“تركيا والإمارات خطوط النار من سوريا إلى ليبيا”

تركيا والإمارات خطوط النار من سوريا إلى ليبيا
الدكتور حسن مرهج

مساران ناظمان لجل تطورات المنطقة، أحدهما تركي والأخر إماراتي، فالتوجهات الحقيقة الناظمة لهذان المساران، تنطلق من أبعاد استراتيجية غايتها العبث المنطقة، وإحداث المزيد من التشظي خدمةً للأجندة الأمريكية، فمن سوريا إلى ليبيا، تحاول الدولتان الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من أوراق القوة، لتوظيفها في معادلات تُجيز لهم المزيد من التدخلات، كل ذلك يأتي بالتزامن مع تطورات إقليمية تنطلق من سوريا، لترسم مشهداً عنوانه العريض، عودة دمشق لتكون عاملاً مؤثراً وفاعلاً في مسار أي معادلات ناشئة سياسياً أو عسكرياً.

بصرف النظر عن عناوين الانتصار السوري، لابد من التعمق بمشهد شمال سوريا، والذي يبدو أنه سيكون ساحة لتصفية التوجهات التركية الإماراتية، فالأخبار الواردة من شمال شرق سوريا، تؤكد أن الإمارات تُعزز تواجدها في تلك المنطقة عبر دعم الكرد مالياً، حيث إن المساعدات المالية التي تقدمها الإمارات لحزب العمال الكردستاني واسعة النطاق، لدرجة أنّ حكومة إقليم كردستان اتخذت خطوات لمواجهتها، كما أن الوكالة الأمنية داخل الاقليم قد وضعت تدابير جديدة فيما يتعلّق بالحوالات الماليّة من الإمارات على جدول أعمالها، وبناءً على هذه الاجراءات فإن تحويل أكثر من ألف دولار من الإمارات الى الحسابات المصرفيّة وشركات الصرافة يجب أن تتضمّن لموافقة قوات الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق.

المشهد السابق يعمق الخلاف الإماراتي التركي، وبلا ريب ستنتقل تفاصيل هذا الخلاف إلى عموم ساحات المنطقة، فالتوترات الإماراتية التركية كانت موجودة في الأصل، لكنها كانت باردة على مدى السنوات الماضية، في هذا الإطار، ومع دخول المنطقة عتبة ما يُسمى الربيع العربي، ساد اعتقاد أن المنطقة مقبلة على جُملة واسعة من التوترات تُعمقها وتزيد من سُعارها، تضارب الأجندات ونوعية الاصطفافات السياسية وكذا الدينية، فمثلاً في أعقاب الاضطرابات المصرية التي أسفرت عن تولي محمد مرسي الحكم في مصر، عقب الإطاحة بـ محمد حسني مبارك، برزت مؤشرات تتمحور حول إمكانية أن تغدو تركيا والإمارات شريكان سياسيان وتجاريان مع مصر، لكن بعد ذلك، ومع وصول عبد الفتاح السيسي للرئاسة المصرية، حدثت توترات بين أبو ظبي وأنقرة، واستمرت في التزايد بعد أن دخلت الرياض على الخط المصري، لتتشكل معادلة ثلاثية سعودية إماراتية مصرية، وقد تعززت هذه المعادلة بسبب الخلافات الأيديولوجية بينها وبين الإخوان المسلمين، ومن هذه النقطة، بدأت فترة المنافسة الاستراتيجية بين البلدين، ولكن دعم الإمارات للانقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016 في تركيا زاد من حدّة التوترات بين الطرفين.

أقرأ أيضاً:

سوريا: انفجار قنبلة يحملها أحد الأشخاص في السويداء

في هذا الإطار، أشار وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” بعد فشل الانقلاب في تركيا، إلى الإمارات قائلاً: “نحن نعلم أنّه ثمّة هناك دولة قد قدّمت 3 مليارات دولار لتمويل الانقلاب في تركيا“، كما ازدادت الخلافات بين الجانبين في السنوات الأخيرة خاصة بعد خفض قيمة الليرة التركية، وظهرت أدلّة تشير الى تدخل الإمارات والسعودية في هذا الأمر ما أدّى إلى غضب واستياء أنقرة وأردوغان بشكل متزايد.

لكن في غضون ذلك، كانت هناك أزمة أكثر خطورة بين الإمارات وتركيا بشأن دعم أنقرة لقطر، فبعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية الخمس بقيادة السعودية مع قطر في 5 يونيو 2017 ، أرسلت تركيا في البداية مجموعة من قواتها إلى قاعدة بالقرب من الدوحة، وأيضاً قال أردوغان خلال زيارة لقاعدة عسكرية تركية في قطر أنّ تركيا ستواصل دعم قطر في مختلف المجالات خاصة في المجالين الصناعي والعسكري ، وقد فاقم هذا الحادث أيضاً الخلافات بين الجانبين.

في الساحة السورية، يُمكن النظر إلى التوتر والأزمة التركية الإماراتية، بعين التوجهات الايديولوجية لأردوغان، فمنذ بداية الحرب على سوريا عام 2011، اتبع رئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، استراتيجية لدعم الإخوان المسلمين ومعارضة الحكومة السورية الشرعية، ولكن على مدار السنوات القليلة الماضية اتخذت الإمارات موقفاً مضاداً تماماً لـ تركيا، ونتيجة لذلك، رأينا الإمارات تصف مراراً وتكراراً القوات المدعومة من تركيا بأنها إرهابية وتدعم مواقف الحكومة السورية.

في السياق، فقد كانت الامارات دائماً ما تتخذ موقفاً مُتشدداً من تركيا عقب أي هجوم تقوم به ضد الكرد أو الدولة السورية، لا سيما في معادلات إدلب القادمة، من هنا نرى أن المسؤولين الإماراتيين تحدّثوا عن استعدادهم لتقديم الدعم المالي والسياسي لدمشق، ويبدو الآن أنّ حكومة أبوظبي تتبع استراتيجية أساسيّة حول التطوّرات في سوريا، وهي معارضة لاستراتيجية تركيا في جميع المجالات المتاحة. ولابد من التذكير بأن الإمارات وبضوء أخضر أمريكي وسعودي، عادت لافتتاح سفارتها في دمشق، والشروع الفعلي بتطبيع العلاقات بين البلدين، وعودة الاستثمارات الاقتصادية، وإن كانت عودة خجولة، إلا أنها تؤسس لما هو أعمق من ذلك.

أقرأ أيضاً:

الخلافة العثمانية الجديدة

في الساحة الليبية، يمكننا القول بأن مستوى الخلافات بين نقرة وأبو ظبي في تزايد مستمر، ففي حين تقوم أبو ظبي بدعم خليفة حفتر، تسارع أنقرة لدعم فايز السراج، ما يعني مواقف متضاربة ستنعكس حُكماً على جوهر الأزمة الليبية، حتى بدت الساحة الليبية بين قوتين، وقد أدت أيضاً هذه التوترات، إلى نوع من ثنائية القطب على مستوى الجهات الفاعلة الأجنبية، وعلى هذا الأساس فإن الدول العربية المحافظة، وخاصة السعودية والإمارات، تدعم بقوة “خليفة حفتر” عسكرياً ومالياً في سياق معارضتهم الشديدة للتيار السياسي والفكري للإخوان المسلمين، بينما تركيا، بقيادة أردوغان وقطر، مستعدّة للحفاظ على حكم طرابلس بأي شكل كان، والمثال البارز على ذلك هو إرسال مسلحين من أنقرة إلى طرابلس، وفي ظلّ الظروف الجديدة ، فإنّ الإمارات تواصل دعم حفتر، وتواصل تركيا دعم حكومة فايز السراج، ونتيجة لذلك ، أصبحت العلاقات بين الجانبين متوترة بشكل متزايد أكثر من أيّ وقت مضى.

في المحصلة، فإن الخلافات التركية والاماراتية وعطفاً على التطورات الإقليمية، لا سيما في الساحة السورية، يبدو أن أردوغان قد وصل إلى نهاية الطريق، خاصة أن جُلّ الدول التي وقفت ضد سوريا في بداية الحرب عليها، بينما اليوم تقف معها ضد التوجهات التركية في سوريا، إذ أن تركيا لم تعد خطراً على سوريا فحسب، بل باتت التوجهات التركية خطراً على بنية النظام الإقليمي بشكل عام.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق