بناء الصداقة بجدران الحبّ

بناء الصداقة بجدران الحبّ

منتجب علي سلامي

 

كما قيل في المثل الشعبيّ: ( إذا أردت أن يكون لك منزل في كلّ منطقة فما عليك إلّا أن تصادق إنساناً من كلّ منطقة).

هذا المثل عشته في الواقع ،فأثناء خدمتي العلم الغالي صادقت الكثيرين من الطيبين، وهم من أماكن من سوريّة متعدّدة ومتباعدة عن بعضها البعض، والذين شاركوني التعب والعقوبة والتدريب والرمي والجري والنظام المنضمّ والجوع والعطش والفرح والأمل واللباس والسهر.

وبعد أن تمّ تسريحنا بعد شهور الاحتفاظ التي قاسينا فيها ما قاسيناه في التسعينيّات، قرّرت وبعد سنة من ذلك أن أزور أصدقائي الذين دوّنت عناوينهم ودون أن أعلمهم هاتفيّاً بذلك، فكانت أولى زياراتي إلى منزل صديقي في حلب عبد المجيد هارون وهو من سكّان حارة شعبيّة جميلة حول القلعة واسمها( أصيلة ) وهي اسم على مُسمّى ،دخلت أزقّتها الضيّقة المرصوفة بالحجر القديم الأصيل، وكان الجوّ مُثلجاً وتأخّر الكرنك الذي كنت مسافرا على متنه بسبب تراكم الثلوج عل طريق اللاذقيّة حلب ،فوصلت هذه الأصيلة مساءً وأنا أبحث عن إنسان ماشٍ ليدلّني على بيت صديقي لأنّ غالبيّة الناس كانت تحتمي من برودة الجوّ في البيوت ومنهم من كان يجري مُسرِعاً لتفادي الغرق من فتحات السقوف التي تغطّي قسماً كبيراً من الشوارع الضيّقة.

وبعد أن استوقفتُ أحدهم طالباً منه مساعدتي بالغ بالاهتمام بي بعد أن علم بأنّني ضيف من محافظة بعيدة وأبى إلّا أن يمشي إلى جانبي و يوصلني إلى باب دار صديقي ،وقد قرع الباب الأسود الحديديّ وتأكّد من وجود من قصدته وعندما سمع صديقي صوتي ابتسم مرحّباً بحرارة وخرج من الداخل ليعانقني وكأنّني الأخ الغالي العائد من السفر وألحّ عليّ بالدخول قبله إلى داخل البيت مردّداً كلمات ((تفضّل تفضّل إنت خيّو مانك غريب طاول طاول)).

أقرأ أيضاً:

  " ارمِ لي قُبلَة "

قضيت يومين كاملين بليليهما الشتويّ البارد في بيته الكريم الدافئ وقد كان يتكلّف ويبذل جهداً ليسعدني ويعرّفني على حارات حلب ومتاجرها ومعالمها كما كان يعدُني أيّام الجيش.

وأثناء نومي في غرفة خُصِّصت لي وله تظاهرت بأنّني غفوت عدّة مرات و والده الطيّب يدخل الغرفة بهدوء كي لايوقظني ويحرّك اللحاف وبطّانيتين فوق جسمي الممدّد على السرير حرصاً عليّ من البرد القارس في ذلك الوقت واستمعت إليه متمتماً وهو يقول لولده الذي ينام على فراشٍ على الأرض (دير بالك عبدو لصاحبك يقوم يبرد ها، هاد أمانة بيبتنا)ثمّ راح يمشي على رؤوس أصابعه ليخرج من تلك الغرفة ويغلق بابها بهدوء.

رحم الله كلّ صديق أوإنسان مخلص في الحياة وفي الممات، ومبارك لـ حلب ولسوريّتها وجيشها وشرفائها ولقائدها هذا النصر المبين….ورحم الله الشهداء الأباة الذين ارتقوا شهداء من أجلها ومن أجل الكرامة والوطن والإنسان.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق