حين تقع واشنطن في المصيدة الإيرانية.. إدارة الصراع

مع ارتفاع وتيرة التصعيد في المنطقة المترافق بكيل الاتهامات ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، و مع التصريحات الأمريكية حول تشديد إضافي للعقوبات ضدها، قابله تهديد طهران بالخروج من بعض بنود الاتفاق النووي، إضافة إلى حديث واشنطن و مسؤوليها عن معلومات حول عمليات تخريبية ستنفذها “إيران”، أو من يدور في فلكها ضد مصالح أميركية في أكثر من مكان، وهددت واشنطن بالرد على هكذا عمليات حال حصولها، محركة البوارج والقاذفات، وموفدة في ذات التوقيت وزير خارجيتها مايك بومبيو في زيارة مفاجئة إلى بغداد، كل هذه المعطيات المشحونة و المتزامنة مع الضخ الإعلامي المتزايد، و الذي يأتي في إطار حالة الكباش السياسي بين واشنطن و محورها من جهة، و بين إيران و محور المقاومة ككل من جهة أخرى، ليبدو المشهد الجديد للشرق الأوسط أشبه برقعة شطرنج كبيرة، يُديرها الكبار بحثاً عن مكاسب سياسية وفق أسس عمليات الضغط المتبادل.

بالرغم من هذه الأجواء المشحونة، و التي تسعى كل من اسرائيل و السعودية إلى تسعير الخلافات بين واشنطن و طهران، بُغية دفع الخلافات بين البلدين إلى حافة الهاوية العسكرية، لكن السيناريو الأقرب إلى الواقع المُعتمد على جملة واسعة من المعطيات، يؤكد بأن الأكثر رجحاناً هو سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى صفقة شاملة مع إيران، و اتفاق نووي مُوقع بإسمه، لكن يبدو أن أقصى درجات الضغوط السياسية و الاقتصادية و حتى العسكرية، لم تُفلح بجذب إيران إلى طاولة المفاوضات التي هيأها ترامب لجهة البحث عن مخارج سياسية للأزمة التي وضعت ترامب في أعلى الشجرة، و بات يبحث عن وسيلة تُبقي خيوط اللعبة النووية و اتفاقها في يديه، فـ حتى الأن لم تحُقق السياسة الأمريكية أية نتائج تُذكر لجهة جذب الإيرانيين، فالعقلية الأمريكية المضطربة ترامبياً، لا تتناسب و واقع الحال الذي يستحوذ عليه الإيرانيين، فهم من القوة بمكان يُمكنهم من فرض رؤيتهم في الزمان و المكان المناسبين، مع إدراك كامل من قبل القيادة الإيرانية بأن الولايات المتحدة الأمريكية و ترسانتها العسكرية غير قادرة على شن حرب ستكون الخسائر فيها بعيدة كل البعد عن أي نتائج مرجوة أمريكياً، و لعل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي قد أختصر بجملة واحدة كل السيناريوهات التي روجت لها واشنطن و محورها بقوله : ” لا حرب ولن نفاوض “.

تضارب الخطط و الأهداف في نوايا الساسة الأمريكيين يُجسد حالة التوتر و الاضطراب داخل أروقة البيت الأبيض، ففي حين يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن هدف بلاده هو دفع إيران إلى تغيير تصرفاتها، والكف عن التدخل في شؤون دول المنطقة، ودعم الجماعات الخارجة عن الدولة، بحسب ادعاءات ترامب، تحمل تصريحات رئيس مجلس الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، مضامين أيديولوجية تؤشر إلى رغبة في زعزعة استقرار إيران بهدف تغيير النظام القائم، ضمن هذه التناقضات من المؤكد أن واشنطن و برغبة إسرائيلية سعودية، تسعى إلى الحد من نفوذ إيران في الشرق الأوسط، يُضاف إلى ذلك سعي حثيث من أجل إحداث شرح سياسي و اقتصادي و اجتماعي في الداخل الإيراني، يكون سبباً في تأزيم الأوضاع الداخلية في إيران و حينها يمكن البناء على هذا التصدع الداخلي و استثماره خارجياً، و بالتالي بات واضحاً أن حالة التصعيد العسكري تهدف في جزئياتها إلى الدفع بإيران لاتخاذ إجراءات سياسية، تكون بديلاً لأي مواجهة عسكرية، لكن إدارة هذه الأزمة من قبل الإيرانيين تشي بأن واشنطن و أدواتها الإقليمية لن يتمكنوا من ثني إيران عن البقاء في موقع متقدم استراتيجيا، يُحقق لها المكانة المؤثرة إقليمياً و دولياً، حيث أن قواعد اللعبة الدولية تخبرها إيران جيداً، كما أن معادلة الصمود و الإرادة الثابتة و عدم التنازل عن القضايا التي تُشكل في ماهيتها جوهر الأمة الإيرانية، أجبرت واشنطن و قدرتها السياسة و العسكرية على التراجع في اتخاذ قرار الحرب.

ترامب يُريد التفاوض مع الإيرانيين، هذا القرار الأمريكي الناتج عن حملات التصعيد التي استثمرتها إيران بشكل إيجابي، و هنا لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يتم البناء على أي نتائج قد تُجنى على الأصعدة كافة، فيكفي أن الصمود الإيراني في وجه القطب الأمريكي، أجبر ترامب و صقوره على التماهي مع الصمود الإيراني، و ما كشفته شبكة CNN الأمريكية أن البيت الأبيض مرر الرقم الخاص إلى سويسرا باعتبارها تمثل المصالح الإيرانية مع أمريكا في حال رغبتهم الاتصال به، ما هو إلا ترجمة واقعة و عملياتية لحجم الانكسار الأمريكي في تحويل القوة العسكرية إلى واقع سياسي يُفرض على الأعداء، في مقابل ذلك، إيران لن تتصل، بل قامت إيران بالكثير من الإجراءات التي شكلت عبئاً على الإدارة الأمريكية، هذه السياسية الإيرانية الانعكاسية التي تُجسد حالة التحدي، بدأت بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، و وقف دوره كممر لتصدير النفط إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها، و لعل أهم السياسيات الانعكاسية لإيران جراء التهديدات الأمريكية، ما التقطته أجهزة الاستخبارات الأمريكية لجهة رفع الجاهزية العسكرية للقوات الإيرانية من أجل القيام بعمليات هجومية ضد المصالح و الأهداف الأمريكية، إضافة إلى قرار الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني بوقف الالتزام بالقيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية بموجب الاتفاق النووي عام 2015، كما حصر روحاني الرد النووي الإيراني بوقف جزئي للالتزامات الإيرانية الواردة في الاتفاق النووي، وربط هذا التوقف الجزئي عن هذه الالتزامات بـ 60 يوماً يمكن لإيران بعدها أن تصعد من إجراءاتها، إذا لم تف الدول الأخرى الموقعة على هذا الاتفاق بالتزاماتها نحو إيران وبالذات تخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

ضمن ما سبق من معطيات، بات من الواضح أن التصعيد الأمريكي يهدف أولا إلى محاولة جر إيران إلى التفاوض، يضاف إلى ذلك رغبة ترامب بعقد المزيد من الصفقات مع حكام الخليج تحت ذريعة التهديد الإيراني، و بعيداً عن كل التوقعات التي تصب مباشرة في قرب اندلاع الحرب بين واشنطن و طهران، يبدو أن واشنطن قد وقعت في المصيدة الإيرانية، حيث أن الانكسارات المتتالية ولـ واشنطن، و ارتفاع الأصوات داخل أروقة البيت الأبيض، المطالبة بوقف التصعيد ضد إيران، و البحث عن مُخرجات سياسية للأزمة الحالية، كل هذا جاء نتيجة إدارة الصراع وفق قواعد استراتيجية من قبل إيران، الأمر الذي سنرى منعكساته خلال القادم من الأيام في الكثير من الملفات الإقليمية و الدولية، و هنا يُمكننا القول بأن إيران استطاعت و عبر معادلة الصمود و التحدي، من اصطياد واشنطن و جذبها نحو قواعد اللعبة الإيرانية.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock