تركيا وخيارات الضرورة في إدلب.. وقواعد اللعبة السورية الروسية

كثيرة هي الحقائق السياسة والعسكرية التي فرضتها الدولة السورية على إمتداد الجغرافية السورية، إذ لم يعد مُمكناً السماح بإعادة تفعيل نظريات الاستثمار السياسي في سياق الحرب على سوريا، فالواضح وبشكل جليّ، أن القرار السوري المتعلّق باستكمال تحرير الجغرافية السورية من الإرهاب لا مناص منه، خاصة أن نُسخ أستانا وتفاهمات سوتشي قد شابهما الكثير من التشويش والغموض، إضافة إلى أن الأهداف التركية في سوريا، باتت تستدعي تحرّكاً لجهة إطلاق عجلة العمليات العسكرية التكتيكية، ضمن إطار ترتيب الأوراق السياسية بأثرٍ عسكري. فالتحركات التركية لم تعد تحمل صيغة باردة كما في السابق، لا سيما أن الإصرار التركي على تعقيد الحل السوري عبر جُملةٍ من المُتناقضات في السياسة الإردوغانية، بات واضحاً على الصعيدين السياسي وكذا العسكري، كما أن التصريحات التركية شيء، والقدرة على تنفيذ أيّ تعهّد تركي لجهة الاتفاق مع روسيا شيء آخر، حيث أن تركيا لم تتمكّن عملياً من تنفيذ بنود اتفاق سوتشي الخاص بمناطق منزوعة السلاح، وبذات التوقيت لا يمكن لتركيا أن تحقّق أيّ نجاح من دون جَذْب واشنطن إلى مشهد يُراد منه عقد صفقة تُمرَّر من تحت الطاولة، فـ المنطق التركي يُدرك بأن روسيا لن تخرج من صيغة التفاهمات الإستراتيجية مع سوريا، ولن تكون هناك حلول من دون موافقة سوريّة كاملة، بينما الطرف الأميركي يمتلك هامشاً غير محدود في معايير الصفقات. في هذا الإطار، باتت الوقائع واضحة لسوريا وروسيا وإيران.

تركيا وخيارات الضرورة في إدلب.. وقواعد اللعبة السورية الروسية

وعليه لا بد من إطلاق أبجديات العمل العسكري الواسع، المؤطر بتفاهمات استانا وسوتشي، فروسيا وإيران لا تريدان اسقاط جوهر التفاهمات مع تركيا، لكن بات من الضروري الالتفاف على المحاولات التركية الرامية إلى قلب معادلات الميدان، والعبَث بخارطة السيطرة العسكرية التي فرضها الجيش السوري.

أقرأ أيضاً:

  لماذا اتصل محمد بن زايد بالرئيس الأسد؟

أردوغان الذي وضع نفسه في مأزق استراتيجي هو الأكثر تعقيداً في خارطة تدخلاته في سوريا، وباتت الضغوط عليه تُشكل معادلة بأبعاد ثلاثية، فروسيا شريك استراتيجي للدولة السورية، ولا يُمكنها العبث بمضامين هذه العلاقة بُغية الحفاظ على تركيا كشريك في نُسخ أستانا وسوتشي، ومثلها إيران التي باتت ترى أن المناورات التركية تُهدّد وبشكلٍ مباشرٍ ما تم تحقيقه سورياً، يُضاف إلى ذلك، أن التعويل التركي على الفصائل الجهادية لم يُحقق أي مكاسب سياسية أو عسكرية، بل على العكس، فقد اصبحت الفصائل الإرهابية تُشكل تهديداً جدياً على الأمن القومي التركي.

ضمن الضغوط الخانِقة التي يُعاني منها أردوغان، باتت الخيارات التركية تعتمد على رفع سقف التهديدات حيال التحركات السورية في إدلب، فالمعارك العسكرية التي وصلت رسائلها لأردوغان، شّكلت في فواعلها ضغطاً سياسياً وعسكرياً أدخلته في غيبوبة الأمر الواقع، مع الوصول إلى مرحلة انعدام الخيارات السياسية وتأطير الخيارات العسكرية.

في هذا الإطار. يقوم أردوغان بسيناريو “التصعيد من أجل التهدئة”، خاصة ان خياراته السياسية والعسكرية في سوريا، باتت مؤطرة بالكثير من التحديات الاستراتيجية، على رأسها وفي مقدمتها قدرة الدولة السورية وجيشها، على تعديل موازين القوى في رقعة الشطرنج شمال شرق سوريا، إضافة إلى أن قواعد اللعبة في الجغرافية السورية باتت بتوقيت دمشق في المضمون والأهداف. في مقابل ذلك، هناك جُملة من التساؤلات التي تأتي في سياق التطورات شمال شرق سوريا، فهل يقنع أردوغان نظيره بوتين بقدرته على صوغ إتفاقيات جديدة، أو إعادة تفعيل العمل ببنود تفاهمات سوتشي؟، وهل يتعين على روسيا التعامل معه مُجدداً بصرف النظر عن مدى جدية نواياه؟.

في ظل الكثير من التساؤلات التي تؤطر المناخ المتوتر في شمال سوريا، فإنه من غير المرجح أن تؤدي التوترات في إدلب إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق بين تركيا وسوريا، أو تدهور العلاقات الروسية التركية إلى الحد الذي كانت عليه هذه العلاقات عقب إسقاط الطائرة الروسية. ومع ذلك، فمن الواضح أن نقاط الألم التركية لن تبقى في الظل، وإن حظيت باهتمام متواضع في العلن، إلا انه سيتم احتوائها من قبل روسيا، لكن احتواء سيكون حُكماً ضمن توقيت دمشق.

أقرأ أيضاً:

  حكاية من حكايات التأريخ المنسيّة!

إن أهمية تركيا بالنسبة لروسيا كبيرة بما فيه الكفاية، على الرغم من انخفاضها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة. فقد أطلق “السيل التركي” مؤخرا، إلا أن تركيا خفضت من استيرادها للغاز الروسي لعام 2019 بشكل كبير. كذلك أجبر تأخير تنفيذ خط “السيل الشمالي-2″، روسيا على تمديد اتفاقها مع أوكرانيا بشان نقل الغاز الروسي إلى أوروبا لخمس سنوات، بشروط مواتية تماما لأوكرانيا، وهو ما يقلل من أهمية “السيل التركي” كمصدر للدخل بالنسبة لروسيا. وفي نهاية العام سوف يتم الانتهاء من “السيل الشمالي-2″، وهو ما سيقلل من دور تركيا كممر لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا.

في المحصلة، هواجس كثيرة تُحيط برئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، فما بين التغييرات الجيوسياسية ذات التكاليف الباهظة لجهة العلاقة مع روسيا، وبين التهديد بفقدان صفة الضامن في تفاهمات أستانا جراء نسق سياساته في سوريا، يقف أردوغان حائراً مكبلاً أمام المنجزات السورية في إدلب وريفها.

وضمن ما سبق من معطيات، تبقى دمشق عرابة لجُلّ المسارات السياسة والعسكرية شمال شرق سورية، خاصة أن الجيش السوري وجه ضربات متعددة المضمون والأهداف لـ تركيا، فضلاً عن إستعادة مناطق غاية في الأهمية والحيوية، ووضعت ما تبقى من بيادق أردوغان في حدود جغرافية ضيقة، ما يعني وبالمنطق الإستراتيجي للدولة السورية، أن مشروع الحلم العثماني في شمال شرق سوريا قد تم تقليم أظافره، فضلاً عن هندسة واقع سياسي واقتصادي، عبر عودة الطرق الدولية وإعادة إحياء الاقتصاد السوري. لكن ورغم ذلك، تُدرك الدولة السورية أن حجم التناقضات الدولية والإقليمية حيال الشأن السوري، تبقى في ماهيتها بوابة لتعقيدات وتحديات قد تطول أو تقصر.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق