تشكيلة الحرب الأهلية.أخطاء بالجملة لسلام.. ورسائل واضحة.. وسليمان لتمام لن أوقّع على تشكيلة فتنة

الأخبار – السفير –

أشار ناصر شرارة في جريدة الأخبار الى أنّ أحداث الليلة التي بادر فيها الرئيس المكلّف تمام سلام إلى الاتصال بالرئيس بري كان قد سبقه وصول رسائل إليه من «8 آذار»، وقال: الانطباعات عن تطورات الأسبوع الاول من عمر تكليف الرئيس تمام سلام تأليف الحكومة، «كارثية». والأكثر نفوراً فيها أن سلام تعامل مع مهمته على أنها لعبة انتقاء أسماء غير مستفزة وليست عملية سياسية، مقدماً تشكيلة إلى رئيس الجمهورية ليوقّع عليها من دون مشاورة أحد.

طوال اليومين الأخيرين، كان شغل رئيس الحكومة المكلف تمام سلام الشاغل استدراك أخطائه في الاسبوع الماضي، وأبرزها ذهابه الى قصر بعبدا لتقديم تشكيلة التكنوقراط الأربع عشرية إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان. لقد أوفد الرسل بينه وبين قوى وازنة في 8 آذار ذهاباً وإياباً مرات عدة لينقلوا نفيه الخبر، وأنه لم يفعل سوى الحديث عن ملامح الحكومة. وفي كل مرة كان الرسل يعودون إليه بإجابة تصرّ على أنه قدم التشكيلة.

 في أروقة قصر بعبدا، أصبحت تفاصيل زيارة سلام شائعة. وتؤكد المصادر أن سلام قدم لسليمان تشكيلة الـ14. سأله الأخير: «هل شاورت المكونات السياسية في أسمائها؟». أجابه بالنفي. استدرك سليمان: «أقله هل شاورت حليفي وليد (جنبلاط)؟». أيضاً رفع سلام كتفيه علامة النفي. وانتهى اللقاء بتمنّ لسليمان على «تمام بك» التريث.

في اليوم نفسه هاتف رئيس الجمهورية جنبلاط. نقل إليه رؤوس أقلام عن مضمون زيارة سلام له، واتفقا على أن يرسل إليه جنبلاط، للتو، الوزير وائل أبو فاعور. وعندما قرأ الأخير أسماء تشكيلة سلام قال لسليمان: «إنها مشروع حرب أهلية». إثر ذلك عاود سليمان الاتصال بالرئيس المكلف، وأبلغه أنه لن يوقّع على تشكيلته لأنها قد تسبّب فتنة. وقال له سليمان: «إنك تحتاج إلى وقت تصرفه في الاتصال بالقوى السياسية كافة حتى يمكنك الخروج بتشكيلة وزارية آمنة».

خلوة تأمل
ليل الجمعة الفائت الذي شهد التطورات الآنفة، كان سلام يقلّب ردود فعل رئيس الجمهورية وجنبلاط على تشكيلته بقلق. ثم استقر قراره على أن يقضي نهار السبت في التأمل والتفكير في ما يجب عمله. ثمة نصيحة وردت اليه، لفتته الى الاستعانة برئيس المجلس النيابي نبيه بري.

أخذ سلام بالنصيحة، وجرت اتصالات بين المصيطبة وعين التينة، انتهت باتفاق على الاجتماع الذي حصل أول من أمس في المصيطبة بين الرئيس المكلف وبين وفد من قوى 8 آذار ضم الوزيرين علي حسن خليل وجبران باسيل والنائب هاغوب بقرادونيان والوزير السابق يوسف سعادة والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين خليل. المعلومات عن الاجتماع امتدحته بالشكل. كان لافتاً لجهة ما شابه من تبادل اللياقات والهدوء الذي ساد نقاشاته. لكن في المضمون كانت النتيجة «صفراً».

كرر سلام طرحه بأنه يريد حكومة تكنوقراط مصغرة. وزراؤها ليسوا مع أحد، ولا تضم حتى المحسوبين عليه، ومهمتها إجراء الانتخابات، ولا يطول عمرها أكثر من ثلاثة أشهر. ثم طلب منهم أن يساعدوه في تشكيلها. سأله محادثوه: «ومن يضمن أن تجري الانتخابات في غضون ثلاثة أشهر؟ وكيف تريد مساعدتنا في تشكلية قد تهز الاستقرار في لبنان؟». ثم أبلغوه أن المطلوب حكومة سياسية ووزراءها مرشحون إلى الانتخابات، لأن المطلوب أن تكون قادرة على مواجهة تحديات تداعيات الازمة السورية على لبنان، ومخاطر تفعيل «القاعدة» لنشاطها في لبنان أو حصول عدوان إسرائيلي. باختصار مطلوب حكومة تستطيع تدعيم الاستقرار والسلم الاهلي في البلد.

ليلة الرسائل
خلال الليلة التي بادر فيها سلام إلى الاتصال ببري، كان قد سبقه وصول رسائل إليه من «8 آذار» وإلى رئيس الجمهورية وجنبلاط، تحذّر من مغبة الخطوات الناقصة في مقاربة تشكيل الحكومة. بدا أن لهجة هذه الرسائل مرشحة للارتفاع فيما لو استمر سلام بانتهاج تكتيك عدم التشاور مع أي طرف بخصوص التشكيلة الحكومية. لكن الفكرة الأساس التي لم تصل إلى سلام حتى الآن هي أنه لا يكفي انتقاء أسماء غير مستفزة لأحد لنجاح مهمته وقبول القوى السياسية بالحكومة، بل المطلوب مراعاة أن تشكيل الحكومة هو عملية سياسية بامتياز وليست مجرد انتقاء لأسماء محسوبة نفسياً على هذا أو ذاك. ويبدو أن سلام لم يقتنع بهذه الفكرة حتى الآن. فهو في مجالسه الخاصة يصرّ على منهجه في مقاربة مهمته، وهو يتكون من ثلاثة عناصر:

الاول، تنفيذ ما يقوله الطائف والدستور في هذا المجال. والترجمة العملية هي قيامه من جانب واحد ومن دون تنسيق وتفاوض مع القوى السياسية بانتقاء أسماء تشكيلته، ثم عرضها على رئيس الجمهورية للتوقيع عليها، وبعد ذلك تقول القوى السياسية عبر ممثليها في البرلمان رأيها فيها إما بمنح الثقة أو بحجبها.

الثاني، تجنّب أن تستغرقه اللعبة السياسية المحلية وتجاذباتها. وهذا ما دفعه إلى خيار تشكيل حكومة تكنوقراط ذات أسماء غير مستفزة.

الثالث، إعطاء المثل للقوى السياسية، انطلاقاً من أنه لن يبيح لنفسه ما سيمنعه عن الآخرين. وتنقل أوساطه عنه شرحه لهذا بقوله إنه «سيمتنع عن ترشيح محمد المشنوق المعروف بصلته به، وسيبحث عن اسم أقل وضوحاً في علاقته به. وهذا الامر سيمارسه حتى على رئيس الجمهورية، إذ سيمتنع عن تسمية وزير محسوب عليه كالوزير السابق ناجي البستاني. فالمطلوب شخص ليس بهذا الوضوح لجهة علاقته بقصر بعبدا».

 بري: قانون انتخاب أولاً
نصيحة «الاستعانة بصديق ماهر»، أي الرئيس بري، أنتجت أول لقاء بين الرئيس المكلف وممثلي قوى 8 آذار. وفيما يصر متابعون على أن نتيجته هي صفر، فإن البعض يميل إلى الاعتقاد بأنها فوق الصفر بقليل. وبرأيه، فإنه بمجرد انتهاج الرئيس المكلف لسلوك التشاور بشأن تشكيل الحكومة، هو تقدم في كسر أجواء التشنج التي سادت خلال الاسبوع الماضي، والناتجة من إدارة ظهر سلام لفكرة التشاور مع قوى 8 و14 آذار، ما عدا الرئيس فؤاد السنيورة الذي بدا أنه هو من يشكل الحكومة السلامية.
نصيحة أخرى وصلت إلى سلام خلال اليومين الماضيين، تقول إنه إذا كان لا بد من التنسيق تحت الطاولة مع تيار المستقبل خلال مرحلة تشكيل الحكومة، فالأجدى به أن ينسق مع النبع مباشرة، أي الرئيس سعد الحريري، وليس مع وكيل الأخير في البلد فؤاد السنيورة.
خلاصة القول، إن النصائح انهالت على رأس سلام خلال اليومين الماضيين بغزارة، والسبب هو انتشار مناخ بأن الرئيس المكلف سلك أسرع طريق يوصل الى الحائط المسدود، بل أكثر من ذلك الى جعل «كل البلد يصطدم بالزجاج». ولكن بين كل هذه النصائح يستطيع سلام الآن استعادة ملاحظات كان سمعها من الرئيس بري أثناء لقائهما في أول جلسة استشارات بعد التكليف. قال له بري: «إذا كان المقصود هو تأليف حكومة وحدة وطنية، فإنه لن يكون بالإمكان تشكيلها قبل إنتاج قانون انتخاب جديد». لم يقل بري لسلام إن هذا الشرط ينطبق أيضاً على تشكيل حكومة تكنوقراط. ربما بري ترك مساحة من «الغموض البناء» أمام سلام ليكتشف في الايام المقبلة المغزى السياسي لملاحظة طبّاخ الأزمات اللبنانية.

وكتب نبيل هيثم في جريدة السفير، تحت عنوان «8 آذار» مطمئنة لموقف جنبلاط وحكومة الأمر الواقع: إلى «الستين» در!

أحرج علي حسن خليل الرئيس المكلف تمام سلام، بطلب موعد له ولرفاقه الأربعة: حسين خليل وجبران باسيل وهاغوب بقرادونيان ويوسف سعادة.. وانتهى لقاء التسعين دقيقة كما بدأ. مجاملات. كلام هادئ. مصارحة متبادلة والمحصلة تمسك الرئيس المكلف بما هو مصمم عليه، فلا مكان، في قاموسه، لحكومة سياسية كتلك التي تطالب بها الأكثرية السابقة. عينه على حكومة غير مرشحين حيادية، تضم أسماء غير استفزازية أو حزبية، ولا شراكة لأحد معه في هذا الحق الدستوري، ولا تشاور مسبق مع أحد في الأسماء، وما يسري على «8 آذار» يسري على «14 آذار».
تمام سلام يعتبر أنه قال ما عنده والكرة في ملعب مكونات الأكثرية السابقة، وهؤلاء يرددون أنهم قالوا ما عندهم وان الكرة ما زالت في ملعب من يحاول ترسيخ قاعدة مستفزة للقوى السياسية بقوله لها: «أنا أسمي لكم.. أو أرسلوا أسماءكم وأنا أختار منها».

لم يتغير الانطباع الذي كان مترسخا قبل الزيارة. سلام ذاهب نحو مغامرة حكومة الأمر الواقع برغم كل النصائح والإشارات المسبقة، من دون حسبان الـ58 صوتاً التي وضعت في سلة التكليف، وهي إيجابية «بدت وكأنها شيك بلا رصيد».
وبرغم الأجواء التي يشيعها «تيار المستقبل» بأنه مطمئن لموقف وليد جنبلاط بالسير بحكومة حياديين، ثمة من تحدث مع الأخير الموجود في لندن، وسمع منه ما مفاده أنه لن يسير بأي حكومة مستفزة لأي طرف.

ما جرى في الساعات الأخيرة يطرح أسئلة كثيرة:
ــ هل التوجه لحكومة أمر واقع من ضمن سيناريو معد سلفا وقبل التكليف ويستبطن نية الاشتباك مع الآخر، خاصة أنه يعرف أن حكومة كهذه مرفوضة سلفا من «8 آذار»؟

ــ هل الإيجابية التي أظهرها نواب «8 آذار» بتسميتهم سلام في استشارات التكليف، فاجأت فريقه الذي راهن على سلبية خصومه، بما يجعله يذهب الى تشكيل حكومته التي يريد فرضها أمرا واقعا متحللا من أي إحراجات أو أي التزامات حيال الطرف الآخر؟

ــ هل سينجح الأمر الواقع الذي يراهن عليه سلام، ام ان التوازنات الداخلية ستعيده الى منطق الواقعية الذي لا يمكن تجاوزه؟

ــ اذا كان سلام يرفض التشاور حول الأسماء، فلماذا بادر شخصيا وقبل التكليف الى الاتصال ببعض القوى الأساسية في «8 آذار» طالبا دعمها وعدم وضع «فيتو» على اسمه، ولماذا يقبل التشاور في ما يعنيه، ويرفضه في ما يعني غيره؟

ــ هل يسري رفض التشاور بالأسماء على رئيس الجمهورية وجنبلاط، وهل صحيح أن بعض السفارات الغربية طلبت أسماء بعينها، وإن صح ذلك، فهل يجوز التشاور مع السفراء ولا يجوز التشاور مع الشركاء؟

ــ هل السعودية راضية عن التوجه نحو حكومة أمر واقع، وإن كانت غير راضية، فلماذا لا تتدخل لتسهيل التأليف بالشكل الذي يؤدي جديا الى حماية الاستقرار؟
ــ لنسلّم أن الرئيس المكلف يفضّل حكومة حيادية من خارج الاصطفافات السياسية، فهل الرئيس المكلف نفسه حيادي، وألا ينتمي شخصيا الى فريق سياسي رشحه رسميا لرئاسة الحكومة من بيت رئيسه سعد الحريري؟

ــ هل يستبطن الإصرار على حكومة أمر واقع، الهروب المسبق من ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة في البيان الوزاري؟

ــ ألن تقضي حكومة الأمر الواقع على مناخ التفاؤل الذي رافق التكليف، وماذا يضمن ألا تؤدي لإشعال كل بؤر التوتر وربما فتح بؤر جديدة؟

ــ ماذا لو استقال بعض وزرائها فورا، وباتت حكومة فاقدة لميثاقيتها، فكيف ستصل الى المجلس النيابي لنيل الثقة؟

ــ يسمي تمام سلام اللحظة الحالية بأنها لحظة انتخابات، أفلا تقضي حكومة الأمر الواقع كالتي يسعى اليها على إمكانية الوصول الى قانون انتخابي متوافق عليه، وهل المقصود من حكومة الأمر الواقع هو الوصول الى التعطيل والفراغ، أم جعل «قانون الستين» أمرا واقعا يتلازم مع تشكيل هيئة الإشراف وتحديد المهل الجديدة والذهاب الى انتخابات سريعة ولو بتأجيل تقني لشهر أو شهرين؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock