“جُمهورية” داخل لبنان فيها 15 ألف مُغترب: هزمت “كورونا” والتحويلات تموّلها

على وقعِ انتظار إعادة فتح مطار رفيق الحريري بعد أيامٍ (1 تمّوز)، أمورٌ كثيرة تفرض نفسها بالنسبة لكلّ لبناني، وما الهم الاقتصادي إلا الأول، فيما يأتي بعد ذلك الهم الصحّي في ظل أزمة وباء “كورونا”. أما الأمر الثالث فهو الهجرة، السبيل الذي قد يجعلُ البلد يخسر نوابغه وأبناءه. 

 

واقعياً، لقد باتت عبارة “البلد ما عاد ينعاش فيه”، هي لسانُ حال الكثير من اللبنانيين، الذين فقدوا الأمل بالبقاء في وطنهم، في ظلّ تدهور عملتهم الوطنية وانعدام فرص العمل، واعتبار أنه لا يمكن البقاء في بلد تحتكره سلطة سياسيّة لنفسها، ضربت الثقة بين المواطن ودولته. ومع كل ذلك، يبقى الأمل كبيراً بأن يساهم المغتربون في دعم اقتصاد بلادهم، باعتبار أنّهم صمّام أمان الاقتصاد، وما تحويلاتهم الماليّة إلى لبنان سوى حبل النجاة الذي نطلبُه باستمرار. الأمرُ هذا حاضر وبارزٌ في البقاع الغربي الذي يحتضنُ بلدة تُعتبرُ “خزّان المغتربين اللبنانيين”، وهي خير نموذجٍ مصغّر عن واقع لبنان القائم. فأهلاً وسهلاً بكم في “لالا”.

 

 

 

 

جمهوريّة في قلب لبنان


بين جبل الباروك وسهل البقاع وبحيرة القرعون، تتربّع لالا، البلدة البقاعيّة التي عرفت الهجرة منذ زمن طويل. فعلى مدى السنوات الطويلة الماضية، تركت لالا بصمة بارزة في البقاع الغربي، إذ تعتبر من أكثر مناطقه جمالاً نظراً لجمالية العُمران فيها، في حين أنها تعدّ البلدة الأبرز على صعيد الهجرة والمغتربين. 
عندما تدخل إلى البلدة من الجنوب، تُطالعكَ عبارة “جمهورية لالا”، وفي قلب هذه البلدة جمهورية أُخرى، وهي “جمهورية الباراغواي” التي لديها شارعٌ باسمِها. كل ذلك كان من خلالِ أبنائها المغتربين، الذين ساهموا بنهضة بلدتهم ومدّها بمئات ملايين الدولارات من الخارج. والمفارقة أنّ “لالا” هي صورة طبق الأصل عن جانب لبنان المُشرق، رغم الظلام في الكثير من النواحي الأخرى. في هذه البلدة البقاعية، عددُ سكّانها المقيمين لا يتجاوز الـ3000، في حين أن عدد المغتربين من أبنائها يصل إلى 15000، ومعظمهم في البرازيل والباراغواي وكندا وأميركا اللاتينية. ولهذا، فإنّ جميع هؤلاء يرسلون التحويلات إلى بلدتهم، إمّا من أجل دعم نهضتها أو تمويل أسرِهم وعائلاتهم، أو من أجل استكمال منازلهم إيماناً منهم بأنّ وطنهم ينتظرُهم في يوم من الأيام، وما ذلك إلا تعبير عن تمسّك اللبناني بوطنه. 

 

في حديثه لـ”لبنان24“، يقول رئيس اللجنة الثقافيّة في بلدية “لالا” جمال عسّاف أنّ “المغتربين كانوا يُرسلون شهرياً إلى لالا ما لا يقل عن 150 ألف دولار، وهو مبلغ كفيلٌ بإنعاش الحركة الاقتصاديّة في البلدة، وأيضاً في البقاع”، موضحاً أن “هذه التحويلات كانت تتنامى، وما المغتربون إلا عامل بارزٌ في نهضة البلدة”. 
ومع ذلك، فإنّ الأزمة الاقتصاديّة التي ضربت لبنان أثّرت على “لالا” من ناحية التحويلات المالية من الخارج، خصوصاً أنّ معظم الأموال كانت تأتي إلى المصارف التجاريّة. ومع القيود المفروضة على التحويلات لا سيما الدولاريّة، بات المغتربون يخشون احتجاز أموالهم هناك، وهو ما أفقدهم الثقة بالمصارف، وباتت لديهم مخاوف من فقدان هذه الأموال في ظلّ الأزمة الماليّة الصعبة. ومع هذا، فإن معظم المغتربين كانوا يرسلون أموالهم عبر شركات التحويل المالية باعتبار أن أسرهم بحاجة للتمويل، لكنّها باتت تخسر نصف قيمتها في ظلّ تدهور سعر الصرف، إذ أن الأموال التي تصل إلى لبنان لا يتم تسليمها بالدولار. 

وهنا، يوضح عسّاف أنّ “الأزمة القائمة ساهمت في تدنّي التحويلات الماليّة بشدّة، وهو الأمرَ الذي يساهم في تدهور واقع البلاد ككل”. ويضيف: “لا يُمكن الإستمرار بهذا الواقع، وما أموال المغتربين سوى فرصة انعاش للحالة الاقتصادية. في لالا، هناك الكثير من العائلات التي تعتاشُ على أموال أبنائهم في الخارج، وهذا الأمرُ موجود في كلّ لبنان”. 

الهِجرة واردة


ووسط هذه الأوضاع، بات العديد من أبناء البلدة يُفكّرون بالهجرة والعودة إلى بلاد الإغتراب بعدما تركوها وعادوا إلى وطنهم قبل سنوات. فالأملُ في البلد بات ضعيفاً، والخسائر تتوالى وتتعاظم، ومدى الصمود ليس معروفاً. يقول أحد أبناء البلدة، وهو دخل في رحاب الستين أنّه “يُفكّر بالعودة إلى الخارج مع أبنائه الموجودين في لبنان”، ويضيف في حديث لـ”لبنان24”: “لديّ أبناء في الاغتراب، وبدأت أفكّر جدياً في العودة إلى كندا.. الظروف هنا لا تسمح للبقاء خصوصاً أن الواقع العام بات صعباً على الجميع.. ولذلك، الهجرة واردة وقائمة.. أريدُ أبنائي هنا أن يضمنوا مستقبلهم”. 

رسالةُ المقيم في لبنان هذه وصلت أصداؤها إلى الإغتراب، إذ قال أحد أبناء “لالا” المغتربين لـ”لبنان24“، وهو من آل رحّال، في اتصال أنّ “الحنين للبنان كبير، ولكن هناك الكثير من المشاكل التي تعترضُ طريقنا”. ويضيف: “كنا نرغب بالعودة إلى لبنان لكنّ كورونا منعتنا. الظروف في البلد صعبة جداً، وقلبنا مع عائلتنا ومع أبناء البلدة وجميع اللبنانيين”. 

من جهته، يقول مغترب آخر: “التحويلات الماليّة إلى لبنان باتت مرهونة بالمخاوف، وقد تتبخّر. ولذلك، إذا أردنا العودة، فقد نحمل أموالنا معنا من أجل دعم أسرنا وعائلاتنا.. نريدُ العودة لكي نطمئن على أحوالهم.. كيف يعيشون وكيف يتدبرون أمورهم. المشكلة أن الواقع القائم في لبنان سيء، والأزمات تتراكم وتتلاحق.. ولكن قد يبزغ فجر جديد، وسنبقى نقدّم لبلدتنا ولوطننا الكثير.. فهذا واجبنا الوطني”. 

 

ماذا عن “كورونا”؟


خلال الفترة الماضية التي شهدت عودة المغتربين إلى لبنان، حضر إلى “لالا” عددٌ من المغتربين، من مختلف الدول. والأهَم في هذا الأمر هو مدى الإلتزام الذي كان قائماً، والجديّة في التقيّد بالشروط الصحيّة الأساسية، لناحية الالتزام بالحجر المنزلي. الوقائع الميدانية تشير إلى أن “لالا” كانت تعملُ بأسلوب دولة في ظل الظروف الاستثنائية: الأمنُ مفروض ليلاً نهاراً، تنسيق مع الجهات المعنية في مجمل التفاصيل، خليّة أزمة من الناشطين وأبناء البلدة والبلدية، مساعدات لكل منزل مُحتاج.. وفي السياق، يقول عسّاف: “البلدة كانت تخدُم نفسها بنفسها كما أنها تلقت مساعدات من جهات عديدة، لكن الهدف الأكبر والأبرز كان في الإلتزام في جعل البلدة صامدة وقويّة في ظل هذه الأزمة”. ومع عودة المغتربين، فإنّ البلدة لم تُسجّل أي إصابة بـ”كورونا” في صفوفهم ولا حتى في عداد السكان المقيمين، باعتبارِ أنهم ما زال الكثير منهم حتى الآن مُلتزماً بالإجراءات الوقائية اللازمة.

 

 

المصدر:
خاص “لبنان 24”

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق