بين الحكومة والحاكم من ربح الجولة الأولى؟

كمواطنين لا تعنينا تلك المعركة التي اندلعت بين الحكومة من جهة وحاكمية المصرف المركزي من جهة ثانية، فمن يعمل منّا أضحى يتقاضى راتبًا يساوي بضع مئات الدولارات، بالكاد يؤمّن له قوت يومه، ومن لا يعمل أمسى جائعًا، ومن ادّخر ليومه الأسود تبخّرت أمواله وبات متسوّلًا على أبواب المصارف، التي تواطأت مع الفاسدين، هرّبت أموالهم وقيّدت سحوباتنا. لا مصرف لبنان حمى مدّخراتنا ولا الحكومة سلكت درب الإصلاحات المعروفة، جلّ ما فعلته تسريب خطّة من هنا، وشهيّة لهيركات من هناك، ثم سحب هذه وتلك.

ما يعنينا من تلك المعركة أّنّنا في حروبهم ندفع الأثمان، فيعمد بعضهم إلى التلاعب بسعر صرف الدولار لضرورات المعركة، ويبحث بعضهم الآخر في زمن الإنهيار عن مكتسبات للسطو على القرار المالي، عبر إقالة من هنا وتعيين من هناك، لتكتمل صورة الحاشية. في ظلّ تلك المشهدية الدرامية نقف برهة لنسأل أنفسنا، هل الحاكم النقدي أوصلنا إلى الإنهيار أم ذاك السياسي؟ وهل تمكّن الأول بإطلالته من تبرئة نفسه أمام نفوسنا الغاضبة وعقولنا التائهة؟ وطالما هناك اتهامات متبادلة بحجم المسؤولية عن انهيار بلد بشعبه ومؤسساته، لماذا لا يلجأون إلى القضاء ويزجّون بأولئك الفاسدين في السجون ؟

لأنّنا لا نفقه بالمال ولا بالإقتصاد توجّهنا بالسؤال إلى العارفين بتلك العلوم التي نحتاجها أكثر من أيّ وقت مضى، قد يكون سلامة تراجع بفعل الإتصالات التي سبقت مؤتمره عن إفراغ كل ما بجعبته، إكتفى بالطابع التقني، وبرأي الباحث في الإقتصاد السياسي الدكتور بيار الخوري لا يمكن لسلامة من موقعه أن يزيد عمّا قاله، “فأي زيادة قد تفتح أبوابًا أخرى، وما سمعناه هو الحدّ الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه”.

الصراع بين سلامة والحكومة محكوم بتسوية، وفق مقاربة الخوري في اتصال مع “لبنان 24″، وقد تكون هذه التسوية سبقت إطلالة سلامة، وربما يكون رئيس الحكومة بلهجته حيال سلامة قد رأى أنّ الأخير أهون الشرور، على اعتبار أنّ أيّ تحرك سيقوم به سيصطدم بالحواجز الطائفية. ولكن المسألة أبعد من ذلك، فالحكومة لا يمكن لها أن تكمل بظلّ دولار يقفز بساعات، وبظل تفلّت في السياسة النقدية. وهي بحاجة إلى دعم مالي يُعينها على الصمود وسط العواصف، خصوصًا أنّ لا أحد يريد لها أن تسقط، بمن فيهم الفريق السياسي خارجها، بالمقابل هناك توازن سياسي قائم يستحيل معه أن تفرض الحكومة نفسها رقمًا صعبًا في المعادلة من دون تنقّل شديد الحذر بين التوازنات”.

هل اقنعك سلامة؟ ومن يتحمل المسؤولية في ما وصلنا إليه؟

يجيب الخوري “المعضلة بالنموذج الذي أداره سلامة، والجميع كان مستفيدًا، مرّ لبنان بأزمات، تعطّل دوره في المنطقة، آنذاك تمكّن الرئيس الشهيد رفيق الحريري من جذب الإستثمارات، وبعدما اشتدّت العاصفة السياسية في المنطقة أكملوا بنموذج يفتقد إلى أرضية اقتصادية، فبدأنا ننزلق شيئًا فشيًا بفعل اتساع حجم كتلة الدين العام، واستمرينا بالإنفاق رغم عدم وجود قاعدة إنتاجية، وعمدوا إلى جذب الودائع بفوائد وصلت إلى 20% كمؤشرعلى نظام مالي وهمي، وكان المطلوب من سلامة أن يؤمّن سنويًا صيغة للإستمرار، هذا النموذج تعطّل عام 2019، فعجز سلامة على استنساخ الصيغة نفسها كذلك أهل السلطة”.

الخوري وإن لا يحمّل سلامة وحده المسؤولية، يشير إلى دور أساسي لعبه الحاكم لإطالة عمر النموذج السالف الذكر، وسط كلّ التغيرات الكبرى، “تحميل المسؤولية لطرف واحد هو ذر للرماد في العيون، المسؤولية أعمق من ذلك، وتطال النموذج الإقتصادي طيلة السنوات السابقة، بقطاعيه العام والخاص، وحياله كان يفترض بسلامة أن يقف ليقول للجميع: لا يمكن أن أستمر بتمويلكم”.

الشفافية برأيه لم تطبع سياسة المركزي “هناك كتلة من الأسرار خلف تلك الأبواب، فنحن لا نعلم ما هو حساب الأرباح والخسائر، وبيان الوضع الموجز ليس سوى ملخّص عن وضع الأصول ليس أكثر، شركة “لازارد” تحدّثت عن خسائر بقيمة 40 مليار دولار، تراكمت خلال تسع سنوات، وهو مبلغ يعادل تقريبا الناتج المحلي اليوم. يُؤخذ على سلامة استمراره بتلك السياسة التطمينية وعدم مصارحة الرأي العام، ولو فعل في حينه لكنّا أمام مشهد مختلف اليوم، وربما هذا الدور كان أكبر من الحاكم نظرًا لسطوة مراكز مالية، ولكن بشتّى الأحوال كان عليه أن يعلن عدم قدرته على تمويل هذا النموذج. حتّى عندما وقعت الكارثة لم يقم بما يكفي لتجميد تهريب الدولارات إلى الخارج، كان يمكن أن يرمي باقتراحاته بوجه السلطة السياسية، لوضع حدّ لهروب الدولارات، كقوننة الكابيتال كونترول في اللحظة الأولى لتهريب الأموال”.

قد تكون المعركة بين سلامة ورئيس الحكومة حسان دياب طُويت أو أُرجئت أقلّه، ولكن بالمقابل من حقّنا كمواطنين أن نسأل دياب عن سرّ تصويبه على سلامة دون سواه، بحيث بدا شديد التناغم مع الحملة التي أطلقها كل من النائبين جبران باسيل وجميل السيد على الحاكم. فهل رأى دياب بعين واحدة تقصير الحاكم، فيما غابت عن بصيرته مليارات قطاع الكهرباء التي أُهدرت على البواخر، وعلى خطط عنوانها الأشهر “ما خلونا”، فضلًا عن المليارات الضائعة جرّاء الإتصالات والأملاك البحرية والتهريب؟

بنظر الخوري، الحكومة لم تأخذ فرصتها بعد، ورئيسها لا يمكن وضعه بخانة الفريق الذي أوصله “فلو تمكّنوا من تجديد التسوية وتأليف حكومتهم لما وصل دياب، وهناك تقاطعات تخطّت لبنان وراء وصوله، هذا لا يعني أنّ الحكومة متحرّرة، ولكن لا أضعها بخانة فريق الثامن من آذار، ورغم افتقادها إلى الدعم الشعبي والسياسي استطاعت أن تقدّم نموذجًا ليس سيئًا، خصوصًا بمواجهة وباء كورونا. وفي الكهرباء يتفاوضون مع الألمان، وفي حال فشلت في تحقيق إنجاز ستتأذى بطبيعة الحال، ولكنها تحاول إلتقاط فرصتها بظروف كارثية، وقد تلقّفت كرة النار، وهي بحاجة إلى ظروف ملائمة وإلى تدخل حاكمية المصرف المركزي لتغطيتها ماليًا، كي تتمكّن من الصمود”.

متسلّحًا بقانون النقد والسليف ردّ سلامة على المضبطة الإتهامية، ربما تمكّن من الفوز في الجولة الأولى محرجًا دياب وحكومته، وربما أثبت إدانته بتهمة تمويل دولة فاسدة، المسألة ليست هنا بل بالقادم من الأيام، فهل سنشهد جولات ومعارك تصفية حسابات؟ ما دور القضاء في الإدانة والتبرئة؟ وماذا عن مسؤولياتهم جميعًا بإنقاذنا من الجوع؟

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق