تقرير استهداف المخيمات وتهجير سكانها في ميزان المشروع الصهيوني

في النظرة إلى واقع المخيمات والتجمعات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، نكاد نكون أمام مشهد متشابه إلى درجة التطابق. وعندما ندعو القيادة السياسية الفلسطينية إلى التعاطي مثلا مع أزمة مخيم اليرموك في سوريا أو أزمة مخيم نهر البارد في لبنان وأيضاً مع مخيمات قطاعات غزة باعتبارها قضية وطنية كبرى، لا يعني ذلك أننا نقلل من أهمية ومحورية القضايا الأخرى. بل لأن بعض هذه التجمعات، وربما جميعها، عرضة لمخاطر وطنية كبرى تتخطى، بتداعياتها، الوقائع الجغرافية لتطال المشروع الوطني برمته، وينذر استمرارها بمزيد من المآسي على مختلف المستويات، ما يفرض على القيادة السياسية، وربما على كل الحالة السياسية الفلسطينية كلها، نظرة أكثر شمولية في التعاطي مع واقع هذه التجمعات.

وإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلا، وتحديداً إلى المرحلة التي أعقبت اللجوء الفلسطيني الأول إلى الدول العربية المضيفة، نجد أن اطلاق صفة المخيم على التجمعات الفلسطينية التي أقيمت في تلك المرحلة في أماكن اللجوء الأول في لبنان وسوريا والاردن، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ليكون شاهداً حياً على المأساة التي حلت بالجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني، وعلى ديمومة القضية الفلسطينية من خلال المخيمات القائمة. لذلك، كان الشعار: إن المحافظة على المخيمات وتحسين بنيتها التحتية يشكل في الآن ذاته صيانة للهوية الوطنية الفلسطينية، لما تمثله هذه المخيمات من رمز لذلك، والعكس صحيح، إذ إن استهداف المخيمات سواء من خلال تدميرها أو تهجير سكانها وبعثرتهم ودمجهم بالمحيط، فلن يكون سوى شكل من أشكال التوطين واستهداف لأحد أهم المرتكزات التي يستند إليها حق العودة إلى جانب وكالة الغوث والقرار 194..

رمزية المخيم

وتاريخيا كانت المخيمات الفلسطينية أحد الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية، ليس فقط عبر تدميرها قصفاً وزرع الموت والرعب في أزقتها كما حصل في الكثير منها: جنين، النبطية، مخيمات قطاع غزه، تل الزعتر وجميع مخيمات لبنان وغيرها..، بل وأيضاً من خلال العمل على المستوى الدولي بطرح مشاريع متعددة لإلغاء وكالة الغوث وتسليم خدماتها إلى الدول العربية المضيفة كمقدمة لإلغاء المخيمات.. ونظرة بسيطة على الاتفاقات التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1993، نجد أن إلغاء المخيمات وتصفية أعمال وكالة الغوث شكلا أحد الأهداف الرئيسية والقاسم المشترك في معظم هذه الاتفاقات.. غير أن إسرائيل فشلت في تحقيق هدفها، بسبب تمسك الشعب الفلسطيني بمخيماته وادراكه لأهمية المخيم في سياق التمسك بحق العودة، رغم سوء الأوضاع الاقتصادية وعدم وجود بنى تحتية في بعضها وارتفاع نسب الكثافة السكانية لتصل إلى ارقام خيالية خاصة في مخيم قطاع غزة ولبنان. لكن رغم ذلك، واجه اللاجئون ورفضوا جميع المساعي والمشاريع التي كان يشتم منها روائح توطينية، على خلفية التمسك بالمخيم وبرمزيته الوطنية ولما يشكله من عنوان للنضال الفلسطيني..

مشهد المخيمات الفلسطينية اليوم يستحق أن نتوقف عنده، ولو بقليل من الكلمات وأيضاً العمل.. خاصة وأن مشهد الدمار والتدمير يشكل القاسم المشترك فيما بينها.. ففي لبنان لا زال أبناء مخيم نهر البارد ومعهم كل الحالة الفلسطينية في لبنان يناضلون من أجل إعماره وعودة أبناءه إليه بعد ما يزيد عن ثماني سنوات من التدمير.. ومخيم عين الحلوة بدوره يعيش يوميا تحت وطأة مستقبل مجهول في ظل حالة من القلق بين أوساط سكانه الذين يزيدون عن ستين ألف نسمة.. ومخيمات غزة محاصرة لا زالت تئن تحت وطأة تداعيات العدوان الأخير ولا تستطيع إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية لدرجة يمكن فيها القول إن المخيمات لا زالت ركاماً على الأرض .. ومخيم اليرموك في سوريا تم تدمير الجزء الأكبر منه وغالبية سكانه مهجرون إما داخل سوريا أو خارجها.. ولا يختلف الأمر بالنسبة لبقية المخيمات في سوريا سواء من حيث نزوح سكانها أو لجهة حالة القلق الدائم التي يعيشها من تبقى داخلها..

إسرائيل والديموغرافيا الفلسطينية

لا نأتي بجديد عندما نقول: كانت المشكلة تاريخياً، ومنذ ما قبل النكبة، أن إسرائيل تعيش حالة قلق دائم، نظراً لعدم استقرار أوضاعها الداخلية وعلى مختلف المستويات، كون إسرائيل تعيش في منطقة أغلبيتها ليست فقط عربية ومتجانسة فقط، بل إن اللاجئين الفلسطينيين يحيطون بإسرائيل من الجهات الأربع وهي بالتالي تشكل تهديداً استراتيجياً من الدرجة الأولى ليس بالنسبة لإسرائيل فحسب، بل وأيضاً للمشروع الصهيوني الذي اعتمد، في مراحله التأسيسية الأولى، ولا زال، على العنصر البشري. وهو بنظر الآباء الروحيين العامل الحاسم في مدى نجاح هذا المشروع. وما مؤتمر هرتسليليا الصهيوني الذي انطلق بدءاً من العام 2002، ويضم خبراء في السياسة والاقتصاد والتاريخ وعلماء نفس وعسكريون وأمنيون ومؤرخون إلا أحد الأمثلة الناصعة، فهذا المؤتمر يضع القضية الديمغرافية، أو الخطر الديمغرافي الفلسطيني، باعتباره أحد أهم المخاطر التي تواجهها الدولة العبرية في السنوات القادمة.. وتشكل حلول التهجير والترانسفير سواء للفلسطينيين في أراضي عام 1948 أو حتى الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية واحدة من الحلول..

أقرأ أيضاً:

عباس يمدد حالة الطوارئ لثلاثين يوما

لقد انطلقت الحركة الصهيونية على خلفية ما يسمى «الوطن القومي لليهود»، وجندت كل طاقاتها لتحقيق هذا الهدف، وكان نجاحها الكبير بإعلان «قيام دولة إسرائيل» التي سعت لتثبيت نفسها كدولة يهودية على أرض الواقع، من خلال الاحتلال المترافق مع عمليات إرهاب وتهجير، وسنّت عشرات القوانين وما زالت مستمرة في ذلك. وعملت على تغذية حملة تبني مفهوم الدولة اليهودية وتهيئة ظروف أكثر جذبا لهجرة اليهود إلى فلسطين باعتبارها الهدف الأسمى لفكرة يهودية إسرائيل.. هذا الاستخلاص تترجمه مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». وأيضاً المقولة الشهيرة التي ما زال بعضهم يعتقد بإمكانية تحقيقها واقعاً على الأرض وهي: أربعة دول وخمسة شعوب ويجب التخلص من الشعب الزائد. أي إعطاء العنصر البشري، الفلسطيني واليهودي، أهمية كبيرة في تقرير مصير المشروع الصهيوني برمته.

فعندما بدأت التطبيقات الميدانية للمشروع الصهيوني في فلسطين، كانت هجرة اليهود تشكل العامود الفقري لهذا المشروع، باعتبارها المعيار الذي سيحسم مسألة انتماء يهود العالم إلى إسرائيل، كدولة. غير أن التراجع في أعداد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل أصبح يشكل تحدياً جدياً لإسرائيل وللمنظمات الصهيونية التي تعمل بهذا الإطار، لدرجة أن بعضهم اعتبر أن نضوب مصادر الهجرة اليهودية تشكل تهديداً لإسرائيل وللمشروع الصهيوني في آن.

وإذا كان العالمين العربي والاسلامي شكلا تاريخياً، إضافة إلى دول الاتحاد السوفياتي السابق، المخزون الرئيسي الذي اعتمدت عليه إسرائيل والمنظمات الصهيونية في السابق، فإن الإشكالية المطروحة اليوم بالنسبة للكثيرين هي: هل استنفذت إسرائيل مخزونها الديمغرافي ولم تعد قادرة على ايجاد مصادر جديدة لاستجلاب المزيد من اليهود إلى فلسطين؟. وهي تقف بالتالي عند مشكلة البحث عن مصادر جديدة للهجرة، خاصة في ظل المعوقات التي تحد من امكانية استجلاب يهود من دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة لأكثر من سبب؟.. فيما يعتبر البعض أن طبيعة هذا المشروع تجعله قادراً على أن يجدد نفسه بنفسه.. وبالتالي فإن إسرائيل وإن كانت تعطي أهمية كبرى للعنصر البشري (اليهودي) باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للمشروع الصهيوني، فإن أهمية هذا العنصر تزداد مقارنة مع العنصر البشري في الجانب المقابل، أي على الجانب الفلسطيني.. وهنا تكمن أهمية وخطورة مفهوم «يهودية الدولة»، الذي يعتبر البعض أنه جاء ليشكل حلاً لعقدة «القنبلة الديمغرافية» الفلسطينية التي تدعي القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية أنها تشكل خطراً على مستقبل الدولة..

الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها اليوم هي أن بقاء مشكلة اللاجئين دون حل، يحتم بقاء الصراع على حاله، وهذه مسألة بديهية ، وأول من يدركها إسرائيل نفسها، التي دائما ما كانت تعتبر أنه من غير الممكن أن يكون للصراع مع الفلسطينيين حل حقيقي، جذري وقابل للبقاء، دون انهاء مشكلة اللاجئين. فهذه القضية ستبقى على الدوام عقدة ولادة إسرائيل ونشأتها، وهي البرهان على الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني عام 1948، نتيجة للغزوة الصهيونية لفلسطين.

لذلك، فان نجاح إسرائيل في ترويج فكرة «يهودية الدولة» وفقاً لتعريفها، لا تكمن خطورته في الإطار النظري فقط، بل يتجاوز ذلك ليطال أحد أركان حق العودة، وهو العامل البشري والوجود المادي لملايين اللاجئين. من هنا أهمية المساعي التي تبذلها إسرائيل للانتهاء من قضية اللاجئين اليوم قبل الغد، من خلال تفكيك جميع عناصر هذه القضية، وأهمها الوجود المادي للشعب الفلسطيني. لأن فكرة المشروع الصهيوني قامت على أساس معادلة الأرض والشعب معاً، أي السيطرة على الأرض والقضاء على الشعب. ونظرية السيطرة على الأرض في الفكر الصهيوني لا معنى حقيقياً لها طالما هناك شعب لا زال يطالب بأرضه. وما كان يؤرق إسرائيل في السابق وسيبقى يؤرقها مستقبلاً، هو وجود ملايين اللاجئين الذين يشكلون بالنسبة لإسرائيل عقدة تاريخية لا يمكن حلها إلا بإلغاء وتصفية قضية اللاجئين..

استهداف المخيمات والتهجير القسري

انطلاقا مما سبق، يمكن إدراك وفهم خطورة استهداف المخيمات وأيضاً الانعكاسات السياسية والقانونية لهجرة أو تهجير سكانها خارج إطار الدول العربية المضيفة بما يضرب النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني، مما يتطلب نظرة مختلفة في التعاطي مع هذه التحديات من قبل المؤسسات الفلسطينية المعنية.

يمكن القول إن هجرات فلسطينية كثيرة حصلت في سنوات سابقة ومنذ ما قبل النكبة. فكان التهجير الأكبر ذلك الذي حدث عام 1948، وزاد عدد الذين أجبروا على الهجرة نتيجة عمليات الإرهاب الصهيوني عن ثلاثة أرباع المليون. وخلال كل الحروب التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، كانت تحصل عمليات تهجير، شأننا في ذلك شأن كل الشعوب التي تعيد رسم حياتها من جديد نتيجة هذه الحروب. لكن هذه الهجرات بقيت في الحدود المقبولة والمعقولة، بحيث لم تشكل، بنظر الكثيرين، ظاهرة تستحق النقاش الجدي في خلفياتها ومسبباتها. هذا ما ينطبق على جميع مكونات العمل الوطني الفلسطيني سواء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية أو حتى الفصائل والمؤسسات المعنية.. بينما الفارق اليوم هو أن الهجرة تحولت من ظاهرة فردية يمكن أن تحدث في أي مجتمع، إلى ظاهرة جماعية تهدد بإفراغ التجمعات والمخيمات الفلسطينية من لاجئيها.. وهنا نطرح التساؤل حول النتيجة التي يمكن أن نصل إليها على المستوى الوطني، إذا ما استفحلت ظاهرة الهجرة بشكل أكبر..

أقرأ أيضاً:

آن الأوان للتوجّه شرقاً والتحرّر من التبعيّة الاقتصاديّة العمياء للغرب

في فلسطين كان التهجير يحدث بشكل مدروس من قبل إسرائيل، حيث تعمدّت تهجير الفلسطينيين من الطوائف المسيحية بغية القضاء على صيغة التعايش التي كانت ولا زالت موجودة في فلسطين ولتبرير وجودها كدولة دينية في المنطقة.. وأيضاً محاولة لتفريغ فلسطين من مكوناتها الحضارية وتنوعها وإلغاء ظاهرة التعدد السياسي والثقافي والحضاري. وهو أمر يتكرر اليوم في الكثير من البلدان العربية لجهة تهجير الطوائف المسيحية..

لكن الهجرات الجماعية التي أخذت أبعاداً سياسية بأسبابها، كانت خلال فترات الحرب الأهلية اللبنانية. وقد يندر أن يتعرض شعب في العالم إلى مسلسل لا ينتهي من الآلام والعذاب، بحيث ما إن يخرج من حرب إلا ويزّج بغيرها، ولا يخرج من تهجير إلا ويجد تهجيراً آخرا بانتظاره. فمن النكبة الكبرى عام 1948 .. إلى الحرب الأهلية اللبنانية بدءاً من نهاية الخمسينات وصولا إلى منتصف السبعينات وانفجار الحرب بشكلها الأكثر بشاعة.. إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عامي 1978 و 1982 .. إلى مجزرة صبرا وشاتيلا.. إلى حرب المخيمات عام 1986، إلى عشرات القصص التي يمكن أن تشكل كل واحدة منها نكبة شخصية برأي أصحابها..

وبدا واضحاً، وإن بشكل متأخر، أن الشعب الفلسطيني في لبنان كان الأكثر تضرراً من الحرب الأهلية اللبنانية ونتائجها. وهو أمر يمكن تلمسه على أكثر من صعيد. وتكفي نظرة بسيطة على عدد المهجرين الفلسطينيين في لبنان لنتعرف إلى حجم المشكلة. إذ بلغ العدد عام 1992 نحو ثمانية آلاف عائلة، أي ما يزيد عن أربعين ألف نسمة، إضافة إلى ما لحق بالمخيمات من تدمير شامل جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية والحروب المختلفة التي شنت عليها، حيث أزيل أكثر من 57 بالمائة من المنازل و36 بالمائة أصيبت بأضرار جزئية. وفي مخيم عين الحلوة كانت حال الدمار شاملة، بحيث لم يبق سوى أقل من 25 بالمائة من المنازل واقفاً.. هذا فضلا عن آلاف الشهداء والمفقودين والمعاقين، والحالة البائسة لعائلاتهم، والتمزق الشامل الذي لحق بالنسيج الاجتماعي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، في ظل التقليص الواسع لميادين العمل ومجالاته، والبطالة العالية التي نتجت عنه، وانعكاس كل ذلك على الأوضاع المعيشية والاجتماعية والتربوية والصحية.. أي كان الانهيار بشكل شامل وطال مختلف الميادين..

لم يكن بمقدور وكالة الغوث الاستجابة لكل هذه الاحتياجات، خاصة بعد خروج منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية من لبنان بعد العام 1982 حيث كان الوضع مأساوياً قاذفاً بعشرات الآلاف من العمال والمهنيين إلى سوق عمل محلية مقفلة في وجوههم في غالب الأحيان. إضافة إلى ذلك، فان واقع المخيمات البائس، زاد من حدة المشكلات؛ دافعاً الشباب الفلسطيني وخاصة أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية إلى الهجرة للخارج بحثاً عن لقمة العيش، بحكم حرمان اللاجئين في لبنان من الحقوق الانسانية والاجتماعية.

تعدّدت المخيمات والمصير واحد!

في العام 2007 وبعد الاشتباكات العنيفة التي وقعت بين مجموعات تكفيرية (فتح الاسلام) والجيش اللبناني تم تدمير مخيم نهر البارد وتهجير سكانه البالغ عددهم نحو (40 الف نسمة). ورغم الوعود التي أطلقت في حينه من قبل رئيس الحكومة اللبنانية بأن إعمار المخيم هو مسؤولية الدولة اللبنانية فحتى هذه اللحظة لا زال المخيم وأهله يئنون تحت وطأة المماطلة من قبل الدولة ووكالة الغوث..

هذا الوضع مضافاً إليه الواقع الصعب الذي يعيشه مخيم عين الحلوة (أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان) لجهة انتشار بعض القوى الإسلامية وغياب المرجعية الفلسطينية الموحدة في ظل انعكاس الانقسام الفلسطيني على العمل الفلسطيني الموحد. كل هذا شكل دافعاً بالنسبة للبعض للبحث عن حلول فردية بالهجرة، بعد تفشي نزعات الإحباط لدى غالبية الشباب الفلسطيني الذي وجد الحل بالهجرة خارج مجتمع المخيمات في لبنان.

أقرأ أيضاً:

حركة أنصار شباب ثورة ١٤ فبراير البحرين تنعي رحيل الدكتور رمضان شلح

بعد العام 1990 واحتلال العراق للكويت أيضاً حصل تهجير جماعي للفلسطينيين في الكويت، وتم تهجير ما يزيد عن (250 ألف فلسطيني) من أصل (400 ألف نسمة)، بذريعة دعم نظام صدام حسين.. ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق وما تبعه من عمليات قتل طائفي أدّى إلى تهجير غالبية الفلسطينيين من العراق أيضاً.. بحيث تم القضاء على تجمعين فلسطينيين كبيرين في العراق والكويت..

أما التجمع الفلسطيني في سوريا فلم يكن حاله بأفضل من غيره، حيث تم استهداف المخيمات وبشكل متعمد وعنوانه المباشر مخيم اليرموك، أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا وما قاد إليه من نزوح جماعي أولا ثم تهجير إلى منافي الأرض ثانيا، لينطبق على الفلسطينيين في سوريا ما انطبق على الكثير من التجمعات بأن هناك من لديه مصلحة فعلية بإفراغ المخيمات من لاجئيها..

كان مخيم اليرموك الخزان البشري الذي غذّى الثورة الفلسطينية بمختلف فصائلها. وعلى امتداد ساحات النضال والمقاومة، سقط من أبناء المخيم آلاف الشهداء والجرحى وآخرها في الذكرى الثالثة والستين للنكبة عندما سقط في الجولان عشرات الشهداء والجرحى من أبناء المخيمات الفلسطينية في سوريا. وظل المخيم حتى الأمس القريب، ولا زال، أحد عناوين حق العودة في سوريا يتفاعل مع جميع الأحداث الوطنية والقومية الكبرى.

استهداف المخيم كان مدروساً لما يمثله من تجمع وطني سياسي واجتماعي وثقافي وإعلامي وفني فلسطيني. هذا إضافة إلى أن الفئات الوسطى من مهنيين وحرفيين وأكاديميين وتجار يتمركزون داخل المخيم، ما يؤكد بأن ما حدث أصاب بالضرر البالغ هذه الفئة وشكل ضربة كبيرة للنسيج الاجتماعي الفلسطيني.. لذلك ليس صدفة أن العدد الأكبر ممن هاجر إلى أوروبا وغيرها كان من عداد هذه الفئة.. ولا داعي لنكرر القول بأن قوة أي مجتمع تعتمد على صلابة ومتانه الفئات الوسطى.. لهذا وذاك، يمكن أن نفهم الأسباب التي أدّت بالزج بالمخيم وبغيره من المخيمات في دائرة الصراع في سوريا.. في محاولة للقضاء على ما نجح اليرموك في تجسيده كأحد العناوين الوطنية وكواحد من أكبر الخزانات البشرية السياسية والاقتصادية والثقافية الفلسطينية خارج فلسطين..

بدوره، العدوان على قطاع غزة في العام 2014 وما أدّى إليه من تدمير تام لمختلف المرافق الحياتية وتدمير كامل لما تبقى من بنى تحتية. حيث بلغ إجمالي عدد المنازل التي دمرت بشكل كلي أو جزئي 10604 منزل، وبلغ عدد المشردين نحو 475.000 ألف مشرد، فيما بلغت إجمالي الخسائر الاقتصادية بنحو 2,4 مليار دولار أمريكي. هذه الأرقام مضافاً إليها تداعيات الحصار المفروض على القطاع منذ العام 2007 أدّت إلى نتائج مأساوية على مستوى ارتفاع نسب الفقر والبطالة في صفوف العمال، إذ يقدر عدد العاطلين عن العمل قرابة 200 ألف عامل، يعيلون نحو 900 ألف نسمة.

هذا الواقع الصعب مضافاً إليه الوضع الفلسطيني الداخلي لجهة استمرار الانقسام الداخلي واتساع الهوة بين الجماهير الفلسطينية والحالة السياسية بمختلف تشكيلاتها، دفع الكثير من الشباب الفلسطيني إلى اعتبار الهجرة أحد الحلول التي يمكن اللجوء إليها حتى ولو كان الأمر بهجرة غير شرعية نتيجتها الموت كما حدث مع حالات كثيرة.

نختم لنقول: إن المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان وفي قطاع غزه تتعرض لاستهداف واضح واستنزاف لطاقاتها البشرية عبر خلخلة الاستقرار الاجتماعي للاجئين وتشجيعهم على الهجرة وإضعاف عناصر التماسك السياسي والاجتماعي داخل المخيمات، وهي النقاط التي أبقت قضية اللاجئين نابضة بقوتها منذ ما يزيد عن ستة عقود ونصف وحتى اليوم. وذلك في إطار استكمال التطبيقات الميدانية للمشروع الصهيوني الذي ما زال يراهن على العامل البشري باعتباره أحد العوامل الحاسمة في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

إن النتيجة الوحيدة التي يمكن أن نصل إليها هي أن الحالة الفلسطينية برمتها أمام مشكلة وطنية كبرى ومأساة على المستوى الجماعي تتطلب من جميع الهيئات الفلسطينية المعنية الوقوف أمامها بهدف تحمل الجميع لمسؤوليته.. كما إن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها القيادة اليومية للشعب الفلسطيني، مدعوة بدورها إلى تحمل مسؤولياتها نحو شعبها، والبحث عن حلول ناجحة وناجعة لآلاف اللاجئين الفلسطينيين المهددين بمخاطر متعددة، عبر وضع خطة وطنية تستجيب للحد الادنى من مطالب الشباب وطموحاتهم سواء على المستوى السياسي بإنهاء الانقسام أو على المستويين الامني والاقتصادي، والتعاطي مع ظاهرة هجرة الشباب الفلسطيني باعتبارها خطراً يهدد المجتمع الفلسطيني

فتحي كليب – المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق