تحرير إدلب وفق الاستراتيجية السورية

دأبت القيادة السورية خلال الاشهر المنصرمة، على اتباع استراتيجية عسكرية مؤطرة بفواعل سياسية، الامر الذي اسفر عن تخبطات واضحة في محور اعداء سوريا، فعمليات القضم المتسارعة في محيط إدلب السورية، كان لها الاثر البالغ على تركيا وأدواتها الارهابية في الشمال السوري، خاصة أن عمليات تسخين الجبهات في إدلب ومحيطها، تتم وفق اسس تكتيكية غابة في الدقة، فـ الجيش السوري يملك من الزخم الهجومي، ما يُمكنه من احداث خرق في خطوط النار، هذا الامر سيشكل رافعة سياسية تُحقق بموجبها ما تم التوافق عليه في استانا وسوتشي، لا سيما ن تركيا ومن خلال مناوراتها السياسية، تحاول عرقلة أي تفاهم سياسي يُفضي إلى تحقيق توافقات سياسية سورية – سورية.

وبناء على ذلك، فقد بات واضحاً أن هندسة الخيارات العسكرية التي يُحققها الجيش السوري، لا تخرج عن تفاهات ضمنة سورية روسية امريكية، وليس مستغرباً أن تكون واشنطن ضمن هذه المعادلة، خاصة أن الوقائع السياسية والعسكرية في سوريا، لم تعد في قدرة واشنطن تغييرها، أو الالتفاف عليها ضمن أي ظرف أو مناخ سياسي أو عسكري.

هذا الادراك الامريكي، تُرجم تفاهمات مع روسيا، الامر الذي يُفسر مقتل العديد من قيادات الفصائل الارهابية في إدلب ومحيطها، عبر عمليات نوعية يقوم بها التحالف الدولي بقيادة واشنطن، كما أن دمشق وموسكو، وفي ذات الاطار، تقوم بعمليات نوعية تُحقق خرقاً واضحاً في صفوف الجماعات الارهابية. وضمن هذه التفاهمات، يبدو أن تركيا تحاول خرقها عبر عمليات تسلل تقوم بها فصائل جبهة النصرة الارهابية بإتجاه مناطق انتشار الجيش السوري، لكن بات من الاستحالة تُركياً ان تتغير خرائط السيطرة العسكرية في الشمال السوري، في ظل المعادلة الاقوى التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه.

صحيح أن واشنطن تُعلن على الدوام، ان تواجدها في سوريا لحماية حقول النفط السورية، ومنع ظهور داعش مُجدداً، لكن الصحيح أن ما يُعلن ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، دليل هذا الامر، أن التفاهمات الروسية الامريكية في سوريا، كانت ولا زالت تتمتع بمستويات عالية من التنسيق والمتابعة، فالطرفان يُدركان بأن قواعد الاشتباك ثابتة، واي تغير في مضمونها، قد يؤدي إلى نتائج غير محمودة للطرفين، أضف إلى ذلك، أن الجيش السوري تمكن من تقويض الخطط الامريكية في الجغرافية السورية، وإلا ما هو تفسير انتشار الجيش السوري في مناطق غادرها منذ ما يُقارب الخمس سنوات، فكل هذه التحركات تندرج حُكماً في إطار تفاهم ثلاثي سوري روسي أمريكي، وتوافق إيراني، وغض طرفٍ تُركي.

أقرأ أيضاً:

"تركيا والإمارات خطوط النار من سوريا إلى ليبيا"

هذه المقاربة سيكون لها انعكاسات سياسية ومثلها عسكرية فيما يتعلق بورقتي إدلب وشرق الفرات، و على اعتبار أن إدلب هي اخر معاقل الارهابين في سوريا، فلها من التركيز والأهمية ما يفوق أي محور ثانٍ، الامر الذي يُدلل وبشكل واضح، أن عمليات تحرير ادلب ستُثير حفيظة الغرب بمُجمله، فالكل بات يعلم أن تحرير ادلب سيؤسس لمرحلة سياسية جديدة في سوريا، عنوانها الاساس انتصار الدولة السورية.

التصعيد في إدلب يحظى بأهمية خاصة ومختلفة عن بقية المناطق السورية، التي استعادَتها الدولة السورية من براثن الارهاب، باعتبارها المرحلة الأخيرة في سلسلة إجراء التفاهمات لإنهاء الصراع في سوريا وعليها، لكن ورغم ذلك، ونطراً للأهمية الاستراتيجية والتأثير الاقليمي لسوريا، ستبقى هناك تفاصيل صغيرة تُعد هامشية في تسوية منتظرة، فالدخول في مرحلة تطبيق الانتصار السوري بأبعاده كافة، سيزيد من تعقيد الحسابات لكافة الأطراف الدولية والإقليمية، فالتسوية السياسية باتت هي الحلّ شبه المؤكّد للحرب على سوريا، لكن في المقابل، من الملاحظ أن غالبية هذه الاطراف تطلب ود دمشق، وتُمهد عبر السياسية للعودة الدبلوماسية إلى سوريا، وهذا ما يؤكد بأن التصريحات السياسية شيء، وتطبيقها واقعاً على الأرض شيء أخر، إذ يُراد من سياق التصريحات ضد دمشق، خفض سقف شروط الدولة السورية، بُغية فتح ابواب دمشق مُجدداً للدول التي ساهمت في الحرب الارهابية على سوريا، وما جُزئية إدلب إلا تفصيلاً في رفع سقف التصريحات السياسية.

كل هذا تُدركه دمشق وموسكو وطهران، من هنا، يمكننا القول، بأن كل المعادلات السياسية والعسكرية التي حققتها الدولة السورية على مدى سنوات الحرب، لا يُمكن بأي حال من الأحوال، اختراقها أو كسرها، الامر الذي يُترجمه السياق العام للتطورات والأحداث، سواء في شرق الفرات وغربه، أو في إدلب ومُحيطها، أو لجهة الاستهدافات المُتكررة للقيادات الارهابية في ادلب، عبر واشنطن، كل هذا يوصلنا إلى نتيجة مُفادها، بأن دمشق تمكنت بصمودها من جذب واشنطن جُزئيا لمعركة محاربة الارهاب بصورته الحقيقة.

في النتيجة، وعلى الرغم من المناخ السياسي بصورته الايجابية، إلا الواقع يفرض التأني والتعمق في قراءة المعطيات الواردة من إدلب، فتركيا وادواتها في حالة تأهب، والجيش السوري وضع كافة السيناريوهات في توقيت ساعة الصفر، وواشنطن تُشارك ضمنياً في استهداف الارهاب القاعدي في إدلب، كما أن روسيا وعبر سلاحها الجوي لا يُغادر أجواء إدلب، وكذا الطيران الحربي السوري يرصد بدقة كافة تحركات الارهابيين على الأرض، في كل هذا من الضروري قراءة هذا المشهد بعين استراتيجية الدولة السورية، فإدلب وفق هذه الاستراتيجية، ستكون مُنطلقاً يؤسس لأبعاد دولية وإقليمية، دمشق عرابتها.

أقرأ أيضاً:

أنباء عن جلسة برلمانية طارئة في ليبيا لطلب تدخل مصر
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق