تصعيد امريكي خليجي ضد إيران .. بإطار صهيوني

تطورات متسارعة على وقع معادلات التصعيد التي تُهندسها واشنطن و ادواتها في المنطقة، حيث أن المعادلات السياسية و العسكرية التي أسستها الإدارة الأمريكية على مدار عقود خلت، قد تغيرت، هذا التغير انطلق من بروز قوى إقليمية جديدة، شكلت عائقً استراتيجياً أمام المخططات الصهيو أمريكية في المنطقة، إضافة إلى المتغيرات الدراماتيكية التي شهدها مسرح الشرق الأوسط، و التي أدت بدورها إلى تشكيل إصطفافات إقليمية، جاءت كنتيجة منطقية لجملة واسعة من التعقيدات و التغيرات التي أثرت بشكل فاعل على المسارات السياسية و العسكرية في الشرق الأوسط، و بالتالي لا يمكن بناء أي نظريات سياسية جديدة دون الأخذ بعين الاعتبار تعاظم قوة محور المقاومة ككل، و عليه فإن حالة الكباش السياسي بين واشنطن و محورها من جهة، و بين أركان محور المقاومة من جهة أخرى، يأتي في سياق لعبة المناورات السياسية، دون الابتعاد عن كينونة الحسابات الاستراتيجية لكلا الطرفين، و يُضاف إلى هذه المعطيات البُعد الاستراتيجي للكيان الصهيوني و هواجسه، و بحثه المستمر عن فواعل تُشكل بواعث قلق مستمر لدى محور المقاومة، لكن النظريات الاسرائيلية التي تُحرك واشنطن و أدواتها في المنطقة، لم تستطع أن تُأسس لمعادلات من شأنها تحجيم قوة محور المقاومة، بل على العكس، فقد شكلت إيران و سوريا و المقاومة اللبنانية، معادلة ردع حقيقي لا يمكن اختراقها أو ضعضعة بنيانها، و هذا ما بدا واضحا في خطاب سماحة السيد حسن نصرالله في يوم القدس العالمي، إذ قال” محور المقاومة اليوم اقوى من اي وقت مضى بينما في الجبهة الثانية اول من فيها اسرائيل التي هي اضعف واقل قوة من اي زمن مضى”، بناء على ذلك، فإن النتائج واضحة لجهة التصعيد الأمريكي الاسرائيلي الخليجي ضد إيران الركن الأساسي في بنيان محور المقاومة، و لا يمكن تفسير هذا التصعيد إلا قلقاً اسرائيلياً من أي تسوية مقبلة مع إيران، تُصيب مقتلاً في جسد الكيان الاسرائيلي المتهالك.

العقيدة الأمنية الإسرائيلية تعتمد على تعزيز قوة الردع وفقًا للظروف الجيوسياسية المتعلقة بضعف العمق الاستراتيجي لإسرائيل، وتكوين شراكات مع الدول العربية في المنطقة، عوضًا عن استخدام الحرب الوقائية للدفاع عن أمنها القومي، ونقل المعركة إلى خارج الحدود الإسرائيلية، لكن برزت العديد من المتغيرات الإقليمية التي من شأنها اختبار العقيدة الأمنية الإسرائيلية وعلاقاتها الخارجية، بما يستدعي الوقوف عند حدود هذه العقيدة ومدى نجاحها، فإلى جانب العقيدة العسكرية الإسرائيلية، برزت الاستراتيجية السياسية الإسرائيلية التي تأتي انعكاسًا للاستراتيجية العسكرية والتي عُرفت بعقيدة الطرف أو تأمين المحيط الخارجي لإسرائيل، و بالتالي فإن شبكة العلاقات الاسرائيلية الخليجية المصرية و الأردنية، تأتي ترجمة حقيقية لـ عقيدة الطرف الإسرائيلي، فالنظرية الإسرائيلية لا يُمكن تحقيقها دونما أدوات تعمل على تنفيذها، فحين تقول اسرائيل بأن إيران تُشكل تهديداً وجودياً عليها، فهذا يعني حُكماً بأن إيران تُشكل عائقاً أمام المخطط الاسرائيلي في المنطقة، و مع وجود إدارة ترامب المؤيدة لتطلعات و أهداف الكيان الصهيوني، بات المشهد أكثر وضوحاً لجهة التصعيد الأمريكي الخليجي و الاسرائيلي ضد إيران.

ما بين الضغط و الحشد تأتي قمم مكة الثلاث ترجمة فعلية للهواجس الإسرائيلية، لكن في المقابل، يبدو أن التوقيت السياسي لهذه القمم جاء متناغماً مع الأجواء المشحونة التي تسعى كل من اسرائيل و السعودية إلى تسعير الخلافات بين واشنطن و طهران، بُغية دفع التطورات بين البلدين إلى حافة الهاوية العسكرية، لكن السيناريو الأقرب إلى الواقع المُعتمد على جملة واسعة من المعطيات، يؤكد بأن الأكثر رجحاناً هو سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى صفقة شاملة مع إيران، لكن يبدو أن أقصى درجات الضغوط السياسية و الاقتصادية و حتى العسكرية، لم تُفلح بجذب إيران إلى طاولة المفاوضات التي هيأها ترامب لجهة البحث عن مخارج سياسية للأزمة التي وضعت ترامب في أعلى الشجرة، و بات يبحث عن وسيلة تُبقي خيوط اللعبة النووية و اتفاقها في يديه، فـ حتى الأن لم تحُقق السياسة الأمريكية أية نتائج تُذكر لجهة جذب الإيرانيين، فالعقلية الأمريكية المضطربة ترامبياً، لا تتناسب و واقع الحال الذي يستحوذ عليه الإيرانيين، فهم من القوة بمكان يُمكنهم من فرض رؤيتهم في الزمان و المكان المناسبين، مع إدراك كامل من قبل القيادة الإيرانية بأن الولايات المتحدة الأمريكية و ترسانتها العسكرية غير قادرة على شن حرب ستكون الخسائر فيها بعيدة كل البعد عن أي نتائج مرجوة أمريكياً، و لعل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي قد أختصر بجملة واحدة كل السيناريوهات التي روجت لها واشنطن و محورها بقوله : ” لا حرب ولن نفاوض “، و بالتالي بات من الطبيعي أن تتمخض القمة العربية الطارئة في مكة عن قرارات تُدين ايران و سياستها في المنطقة، فالبيت الخليجي مُهدد بالسقوط في ظل الأوضاع السياسية و التوقعات التي قد تُسفر عن سيناريوهات عدة، بالتزامن مع فشل خليجي لإمكانية تشكيل قوة عسكرية عربية كقوة ردع إقليمية لمواجهة الطموحات الإيرانية في إطار سياسة توازن القوى.

ضمن ما سبق من معطيات، بات واضحاً أن اسرائيل تسعى لتوريط ترامب و أدواته الخليجية في حرب إقليمية ضد إيران، فضلا عن هدف استراتيجي اسرائيلي بعيد المدى يُسفر عن تشكيل ناتو عربي لمواجهة إيران، و تكون اسرائيل عرابة هذا الناتو في أهدافه و توجهاته، إذ أن اسرائيل لا تستطيع الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران قد لا تُحقق السيناريوهات المطلوبة اسرائيلياً، فـ إسرائيل لا يمكنها التسليم ببقاء مثل هذه القوة الإقليمية المؤثرة و الفاعلة في مسارات الشرق الأوسط كافة، وستسعى جاهدة إلى التخلص من إيران و بأقل التكاليف، خاصة أن بؤرة الحرائق التي بدأت تخبو في سوريا و اليمن و العراق، ستؤدي إلى حسم الكثير من المعطيات في المنطقة، و بالتالي لابد من استغلال حالة الفوضى القائمة و استثمارها اسرائيلياً لتحقيق خطوات متقدمة ضد إيران، فهي فرصة قد لا تتكرر خاصة أن قوة محور المقاومة في تعاظم مستمر.

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock