تشیخوف راوي حکایات الشعب الروسي

الکتابة و التحقیق: حسام مین باشي
خاص

یحصل المرء علی الهدوء و السعادة عندما یدرک حقیقة حیاته و یجد اسباب مخاوفه ویری سبل الوصول إلی التوفیق .و الادب هو فن عریق یساعد الانسان لادراک الحقائق و یقدّم له تجارب ثمینة عن اسلافه وکیفیة تصرفاتهم و النتائج التي أخذوا بما کانوا یعملون.

یحتل الادب الروسي مکانا رفیعا في عالم الآداب الذي یحکي قصص تکوین الشعب الروسي و مسیرته و مصائب و معاناة ابنائه. ویتمیز خبرة الادباء الروس مثل تولیستوي و تورغینیف و شولوخوف و تشیخوف بسرد روایات و قصص لطیفة وذات مفاهیم عمیقة التي مازالت تجذب اعتناء ورغبة العدید من القراء في العالم.نحن في المقال الحاضر حاولنا ان نستعرض السیرة الذاتیة ومسرحیات و الاسلوب القصصي للکاتب الشهیر الروسي أنطوان تشیخوف الذي یعرفونه القراء العرب بکتب مثل “العنب الغربي” و “موت موظف” و”جزیرة ساخالین” و مسرحیات مثل “الخال فانیا” و “بستان الکرز” و” الاخوات الثلاث”.

السیرة الذاتیة لتشیخوف

أنطوان بافلوفیتش تشیخوف
أنطوان بافلوفیتش تشیخوف

ولد أنطوان بافلوفیتش تشیخوف یوم 29 ینایر 1860 في میناء صغیر علی بحر أزوف یسمی تاغانروغ جنوب روسیا ، ابنا لتاجر و حفیدا لقن أشتری حریته من ماله . دخل انطوان مدرسة یونانیة للصبیان ثم ارسلوه الی مدرسة جیمنازیوم(مدرسة یتلقی الطلاب فیها التعلیم الریاضي و التعلیم الرسمي معا) لکنه لم یحقق نجاحا في موضوع النشاط و الریاضة فحسب بل اشتهر بتعلیقاته الساخرة ومزاحه علی زملائه و الاساتذة وانه کان یتمتع بشعبیة واسعة بین زملائه في المدرسة الذین کانوا یحبون الاستماع الی قصصه الهزلیة .

في عام 1876 غادر والد تشیخوف تاغانروغ الی موسکو بعد افلاسه في التجارة لکي یتجنب حبسه لکن بقی تشیخوف في تاغانروغ لثلاث سنوات اخری و نجح کمدرس خصوصی و بائع الطیور و کان یرسل کل روبل من الذي استطاع ان یدخره الی موسکو. أتم تشیخوف تعلیمه في عام 1879 و انضم لعائلته في موسکو بعد قبوله في کلیة الطب بجامعة موسکو و قال فیما بعد « لاریب ان دراستي للطب کان لها اثرکبیر في انشطتي الادبیة» وفي ال20 من العمر أرسل نصوصه الی الصحف مما ادخل بضع روبلات الی جیبه او بالاحری في اقتصادیات العائلة. في عام 1884 تخرج کطبیب و قد احرز القلیل من المال من هذه الوظیفة و کان یعالج الفقراء مجانا لکنه کان قد بدأ الکتابة في المجلات الهزلیة منذ 1882 و في هذه الایام کان یکتب لمجلة سبوتنیک الفکاهیة الشهیرة . في عام 1887 فازت مجموعة تشیخوف للقصص القصیرة “في الشفق” بجائزة بوشکین لافضل انتاج أدبی المتمیزة بقیمة فنیة عالیة. بعد ثلاث سنوات سافر تشیخوف الی جزیرة ساخالین الروسیة شمال یابان لیکتب کتاب عن احوال السجناء الروس فقام باجراء مقابلات مع آلاف من محکوم علیهم .کانت الحصیلة نشر کتاب جزیرة ساخالین لتشیخوف و کان له التأثیر في اصلاح السجون في روسیا القیصریة.

في مایو 1901 تزوج تشیخوف من اولغا کنیبر فنانة مسرح موسکو لکن حالته الصحیة تدهورت و اجبرته علی انطلاق مع زوجته باتجاه مدینة بادین فایلر الالمانیة و تشیخوف الذي کان یعاني من السل الرئوي منذ الناشئة ، توفی یوم 15 من یونیو سنة 1904.

الاعمال الادبیة و مسرحیات و اسلوبه القصصي

أنطوان بافلوفیتش تشیخوف مع عائلته
أنطوان بافلوفیتش تشیخوف مع عائلته

کانت اولی قصص تشیخوف بعنوان “رسالة الی جار متعلم ” (سنة 1880) لکن ما رفع مکانة تشیخوف الادبیة عند الادباء و القراء الروس في بدایة کتابته کان نشر کتاب “قصص موتلي ” في عام 1885 االذي جلب دعم الادباء و النقاد الروس وساعده کثیرا في ارتقاء مستوی اعماله.أظهر تشیخوف قدر کبیر من جودة تخلیه الناضجة في کتاب “السهوب” و احرز تقدما مهما فیه. دخل تشیخوف عام 1896 في مجال اعداد مسرحیات و کتب مسرحیة ” النورس” لکنها فشلت و قرر تشیخوف أن لا یکتب مسرحیة اخری لکن نجاح المخرج الروسي الشهیر ستانیسلافکسی في إخراج مسرحیة “نورس” في عام 1898 شجع تشیخوف للعودة الی کتابة مسرحیات جدیدة :اهمها “الخال فانیا” و”الاخوات الثلاث” و” بستان الکرز”.

کانا الشعر و الروایة النمطین الادبیین السائدین في روسیا عندما بدأ تشیخوف یکتب القصة القصیرة و المسرحیة و لذلک یعتبر تشیخوف رائدا في کتابة القصة القصیرة و المسرحیة في الادب الروسي . ویلجأ تشیخوف احیانا الی استخدام الاسلوب الساخر ،وهذه السخریة لیست بهدف التسلیة أو تخفیف من حدة التوتر کلما بلغت الاحداث ذروتها .انما هي سخریة تهدف إلی الکشف عن العیوب الإجتماعیة فهو یحاول أولا و أخیرا اصلاح مجتمعه سواءً باسلوبه الجاد أو باسلوب ساخر.ومع تقدم تشیخوف في فنه القصصي لم یعد الهزل اطارا للموقف من الحیاة في قصصه کما کان الامر في المراحل الاولی . و في السنوات الاخیرة رکز تشیخوف علی تصویر الوحدة و الانعزال و الخوف من الحیاة “کما في قصة “قضیة صعبة”. و في قصة “الفلاحون” یأخذنا الکاتب إلی الاریاف ، و هنا تُبرز المادیة و الجشع کاسلحة یستخدمها الاقویاء ضد المستضعفین.فنلاحظ في قصص تشیخوف أن الشخصیات تتمیز بالتقلب و الانانیة و بالرغم من أن تشیخوف کان میّالا إلی التشاؤم فقد کان مع ذلک مؤمنا بإمکانیة تحقیق تقدم ،و کان یشفق علی شخصیاته الیائسة فاوجد فیها بالرغم من کآبتها شوقا إلی حیاة افضل.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock