ثاني مراحل العزاء على الامام الحسين(ع).

لحظة ولادته وما رافقها من العزاء على مصابه.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطاهرين.

ان المتتبع لظاهرة العزاء على الإمام الحسين(ع).

يرى فيها العجائب من حيث الإهتمام بهذه الظاهرة والكم الكبير من الروايات التي تؤكد على إحيائها بحيث تفوق بحجمها كل مصائب أهل البيت(ع) جميعاً.

ومنها يتضح مدى إهتمام النبي(ص). بهذه المصيبة وذكرها في كثير من الأماكن وأمام الملأ من الناس . بحيث تعد ظاهرة غريبة في حياة المجتمع بحاجة إلى توضيح وتفسير .

و أنه لماذا كل هذا التأكيد الكبير على خصوصية عزاء الحسين(ع) من بين أهل البيت(ع) المظلومين جميعاً؟.

ولماذا ذكر ذلك في كثير من المناسبات وبتفاصيل دقيقة لما جرى من أحداث في كربلاء؟.

حوار خاص مع فضيلة الشيخ علي عواضة(مؤسس جمعية إحياء الأمر) حول : ثاني مراحل العزاء على الإمام الحسين(ع)

والملفت في المقام أنه تم الكشف عن مصاب الحسين(ع) قبل ولادته وبعدها. وحتى في أجواء ولادته المباركة التي كان النبي(ص) وأهل بيته(ع) يحتفون بها ويستبشرون بها كان بنفس الوقت يتم ذكر مصابه والبكاء عليه.

اذاً هو حدث غير عادي يتم التوقف عنده لمعرفة أسراره وحقائقه.

ومن هنا لا يمكن معرفة ذلك إلا من خلال إمدادت عالم الغيب وأنه أمر إلهي سبقت له يد القدرة. وقد زود الله تعالى كافة المخلوقات المكرمة  من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين بتفاصيل ومجريات هذا المصاب الجلل .

وهذا يدل ويكشف عن مقدار الإهتمام الإلهي بمصاب الحسين(ع).  وضرورة إقامة العزاء عليه .

وما ذلك إلاّ لأجل مكانته في ساحة الوجود ومسرح الحياة وأهمية دوره الرسالي في حفظ الإسلام وصيانة دين الله تعالى.

وأنّ قيمة هذا الحدث يوازي بأهميته كل الجهود التي بذلت من قبل مسيرة الأنبياء و قافلة المرسلين للهداية والإصلاح على مر التاريخ.

وبالأخص جده المصطفى(ص) الذي جاء بالدين الخاتم.

وهذا ما تم توضيحه في أخبار العرش قبل الوجود وفي بداية خلق الموجودات. عن كيفية ارتباطها بأهل البيت(ع).

ولطالما كان النبي(ص) يركز على شخصية الحسين (ع) ويوليه عناية كبيرة فائقة ويصفه بأوصاف فريدة تعبر عن مدى حبه له وتعلقه به .

وهو القائل في غير مناسبة…

“إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابداً”.

“حسين مني وانا من حسين أحب الله من احب حسين”.

ولم يكن ذلك التعلق به والحب له نابع عن مجرد قرابة نسبية بل لأجل غاية إلهية أسمى وأغلى من كل الوجود. وبهدف دفع الأمة الى تلقف هذه الأخبار والتعامل معها على أنها أمر واقع وأنه يجب عليهم مناصرته والدفاع عنه والوقوف معه ضد الظلم والفساد والإنحراف الأموي الذي يهدف الى تشويه الدين ومحو كل الإنجازات أو أن يقضي على مستقبل الدعوى التي بعث أجلها الرسول(ص) ويريد ان يُعلمهم ان الحسين(ع) هو الخليفة الشرعي الواجب إطاعته وهو الضمانة والحامي لهذه الشريعة.

وفي هذا البحث نذكر ثاني مراحل العزاء على الإمام الحسين (ع). وهي مرحلة ولادته وما رافقها من العزاء على مصابه.

ونخص بالذكر هنا إقامة العزاء عليه من قبل جده محمد(ص) وأمه السيدة الزهراء(ع) وبعض زوجات النبي(ص). وكان العزاء هنا بذكر مصابه والحزن عليه والبكاء لأجله.

وهنا نذكر طائفة من الروايات بشكل ملخص لما ورد من أخبار كثيرة وأحاديث مفصلة في جملة من الكتب التي تعرضت لهذا المطلب .

منها ما ذُكر في بحار الأنوار. كامل الزيارات، وحياة الإمام الحسين(ع)، وبعض كتب المقاتل. وأبحاث تتعلق بثورة كربلاء.

بعدما أحاط النبي (ص) أصحابه علماً بمقتل ريحانته وسبطه الإمام الحسين(ع) وذلك منذ ولادتة وحتى رحيل النبي (ص) وأذاع ذلك بين المسلمين، حتى بات عندهم من الأمور المتيقنة التي لم يخالجهم فيها أدنى شك، يقول ابن عباس: ” ما كنا نشك، وأهل البيت متوافرون أنّ الحسين بن علي يقتل بالطف.

وقد بكى النبي (ص) وأمر بالعزاء والبكاء عليه “في غير موطن” على ما سيحل بريحانته من الخطوب والكوارث التي تذوب منها القلوب…

وفيما يلي عرضا لبعض لتلك الأخبار الكثيرة.

  • لما بشر الرسول الأعظم (ص) بسبطه المبارك خف مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة(ع) وهو مثقل الخطى قد ساد عليه الوجوم والحزن، فنادى بصوت خافت حزين النبرات. “يا أسماء هلمي ابني”. فناولته أسماء، فاحتضنه النبي(ص) وجعل يوسعه تقبيلا، وقد انفجر بالبكاء فذهلت أسماء، وأنبرت تقول: ” فداك أبي وأمي مم بكاؤك؟!! “. فأجابها النبي(ص) وقد غامت عيناه بالدموع. ” من ابني هذا “. وملكت الحيرة إهابها فلم تدرك معنى هذه الظاهرة ومغزاها فانطلقت تقول:  ” إنّه ولد الساعة “. فأجابها الرسول(ص) بصوت متقطع النبرات حزنا وأسى قائلا: ” تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي…  ثم نهض وهو مثقل بالهم وأسرّ إلى أسماء قائلا: ” لا تخبري فاطمة فإنها حديثة عهد بولادة…  وانصرف النبي(ص) وهو غارق بالأسى والشجون، فقد استشف من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات والخطوب التي تذهل كل كائن حي.
  • روت أم الفضل قالت: كان الحسين (ع) في حجري فدخلت على رسول الله(ص) وقد حملت معي الحسين، فوضعته في حجر رسول الله(ص) ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله(ص) تهريقان من الدموع فقلت له: ” – يا نبي الله – بأبي أنت وأمي – ما لك؟!! قال – أتاني جبرائيل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا. وذعرت أم الفضل، فانبرت تقول: “تقتل هذا” وأشارت إلى الحسين(ع) -؟ قال : نعم، وأتاني جبرئيل بتربة من تربته حمراء. وغرقت أم الفضل بالبكاء وهامت في تيارات مذهلة من الأسى والحزن .
  • روى أبو امامة قال: قال رسول الله (ص) لنسائه: لا تبكوا هذا الصبي – يعني حسينا – قال وكان يوم أم سلمة فنزل جبرئيل فدخل رسول الله (ص) الداخل، وقال لأم سلمة لا تدعي أحداً يدخل علي فجاء الحسين (ع) فلما نظر إلى النبي في البيت أراد ان يدخل فأخذته أم سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه، وتسكنه، فلما اشتدّ في البكاء خلتّ عنه، فدخل حتى جلس في حجر النبي (ص) قال جبرئيل للنبي: “إن أمتك ستقتل ابنك هذا”. يقتلونه وهم مؤمنون بي؟!! قال : نعم يقتلونه. وتناول جبرئيل تربة، فقال له: بمكان كذا وكذا يقتل، فخرج رسول الله (ص) قد احتضن حسيناً وهو كاسف البال مغموم فظنت أم سلمة أنه غضب من دخول الصبي عليه، فقالت: ” يا نبي الله جعلت لك الفداء أنك قد قلت لا تبكوا هذا الصبي، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك فجاء فخليت عنه فلم يجبها النبي (ص) بشئ، وخرج إلى أصحابه، وهو غارق في الهم والأسى فقال لهم: ” إنّ أمتي يقتلون هذا “وأشار الى الحسين (ع) “.
  • روت أم سلمة قالت: كان النبي (ص) جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: لا يدخلن علي أحد، فانتظرت فدخل الحسين (ع)  فسمعت نشيج النبي(ص) ، فإذا الحسين(ع) في حجره ” أو إلى جنبه ” يمسح رأسه وهو يبكي فقلت له: ” والله ما علمت حتى دخل “. فقال لي: إن جبرئيل كان معنا في البيت، فقال: أتحبه؟ فقلت: نعم، فقال: إن أمتك ستقتله بأرض يقال لها كربلاء، فتناول جبرئيل من ترابها، فأراه النبي(ص).
  • لقد تمثلت كارثة الحسين (ع)  أمام جده الرسول (ص) وهو في ساعاته الأخيرة فزادته آلاماً وأحزانا وحينما كان يعاني آلام المرض وشدائد الإحتضار، فلما رآه ضمه إلى صدره وذهل عن آلام مرضه وجعل يقول: ” مالي وليزيد، لا بارك الله فيه، اللهم يزيد… “. ثم غشي عليه طويلاً، فلما أفاق أخذ يوسع الحسين (عليه السلام)  تقبيلاً، وعيناه تفيضان بالدموع، وهو يقول: ” أما انّ لي ولقاتلك مقاما بين يدي الله عز وجل “
  • وعن أبي عبد الله جعفر(ع) قال: كان النبي(ص) في بيت أم سلمة، فقال لها: لا يدخل عليّ أحد، فجاء الحسين (ع) وهو طفل، فما ملكتُ معه شيئاً حتى دخل على النبي  فدخلت أم سلمة على أثره، فإذا الحسين(ع) على صدره وإذا النبي(ص) يبكي، وإذا في يده شي‏ء يقلبه، فقال النبي (ص) يا أم سلمة، إن هذا جبرئيل يخبرني أن هذا مقتول! وهذه التربة التي يُقتل عليها، فضعيها عندك فإذا صارت دماً فقد قُتل حبيبي. فقالت أم سلمة: يا رسول الله، سل الله أن يدفع ذلك عنه. قال: “قد فعلت فأوحى الله عزوجل إليّ أن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، وأن له شيعة يشفعون فيشفعون، وأن المهدي من ولده، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين(ع) وشيعته، هم والله الفائزون يوم القيامة.
  • وعن أبي عبد الله(ع) قال: كان الحسين(ع) مع أمه  تحمله، فأخذه النبي(ص) وقال: لعن الله قاتلك ولعن الله سالبك، وأهلك الله المتوازرين عليك، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك، قالت فاطمة الزهراء(ع): يا أبت أي شي‏ء تقول؟ قال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي، وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، وكأني أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم، قالت: يا أبة وأين هذا الموضع الذي تصف؟ قال: موضع يقال له كربلاء وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الأمة، يخرج عليهم شرار أمتي، ولو أنّ أحدهم شفع له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيه وهم المخلدون في النار، قالت: يا أبة فيُقتل؟ قال: نعم يا بنتاه، وما قُتل قتلته أحد كان قبله، وتبكيه السماوات والأرضون والملائكة والوحوش والنباتات والبحار والجبال، ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس، ويأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم، أولئك مصابيح في ظلمات الجور، وهم الشفعاء، وهم واردون حوضي غداً أعرفهم إذا وردوا عليّ بسيماهم.
  • عن أبي جعفر(ع)، قال: قال أمير المؤمنين(ع):  زارنا رسول الله(ص) وقد أهدت لنا أم أيمن لبنا وزبدا وتمراً،  فقدمنا منه، فأكل ثم قام إلى زاوية البيت، فصلى ركعات، فلما كان في آخر سجوده بكى بكاءً شديداً، فلم يسأله أحد منا إجلالاً وإعظاماً له، فقام الحسين(ع) وقعد في حجره فقال: يا أبه لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشئ كسرورنا بدخولك ثم بكيت بكاءً غمنا، فما أبكاك، فقال: يا بني أتاني جبرئيل(ع) آنفا فأخبرني أنكم قتلى وأنّ مصارعكم شتى. فقال: يا أبه فما لمن يزور قبورنا على تشتتها، فقال: يا بني أولئك طوائف من أمتي يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة، وحقيق عليّ أن آتيهم يوم القيامة حتى أخلصهم من أهوال الساعة ومن ذنوبهم، ويسكنهم الله الجنة.
  • عن أبي جعفر(ع)، قال: كان رسول الله(ص) إذا دخل الحسين(ع) جذبه إليه ثم يقول لأمير المؤمنين(ع): أمسكه، ثم يقع عليه فيقبله ويبكي يقول: يا أبه لم تبكي، فيقول: يا بني أقبل موضع السيوف منك وأبكي. قال: يا أبه وأقتل،؟؟  قال: أي والله وأبوك وأخوك وأنت، قال: يا أبه فمصارعنا شتى،؟؟   قال: نعم يا بني، قال: فمن يزورنا من أمتك، قال لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلا الصدّيقون من أمتي .
  • عن أبي عبد الله(ع)، قال: “بينما رسول الله(ص) في منزل فاطمة والحسين في حجره، إذ بكى وخر ساجداً، ثم قال: يا فاطمة يا بنت محمد إنّ العلي الأعلى تراءى لي في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيا هيئة”، فقال لي: يا محمد أتحب الحسين(ع)، قلت: نعم يا رب قرة عيني وريحانتي وثمرة فؤادي وجلدة ما بين عيني. فقال لي: “يا محمد” ووضع يده على رأس الحسين(ع) “بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني، ونقمتي ولعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناواه ونازعه، أما أنه سيد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وسيد شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين، وأبوه أفضل منه وخير، فاقرأه السلام وبشره بأنه راية الهدى ومنار أوليائي، وحفيظي وشهيدي على خلقي، وخازن علمي، وحجتي على أهل السماوات وأهل الأرضين والثقلين الجن والإنس”.

هذا غيض من فيض من هذه الروايات .

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك. والحمد لله رب العالمين.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق