بني صهيون ورجال الله

بني صهيون ورجال الله

حكايةٌ غريبةٌ عجيبة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، قدمت هذه الأجيال المتعاقبة الشهداء، شهيداً تلو الشهيد… شكلوا عبر التاريخ رفاقاً لسيد الشهداء شهيد كربلاء الإمام الحسين(ع)… وتوارث الأبناء خط الجهاد وكانوا دائماً عبر التاريخ رجال الله…

بدأت الحكاية منذ الثورة التي إنتصر فيها الدم على السيف، ثورة الإسلام في كربلاء، وتوارثتها الأجيال إلى يومنا هذا الذي تمكن فيه أحفاد بيت النبوة عليهم السلام، أن يكونوا رجال الله الذين قضوا على أسطورة الجيش الذي لا يقهر… رجال الله منهم من قضى نحبه ومنهم من سيقضي على هذا الدرب الإلهي، ومنهم سيكون نواة جيش الإمام المهدي المنتظر(عج) الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملأت ظلماً وجوراً…مرت هذه الثورة المحمدية بعد سادتي وأئمتي من أهل البيت(ع) بانتصارات، وفترات إنكسارات، لكن مما لا شك فيه أن الله لم يترك هؤلاء الرجال يوماً وكان كلما إستشهد أو غاب عنهم قائد كان  الخليفة عنه حاضراً لإكمال المسيرة لحين ظهور سيدي ومولاي صاحب العصر والزمان(عج)…

حتى كان زمن سيدي ومولاي وإمامي المغيب السيد موسى الصدر…

في العام 1959 قدم الإمام الصدر إبن جبل عامل، حفيد بيت النبوة وأبى ذر، إلى لبنان وأقام في مدينة صور، وبدأت أفكاره تنتشر بين محبيه وزرع فيهم حب الثورة ضد التسويات والمفاوضات واللجوء الى المحافل الدولية، فأشار الى هذا بقوله: «انتظر الشعب الفلسطيني عشرين سنة، فما انصفه أحد في العالم ونسيه الكل حتى المؤسسات الدولية، فاضطر الى إستلام قضيته ووضع ثمناً لعودته غالياً هو التضحية بجيل كامل». في زمن التوترات المذهبية والنعرات الطائفية البائس والذي يغيب قضية فلسطين عن اهتمامات العرب والمسلمين، يستحضر قول الإمام الصدر «إن الشيعة يعتبرون المسألة الفلسطينية هي مسألتهم، ويرون بأنه لن يتوفر أي أمن، طالما ان امن العدو الصهيوني الذي يطمع في أراضيهم رابض على بعد عشرات الامتار منها». كما قال أيضاً: «يجب ان نسعى كي تبقى اسرائيل عدوة»، لأنه كان يشعر بأنه في اليوم الذي تزاح فيه فلسطين عن موقعها المركزي في وواقع العرب والمسلمين سيضيع بأسهم فيما بينهم ويتناحرون اقواماً وطوائف وجماعات كما هو حاصل اليوم.
وحمى الثورة الفلسطينية بقوله: «إن السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري»،

من هنا نستحضر سيرة الإمام موسى الصدر ومسيرته الذي حمل فلسطين صلاةً ودعاءً وفعلاً في كل ساحة من ساحات جهاده، لأنه كان يؤمن وعلى دربه نؤمن بأن شرعية أية جهة وإسلاميتها وعروبتها ووطنيتها تتحقق بمدى حضور فلسطين فيها، لأن تجاهل فلسطين أو التنازل عن القدس يعني حسب نص الإمام الصدر تنازلاً عن الدين.

من هنا بدأت مسيرة يوم القدس، ومن بعده أعلنها الإمام الخميني(قدس) في آخر يوم جمعة من شهر رمضان.

إنطلاقاً من هذه الرؤية الإسلامية، والفكر الثوري ضد أعداء الله، أعلن السيد موسى الصدر في مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 6/7/1975، إثر انفجار لغم أرضي وقع في معسكر تدريبي للطلائع الأولى من الذراع المقاوم لحركة المحرومين في قرية عين البنية, ولادة أفواج المقاومة اللبنانية التي اختصرت ب “أمل”. وكان أول مسؤول تنظيمي فيها الدكتور مصطفى شمران الذي أصبح فيما بعد أول وزير دفاع لإيران بعد انتصار الثورة الإسلامية.

كان الدافع الرئيس وراء تشكيل التشكيلات المسلحة للحركة بحسب السيد, أنّه يرى مطامع إسرائيل في جنوب لبنان وإنها تريد أن توطّن الفلسطينيين وتنهي قضيّتهم. فتخوّف من حدوث إجتياح إسرائيلي للبنان وتهجير أهله فقرر تأسيس التشكيلات هذه لصد الاعتداءات.

إذاً، بوصول الإمام السيد موسى الصدر إلى لبنان، وإقامته في جنوب لبنان، وزرعه الفكر الثوري في أبطال لبنان، وإعلانه عن ولادة حركة المحرومين، بدأت مسيرة المقاومة ضد العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان…

أما أولى ملاحم البطولة التي سطرها أبناء الإمام الصدر في مواجهة العدو الصهيوني كانت في 3 حزيران 1982 اجتياح لبنان، وعلى مدخل العاصمة بيروت، في محلة خلده حيث  يقول الأخ الرئيس نبيه بري في مذكراته (أسكن هذا الكتاب) : ” عندما وصل الاسرائيليون الى خلدة، كنت موجوداً في مقر قيادة «حركة أمل»، في برج البراجنة. يومها، جاء أحد الأشخاص وقال لي: لقد وصل الاسرائيليون الى خلدة.

للوهلة الاولى، ظننت ان خلدة هي واحدة من بلدات الجنوب، فأخذت أجول بتفكيري وأسأل نفسي عن خلدة، وأين تقع، وفي اي قضاء من اقضية الجنوب! وعندما تأكدت سألت: وكيف وصلوا الى خلدة بهذه السرعة….. توجهت على الفور، مجموعات حركية من كل المناطق في بيروت والضاحية الجنوبية، وأذكر منها مجموعة من شباب «حي السلّم»، ولذلك سميت هذا الحي بـ«حي الكرامة»…. ووصلت مجموعات الحركة الى خلدة، ونصب الشباب كمائن بالقرب من مدينة الزهراء، وفوق الطريق وتحتها، وما إن وصلت الدبابات والآليات الإسرائيلية، حتى أطبق عليها مجاهدو «أمل»، وخاضوا مع القوات العدوّة ملحمة بطولية، وأرغموها على التوقف في خلدة، التي تقدم اليها بآلياته، وكأنه يقوم بنزهة .

كانت ” القوات الإسرائيلية الغازية ” تتقدم بسرعة كبيرة ووصلت طلائعها الى خلدة المدخل الجنوبي للعاصمة بيروت في التاسع من حزيران ، وحاولت منها التقدم باتجاه الأوزاعي ومطار بيروت الدولي . وهنا بدأت معركة خلدة التي استمرت لأربعة ايام كاملة  مع أبطال أفواج المقاومة اللبنانية – أمل، وفصائل مقاومة اخرى .

كان مقاتلو حركة أمل يشكلون عماد القوة المدافعة. حيث انتشروا على امتداد الشاطئ من مسبح الفاميلي بيتش حتى قصر ارسلان .

لقد وقعت القوة الإسرائيلية في كمين، فأعطبت واصيبت عدد من الدبابات والآليات، وعندما حاولت التراجع تكبدت خسائر جديدة قبل ان تنجح في الانسحاب الى الخلف .

في هذا الوقت، دارت عند مدخل مدينة الزهراء حيث ينتشر مقاتلو حركة أمل معركة عنيفة, مع قوة اسرائيلية انزلت عبر البحر انتهت بتقهقر الإسرائيليين، وتمكن مجاهدو امل من اسر احدى الناقلات وفي داخلها جثة جندي اسرائيلي .

نقلت حاملة الجند ال م 113 الى الضاحية الجنوبية لبيروت الى مقر قيادة الحركة في برج البراجنة حيث استقبل رئيس الحركة الأخ نبيه بري المقاتلين والناقلة وحيا بطولاتهم. ومن ثم نقلت الى الطريق الجديدة وبربور، حيث كانت تعرض امام الناس قبل ان تنقل مرة جديدة الى الضاحية حيث خبأت في منطقة روضة الشهيدين.

في 11 حزيران 1982 اعلن ناطق عسكري اسرائيلي مقتل نائب رئيس أركان الحرب الأسرائيلي الجنرال يكوتيئيل آدم في المعارك التي دارت قرب الدامور في اليوم السابق. وهو أرفع ضابط اسرائيلي قتل خلال اجتياح 1982 .

من هنا كانت نواة المقاومة الإسلامية، نواة رجال الله، نواة جيش الإمام المنتظر(عج)، واستمرت المسيرة، وكانت المؤامرة على العربي المسلم الأول الذي تجرأ أن يقف بوجه الصهاينة، وبشعور العدو بخطر هذا الإمام كان إختفاؤه.

وكانت ولادة المقاومة الإسلامية وبعون الله ظهر خليفة إمام المقاومين الإمام الصدر، ألا وهو الشهيد السيد عباس الموسوي(قدس)، واستمرت الأجيال في طريق الجهاد، والشهادة إلى يومنا الذي حقق فيه رجال الله توازن الرعب مع عدو الله والإنسانية، بقيادة جناحي هذه المقاومة السيد حسن نصر الله، والأخ الرئيس الأستاذ نبيه بري…

حكاية رجال الله، رجال جبل عامل، رجال جنوب لبنان وبقاعه، مع العدو الصهيوني الذي حققت توازن رعب لم يستطيع العربان طيلة صراعهم مع هذا الغاصب أن يحققوا قيد أنملة منه!!!

والحمد لله الذي نصر عبده، ألا إن نصر الله لقريب…

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى