برنامج ” رامز مجنون رسمي ” كاميرا خفية أم سادية وعدوانية…

هل فقدت قنوات mbc السعودية في شهر رمضان الفضيل بوصلتها...

يبدو أن البرامج الترفيهية، ومنها الكاميرا الخفية، تحولت عن هدفها الأساسي في رسم الابتسامة والفرح على وجوه ضيوفها ومتابعيها من المشاهدين، وتحوّلت بشكل جذريّ إلى حلقات يتفنن بها مقدموها لترهيب وتخويف ضيوفهم، وتصويرهم في مشاهد تفقدهم السيطرة على انفعالاتهم، نتيجة حوادث طارئة مختلقة… وحسب الوصفة المصرية، فإنّ ”رامز جلال” نجم كوميدي! وبناء على هذه الوصفة استضافت قناة MBC  هذا العام (النجم)، وقدمت له ملايين الدولارات، لإزعاج الشعوب الإسلامية وبخاصة في هذا الشهر الفضيل. فقد كانت بداية ”رامز” مع برامج المقالب المزعجة، التي يطلق عليها ”الكاميرا الخفية” عام 2011، مقدماً 9 نسخ، قبل أن يظهر بشخصيته الحقيقية في نسخته العاشرة هذا العام، بعنوان ” رامز مجنون رسمي ”.

برنامج '' رامز مجنون رسمي '' كاميرا خفية أم سادية وعدوانية
برنامج ” رامز مجنون رسمي ” كاميرا خفية أم سادية وعدوانية

حيث يقوم برنامج ”رامز جلال”، على فكرة استدراج الضحايا لاستضافتهم في برنامج بعنوان “الحقيقة”، من تقديم الإعلامية أروى، ليظهر بعد ذلك رامز بشكل مفاجئ، ويبدأ في تعذيب وإذلال الضحية، من خلال وسائل مختلفة. وأقل ما يقال في هذا البرنامج، أنه يتجاوز كل الحدود في التلاعب بمشاعر ومصائر المشاركين على اختلاف قدراتهم وتقبلهم لمواجهة الصعاب.

لقد تابعت حلقات من  برنامج ” رامز مجنون رسمي ”، محاولاً فهم ما يجري فيها، وما تحاول قوله، فما وجدت سوى تصوير تقني لحفلة وحشية بربرية، يجري خلالها انتهاك كل القيم والمعايير الإنسانية والحضارية للإنسان تحت عناوين التسلية والإضحاك، وبرؤية بدوية بدائية وتمويل سعودي أعمى، لم يستطع الخروج من جلده الهمجي… تماماً كتقنيات الزوم والضوء والإثارة في حفلات الإعدام التي تقيمها داعش لضحاياها، والتي تنتهي بموت حقيقي… وهذا هو الفارق الوحيد بينها وبين دراما ” رامز مجنون رسمي ”… صحيح أن النهاية السعيدة في هذه الدراما الهمجية لا توصلها إلى (دراما) الموت الداعشي الرهيب، لكنها أيضاً لا تلغي عيش الضحية دقائق رهيبة من الخوف والذعر، كتلك التي يعيشها ضحايا داعش قبل إعدامهم!‏

وبوصفها نوعاً من الإعلام، فإن هذه الدراما السعودية هي حصيلة عقل إعلامي أساساً، وكلاهما حصيلة عقل من عجينة الميول العدوانية بالنوازع الغرائزية، لكنه يرتدي ياقة وربطة عنق ليبدو معاصراً… يرش المال فيجعل للموت الزؤام طعماً حلواً وهو موت، وهذا حال العقل السعودي، حين يرش مالاً نظيراً في شراء الذمم والضمائر، سواء عادت لمؤسسات إعلامية أم لإعلاميين، وليأتي نتاجها أو نتاجهم الإعلامي منمقاً ملوناً ومدهشاً رغم أنه معجون بسم الفتنة والإفساد!‏

أقرأ أيضاً:

السيد نصر الله: موقفنا من القضية الفلسطينية غير قابل للتبديل ومن واجب الامة الدفاع عن المقدسات

أليس هذا حال العشرات من أقلام الإعلاميين والأسماء الإعلامية التي تبث السموم ذاتها ومن مواقع مختلفة وحسب الضبط والمال السعوديين… فتتحول إلى سكاكين وخناجر؟‏ والأنكى أن هذه المؤسسات والأسماء لا ترى سقوطها في قعر حفرة التناقض مع الذات ومع الآخر، فضلاً عن سقوطها في قيعان الانحطاط الأخلاقي والسياسي والثقافي وغيرها… حين تكيل المديح الظاهر والمتخفي مثلاً للسعودية، وتسهب في الوقت ذاته في استمطار قيم الحرية والديمقراطية والحقوق المدنية في غير مكان؟‏

ورغم الجدل الكبير الذي أثاره برنامج ” رامز مجنون رسمي ” وتعرضه للهجوم منذ الحلقة الأولى، فقد انتشرت شائعات بقرب إيقافه، لكن مجموعة قنوات MBC زمجرت وأعلنت عبر قناتها التي تبث من مصر،  وبلسان المتحدث الرسمي لقنوات “إم بي سي” السعودية مازن حايك، ”أن برنامج ” رامز مجنون رسمي ” حقق نجاحا كبيرا ولا نية لوقفه، وإنه يعرض على شاشات 5 قنوات ويحقق أعلى نسبة مشاهدة.

وللأمانة العلمية، من يتابع قنوات mbc السعودية، يصاب بالذهول لكثرة البرامج الهابطة المشوهة للعقل العربي وبخاصة للأجيال الشابة التي تختار نماذجها المقدسة في الحياة من الشاشة لأنها وسيلة التواصل الأسهل والأسرع والمؤثرة أكثر… لقد علمتنا قنوات mbc السعودية وأيقظتنا على أننا شعوب وأمم لا شعب عربي واحد… وأننا مذاهب وطوائف لا مواطنين في وطن واحد… والآن هي تستميت في خدمة مشاريع خلخلة القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحكم مجتمعاتنا مثل التسامح والتعاضد ومشاعر العروبة والاعتزاز بالهوية العربية والإيمان بـ القضية الفلسطينية كقضية للعرب كلهم، وتبذل مال الخليج وبتروله في تحويل المشروع الثقافي العربي الموحد إلى مشاريع متنافرة… متضاربة… متخلفة… ولنا في مسلسلي” أم هارون” و”مخرج7”، المثال الصارخ، حيث وجهت للقناة والقائمين على هذين العملين اتهامات بالترويج للتطبيع مع ”إسرائيل”.

فهل فقدت قنوات mbc السعودية في شهر رمضان الفضيل، بوصلتها وتاهت إلى مجالات ابتداع مواقف مؤذية للضيوف والمشاهدين معاً، أم هو إفلاس العقول المعنية في القنوات العربية، أدى بنا إلى استنساخ برامج غربيّة وإنتاجها بشكل يسيء إلى ذوق المشاهد العربي ويستخف بعقله؟

إذ كيف لعقل إنساني أن يجد في إرغام البعض في برنامج سادي بإسم ”الكاميرا الخفية”على عيش دقائق رهيبة من الهلع والرعب والتدمير الذاتي والإحساس بالنهاية الوشيكة… أن يجد فيه إضحاكاً وتسلية للبعض الآخر، لو لم يكن هذا العقل مرضاً سادياً لا ينتشي إلا بألم الآخر وبؤسه… ولو لم يكن يفترض سلفاً أن عقول مشاهديه هي من الطينة ذاتها؟‏

أقرأ أيضاً:

الدواعش والشاذون.. بضائع أمريكا للعراق

تكلفة باهظة وضعت على برنامج لا هم له سوى إحضار ضيوف والزج بهم في مواقف مرعبة، وكل تفصيل في البرنامج يوحي لنا بمدى التدهور الفني والبرامجي الذي نعيشه، مبالغ طائلة تصرف لأمثال هذه البرامج… وهو ليس البرنامج الوحيد الذي يعتمد أسلوب المقالب…!‏

وبالرغم من اختلاف أمزجة المتابعين وعشق بعضهم لها، واستمتاع البعض الآخر بتعرض الآخرين للتلاعب بأقدارهم ولو على سبيل المزاح وتعريتهم أمام الملأ، بحيث يفقد غالبيتهم السيطرة على مشاعرهم وردود أفعالهم وألفاظهم، إلا أنه لابد من وجود رادع وقانون يضبط ويلجم البعض عن الذهاب في رغباتهم ”الإبداعية” إلى حدود يصل في أقلها إلى الأذية النفسية، على علمنا بوجود اتفاق مسبق يضمن حق المشارك المالي.

وحتى لا نتهم بالمبالغة والتحامل على هذا البرنامج، فقد طالبت إدارة مستشفى الصحة النفسية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة والسكان بمصر، من النائب العام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بفتح تحقيق عاجل والتدخل الفوري لوقف عرض برنامج ” رامز مجنون رسمي ”. وجاء في البيان: ”فقد لاحظنا باهتمام برنامج ” رامز مجنون رسمي ”، ووجدنا أنه يحمل كثيراً من العنف والتعذيب والسخرية والاستهانة بالضيوف، والتلذذ بالآلام التي يسببها للآخرين، وممارسة التنمر عليهم، وسط ضحكات مقدم البرنامج، وبما يتنافى مع آدمية الإنسان والإنسانية، التي يجب أن يتعامل الناس بها، مع بعضهم، مما يعد استهانة بالقيم الإنسانية وتعمداً لنشر السلوكيات المرضية، وما تتضمنه من التلذذ بتعذيب الآخرين والحط من كرامتهم الإنسانية، وهذا ما نراه يمثل خطراً وتهديداً على الصحة النفسية للمواطن المصري، ومشاهدي البرنامج، كباراً وصغارا”.

وبدورنا نتساءل: ما المغزى من برنامج يقوم مقدمه على تخويف الناس حتى الموت؟ ولماذا هذا المال الكثير من محطة تأكدت أن كوميديانها المراهق لا يملك حس الدعابة والمرح؟‏‏‏

لماذا يكون رامز جلال هو الوحيد الذي يضحك من فعلته، فيما الضيوف يخبرونه أنه ثقيل الدم؟‏‏‏

لم يتقبل أي ضيف من الضيوف هذه المزحة التي تصيبهم بالهلع والرعب، وبدلاً من تقبل المزحة بعد كشفها، كانوا يهينونه ويضربونه، وهو في المقابل يستمر في الضحك.‏‏‏ وحسب الوصفة المصرية، وبعد هذا الهراء، سيصبح رامز جلال أشد نجومية مما كان عليه، فليس معيار الكوميديا الآن في خفة دم الممثل، بل في ثقل دمه وسماجته وكره الناس له.‏‏‏

أقرأ أيضاً:

شاهد.. تعزيزات جديدة للجيش السوري لشن عملية في دير الزور

نجوم الكوميديا الكبار ينتزعون من المشاهد الكئيب الابتسامة، ويملأون أرجاء المنزل بضحكات المتفرجين، أما ”رامز جلال” فلا يعنيه كل هذا الهراء، هو يريد أن يضحك، حتى وإن أصيب الآخرون بالجلطات بسببه وماتوا أمام عينيه.‏‏‏

هل شاهد هؤلاء “المبدعون المزيفون” حلقات بريطانية و فرنسية من (الكنديد كاميرا) التي كانت تجمع بين التسلية والضحكة اللطيفة، وعدم الإضرار بالضحية باحترام صورته الحميمية وحقوقه الشخصية وصحته البدنية والنفسية؟ وهل قرؤوا ميثاق الشرف الإعلامي والاتصالي الذي وضعته منظمة الأمم المتحدة لتقنين وعقلنة البرامج التليفزيونية ذات الطابع الترفيهي والعلاقة التي يجب أن يحترم الجميع نواميسها بين المنتج التليفزيوني والمواطنين؟ وهل أدرك هؤلاء المتهورون القائمون على مثل هذه البرامج التي تسمى زورا وبهتاناً ”كاميرا خفية”، أن كرامة الناس ليست لعبة وأن العنف المجاني المتدفق بالرعب والهول والاستهتار والاستخفاف بالناس ليس محورا للتسلية.

وللأسف الشديد، نرى أن السعي وراء الربح السريع هو الهدف بإعادة إنتاج البرامج الغربية الفكاهية منه أو الترفيهية، بطريقة رديئة أثرت على المشاهد العربي وأساءت إلى ذوقه الفني والاجتماعي، وانحدرت إلى مستوى التهريج وإضاعة الوقت والأموال عليها، سيما وأن مبالغ خيالية تصرف على هذه البرامج، الأجدى هو إتقان إنتاج برامج تلامس المشاهد وتحترم ذوقه وإدراكه، وتضيف إلى حياته القيم المجتمعية الأصيلة، أو الترفيهية التي تخفف عنه ضغوط الحياة، وتضيف إلى يومه ساعة ضحك قلما يجدها في مسيرة يومه المتعب.

خلاصة الكلام: ربما آن الأوان لإعادة التفكير قليلاً بما يتم تقديمه على الشاشات، فهي في أبسطها و”أهضمها” انتهاك واعتداء على خصوصية الغير وملمح من ملامح عديدة ترسم حقيقة من يقدم عليها، عدا عن افتقادها الرسالة أو الهدف. فمهما كانت المسميات التي تأتي ضمنها تلك البرامج إلا أنها ترسم بطريقة أو أخرى صورة إنساننا في نهاية الأمر، ولا بد سيأتي أحد ما مهما بلغت درجة احترامنا وتقديرنا له ليوجه لنا أصابع الاتهام بالتخلف والسادية والتمتع بعذاب الآخرين.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق