريفة المثل الأعظم في الفداء والتضحية بالنفس والمال وبكل ماهوغال وثمين من أجل انتصار الدعوةالاسلامية والعقيدة ، وأظهرت لنا عظمة وروعة النماذج النماذج القرآنية الإسلامية التي نشأت وتربت على يد الرسول الأكرم( صلى الله عليه وآله وسلم )من جيل الصحابة الفريد ( رضوان الله عليهم أجمعين ) ،

وكشفت لنا أيضاَ بعضاً من معجزات وأسرار الغيب والرعاية الإلهية العظيمة للنبي المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وللرسالة السماوية والدعوة النبوية، والوعود الربانية لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم ) وللرسالة الإسلامية بالنصر والتمكين والتقدم والإنتشار وفتح البلدان القريبة والبعيدة ودخول الناس في دين الله أفواجاُ ، واتضح ذلك بوعد الرسول الحبيب (صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو المهاجر المتخفي المطارد المهدد بالقتل لسراقة بن مالك الذي أرسلته قريش لرصد ومطاردة وقتل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أن يعود دون أن يخبرهم عن مكانه وله ( سواري كسرى فارس !!! ) ، ولأن سراقةبن مالك يعرف صدق الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم )

فقد كان واثقاً ـــــــ رغم شركه وعدم إيمانه حتى تلك اللحظة بالرسالة النبوية ــــــــ من صدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن أنه لوعاد دون أن يُبلِغ المشركين عن مكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) وصديقه الأمين أبوبكر الصديق ( رضي الله عنه ) ،فسينال الجائزة التي وعده بها النبي الصادق الأمين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبهذا الوعد تتحقق إحدى معجزات النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي تدلل على صدق رسالته ، وعلى نزول الوحي الشريف (عليه السلام ) بشكلٍ مستمر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وصلة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الدائمة بالسماء ،وهذا الوعد النبوي الشريف تضمن أكثر من بشرى ،وهي :

  1. نجاح هجرةالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع رفيقه الصدِيِق إلى المدينةالمنورة.
  2. الإنتقال بالرسالة السماوية والدعوة المحمدية من مرحلة الاستضعاف والسرية ،إلى مرحلة العلنية والإزدهار والانتصار والانتشار والتمكين .
  3. إقامة الدولة الإسلامية النبوية المنشودة في المدينة المنورة ، وتثبيت أركانها وتأسيس أرقى أشكال المجتمعات الإنسانية وتجسيد الأنموذج الأمثل للمجتمع الاسلامي والإنساني ،وفق أسس القيم ومكارم الأخلاق والعدل والعدالة والمساواة والمسامحة والإخاء.
  4. تمددالدولةالإسلامية إلى خارج المدينة ، دخول الجزيرة العربية جميعها في الإسلام وإيمانها بالله والرسالةالنبوية ، وبدء موسم الغزوات والفتوحات الاسلامية .
  5. هداية سراقة بن مالك للإسلام وإيمانه بالله والرسالة المحمدية ،واشتراكه في الفتوحات الإسلامية ، وخصوصاً فتح بلاد فارس.
  6. فتح بلاد العراق وفارس ، وهزيمة الفرس ، والدخول إلى قصر كسرى فارس ، وإغتنام جميع مقتنياته وممتلكاته ،ومن بينها سواري كسرى التي يلبسهما في يديه ، وكذلك فتح بلاد الشام ودخولها في الإسلام .
  7. سقوط كافةالإمبراطويات وعلو وارتفاع راية الاسلام والتوحيد .

وكانت نبوءة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لسراقةبن مالك( رضي الله عنه ) إحدى أهم النبوءات والمعجزات التي تدلل على صدق وعظمة نبوته ،وعلى بدء مرحلة التمكين والسيادة لراية الحق والتوحيد وللدعوة الاسلامية وانتهاء وسقوط الامبراطوريات ومعها راية الكفر والشكر ،وأن العرب هم العمود الفقري للدولةالاسلاميةالتي ستمدد وتنتشر، وعلى أكتافهم ستقوم الفتوحات وستحقق الانتصارات (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) .

ولقد كانت للهجرة النبوية الشريفة أبعاد كثيرة ونتائج غاية في الأهمية ليس فقط على مستقبل الاسلام والمسلمين ، إنما مستقبل البشريةجمعاء ، وأكدت الهجرة النبويةالشريفة أن دعوة وارادة الحق الايمان لايمكن أن تقف أمامها قوة أوباطل أوجبروت ،ولابد لها أن تنتصر باذن الله تعالى ،ومثلما حوصر وطورد وشُرِد وأؤذي وحورب وهُجِرَ النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقد حوصروطوردوشرد وأؤذي وهجر وتعرض شعبنا الفلسطيني الصابرالمرابط للظلم والأذى والعدوان والبغي المستمر منذأكثرمن مائة عام وطردمن أرضه ووطنه وأغتصبت مقدساتنا ، ونحن على ثقة بتحقيق الوعدالإلهي والنبوي بالنصروالتمكين واستعادة وطننا المسلوب ، وطرد المغتصب المحتل لبيت المقدس وفلسطين وتحرير قبلةالمسلمين الأولى ومسرى النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم ) ،مصداقاً لقوله تعالى ( فاذا جاء وعدةالآخرةليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة،وليتبروا ما علوا تتبيرا ) ،وكذلك مصداقا لحديث الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم ) :

لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ، أنتم شرقي النهر وهم غربيه…

وفي ظل الظروف المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وتمر بها الأمةالإسلامية والعربية حري بنا ونحن نحتفل بالعام الهجري الجديد أن نخلص النية والعمل لله تعالى ونلتزم بتعاليم الإسلام وأن نقتدي بسنن وهدي الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم) ،وخصوصاً توحيد صفوف الأمة دفاعاً عن الحق في مواجهة الباطل ، ومناصرة كافة قضايا وحقوق المظلومين وخصوصاً الشعب الفلسطيني المظلوم الصابر ، ويتوجب على الأمة الاسلامية والعربية وشعبنا الفلسطيني التوحد والتصدي للمؤامرات والمخططات الصهيونية التي تهدد شعبنا وأمتنا ومقدساتنا .

*د.محمد أبوسمره ـــ مؤرخ ، باحث وخبير في الجماعات الإسلامية.
رئيس الحركة الإسلامية الوطنية في فلسطين ( الوسط )، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock