جوزيف صليوا سياسي من كوكب آخر

فالح حسون الدراجي

الكاتب فالح حسون الدراجي
الكاتب فالح حسون الدراجي

مع كل احترامي للنواب العراقيين المخلصين، والوطنيين النجباء، والشرفاء النزهاء الذين أقدرهم، وأعتز بهم أيما اعتزاز، فإن تقديري واعتزازي بالنائب العراقي جوزيف صليوا يختلف عن الجميع.. وقطعاً فإن النائب صليوا هو الذي فرض لنفسه هذا التقدير المميز، وهذا الاحترام الفائق، ليس عليَّ فحسب، إنما على غيري أيضاً. فالرجل مختلف تماماً عن النواب العراقيين، وعن النواب العرب، والنواب في المنطقة أيضاً.

فمثلاً هناك طاقة بشرية محدودة لكل نائب تتوقف، أو تتلاشى عندما يحين موعد تلاشيها.. وهناك ظروف بيتية، وإجتماعية، وحزبية ومذهبية لكل مسؤول في الدولة، تجبره في بعض الأحيان على أداء هذه الأعمال دون غيرها، ولكل شخص إجتماعي، أو حتى غير إجتماعي، إلتزامات، وخصوصيات معينة.. إلاَّ جوزيف صليوا، فهذا الرجل أسقط من حساباته كل ما هو شخصي، وعائلي، وحزبي خاص، فجعل من حرية العراق شرطاً لحريته الشخصية، ومن سعادة العراقيين شرطاً لسعادته وسعادة عائلته وطائفته وحزبه..

وأقسم بكل الدماء الطاهرة التي سالت أنهاراً من أجل حرية العراق، أني ما رأيت، ولن أرى في حياتي مثل هذا النائب العجيب في تفانيه، وإخلاصه للوطن، وفي حبه للناس، وفي إستعداده للتضحية بكل ما يملك، بما فيها حياته، من أجل أن يرسم أبتسامة على وجه طفل، أو يقرأ سعادة تلمع في عين أم ساهرة، أو في جفن أب كادح متعب..

فجوزيف صليوا الذي التقيته في أربيل قبل سنتين تقريباً، عندما كلفني الأخ حميد مراد رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة بإلقاء محاضرتين في دورة صحافية أقامتها الجمعية المذكورة في أربيل، وقد ضمت هذه الدورة صحفيين جاءوا من مختلف الأعمار والأتجاهات والطوائف، حيث إنتظموا كلهم في دورة وطنية صحفية متقدمة. هناك التقيت شاباً متدفق الحماسة، والوطنية، والألق الباهر، مع الحضور المميز، والرقي الأكثر تميزاً في الأفكار، والإطلاع ..

أقرأ أيضاً:

  محادثات روسية عراقية لحل الأزمة في سوريا

وفي ختام الدورة، كرمتني الجمعية مع عدد من المدعوين، وكان من بين المكرمين هذا الشاب المتدفق حماسة، فعرفت لأول مرة أن إسمه جوزيف صليوا.. وعندما ذهبنا بعد ختام الدورة الى (المطعم)، كان جوزيف يجلس على نفس الطاولة التي أجلس عليها، فكانت تلك الليلة، ليلة ثقافية وطنية (يسارية) رائعة.. ولعل الأهم أن المودة التي نشأت بيني وبين هذا (الوطني الفاخر) لم تنقطع أو تنتهي بإنتهاء تلك الدورة الصحفية، إنما تواصلت وتعمقت كثيراً، رغم الظروف والمشاغل.. وبعد فترة ليست طويلة، سمعت أن صاحبنا جوزيف قد أصبح نائباً في البرلمان العراقي، جاءه مرشحاً عن كتلة الوركاء الديمقراطية، فأفرحني هذا الخبر كثيراً.. ليس لأن البرلمان العراقي اليوم بحاجة ماسة الى شباب متحمسين، وسياسيين مثقفين فحسب، إنما لأنه جاء في وقت، وظرف يتطلب وجود نائب كهذا..

فجوزيف (مسيحي)، يدافع عن المسلمين، والأيزيديين، والمندائيين، وكل العراقيين، قبل أن يدافع عن المسيحيين، مع أنه فخور جداً (بمسيحيته)، ويدافع كذلك عن العرب والكرد والتركمان بنفس القوة التي يدافع فيها عن كلدانيته، وآشوريته. وللحق، فأن جوزيف عراقي من الوريد الى الوريد، بحيث لا تعرف طائفته ولا مذهبه أو قوميته حتى أنه يتحدث العربية بطلاقة ويتحدث الكردية بطلاقة والكلدانية والآشورية بطلاقة طبعاً، ناهيك عن اللغات الأخرى التي يجيدها كالأنكليزية مثلاً..

لعل الكثير سيستغرب، لو قلت أن جوزيف صليوا، مجموعة من الأشخاص في شخص واحد، وهو منظومة متكاملة من المواصفات الميدانية، سواء أكان النشاط إجتماعياً، أم سياسياً، أم ثقافياً..!

عدا أن الرجل قمة في التواضع، والأخلاق العالية، وهو إستثنائي في فهمه لمعاني الوطنية والديمقراطية الصحيحة، وفي إدراكه المميز لواجبات النائب البرلماني، حتى تصاب بالدهشة حين ترى الجسور المتعددة التي شيدها صليوا، (والجسور طبعاً ليست للزينة والدعاية)، إنما هي من أجل العبور نحو ضفاف المجتمع العراقي الأخرى.. تلك الضفاف التي لم يصلها مسؤول أو نائب عراقي من قبل، فهي ضفاف قاحلة، ومتربة، وموحشة، لا تغري مسؤولاً صوبها، ولا تجذب نائباً نحوها، لكن هذا النائب الشهم مضى اليها وعبر نحوها، كيف لا يذهب اليها، وهو الشاب اليساري المثقف، والوطني المتجذرة روحه وأقدامه وعروقه في عمق الحضارة الرافدينية التي عمرها سبعة آلاف عام؟

أقرأ أيضاً:

  سقوط صواريخ بالقرب من السفارة الأمريكية في العراق

وكلما أنظر بقلبي الى هذه (الماكنة) النيابية، النشيطة التي تعمل بجد وإخلاص ليل نهار، وصيف شتاء، سواء في الدوام الرسمي، أم في أيام العطل الرسمية.. حتى في الأعياد الوطنية، والدينية تجد النائب جوزيف صليوا يركض لهذا المواطن المحتاج أو يراجع لذاك العراقي المستغيث، وطبعاً فإنه لا يسأل المواطن المحتاج عن هويته القومية، أو الدينية، أو السياسية، إنما تكفيه في ذلك عراقيته.. لذلك فإني كلما أرى النائب جوزيف، أضرب كفاً بكف حسرة وألماً، وأقول بصوت عال (هسه شيصير لو أكو مثل جوزيف بالبرلمان فد عشرة)؟!!

ختاماً: قد يقول البعض أن في هذا المقال مبالغة، وأنا أكرر قسمي ويميني وأقول بأني لم أعط هذا العراقي الشريف نصف حقه.. فهو كائن من كوكب آخر، كوكب ليس فيه أثيل النجيفي، وظافر العاني!!

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق