خارج مشهدية الشرق الأوسط… اسرائيل والطريق نحو افريقيا

تبوأت القارة الإفريقية مكانة متقدمة في الاستراتيجية الإسرائيلية، فقد ظهرت إفريقيا بوصفها النموذج المناسب الذي يؤسس لأهداف اسرائيل الإستراتيجية “الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية”، بحسب وصف قادتها وصُناع القرار السياسي بها، كما وتخدم مصالحها العليا على الساحة الدولية، وبذلك يتم تأمين التوسع الاقليمي وزيادة مساحة الأراضي التي تحتلها اسرائيل بطرق غير مباشرة، عبر فرض السيطرة السياسية والإقتصادية، في مدى الدوائر الحيوية لأمنها القومي. ليكون التوغل الاسرائيلي في القارة الافريقية، عنواناً عريضاً يُحقق للكيان الاسرائيلي مكاسب تتعلق بالتخلص من استحقاقات القضية الفلسطينية.

وعطفاً على ذلك، فمن خلال التوجه الاسرائيلي نحو افريقيا، يتجلى لنا مفهوم الامن القومي الإسرائيلي بمعناه الشامل، والمتمثل في التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي على جميع المستويات السياسية والعسكرية والجغرافية. وانطلاقاً من المعيار الاستراتيجي في التصورات الاسرائيلية بعيدة المدى، فقد سعى المسؤولون الإسرائيليون إلى إعطاء الأمن القومي الإسرائيلي بُعداً إقليميا ودولياً، وربطه بشبكة من العلاقات مع أكبر عدد من دول آسيا وأفريقيا, انطلاقاً من إدراك الأهمية الإستراتيجية لهذه الأقطار من جراء موقعها الجغرافي, والقدرة على محاصرة مقومات الأمن القومي العربي. و في هذا الخصوص يقول ثالث رئيس للحكومة الإسرائيلية ليفي اشكول “من 1963 إلى “1969”: “كانت اسرائيل تتوخى من سعيها إلى إنشاء علاقات مع دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية البحث عن الأمن وضمان وجودها ودعم مركزها الدولي مع ما يحققه ذلك من مزايا استراتيجية تنعكس إيجابا على أمنها القومي ” .

وعليه، فإن التوسع الاسرائيلي تُجاه افريقيا، يرتبط مباشرة بمقومات تُفضي إلى زيادة العمق الحيوي للكيان الإسرائيلي، لتطبيق سياسة الهجرة والاستيطان، وإيجاد حقائق بشرية ومادية على أرض الواقع؛ كل ذلك يُمثل تحدياً بالغ الخطورة في وجه عودة الحقوق العربية المغتصبة.

تُعد العلاقات الافريقية الاسرائيلية موضوعاً مُتعدد الابعاد والمستويات، حيث بدأت هذه العلاقات قبل قيام دولة الكيان وذلك في أواخر القرن التاسع عشر، حيث طرح الجيل الاول من رواد الحركة الصهيونية بدائل للوطن القومي، فكانت اوغندا هي الموقع المُنتقى قبل الاستقرار على فلسطين كـ “وطن قومي لليهود”، وظلت افريقيا حاضرة في دائرة الاهتمام ليس فقط بمعنى الوطن القومي، بل بمنظور العمق الاستراتيجي والحزام الامني الذي يطوق العرب.

أقرأ أيضاً:

ما بين بوتين و الأسد اقوى من "بازارات" السياسة...!

وعلى خطى الابعاد والمصالح التاريخية، تواصلت استراتيجية اسرائيل تُجاه افريقيا، وتنامت لتصل إلى ما هي عليه اليوم، وقد شهدت العلاقات الافريقية الإسرائيلية تحولاً مهماً خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، في هذا الإطار يحضر قوياً ما قاله رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق ديفيد بن غوريون في الكنيست الإسرائيلي عام 1960م، لتتضح لنا أهمية العلاقات الاسرائيلية الإفريقية، حيث قال: “الصداقة الإسرائيلية – الإفريقية تهدف في حدها الأولي إلى تحييد إفريقيا عن الصراع العربي الإسرائيلي، كما تهدف في أحسن حالاتها إلى ضمان مساندة إفريقية للمواقف الإسرائيلية”. في السياق ذاته أوضح “إيغآل آلون” وهو صاحب نظرية في الأمن القومي الإسرائيلي، والتي اعتمدت عليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في رسم توجهاتها، حيث أوضح خصوصية مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بقوله: “إنه محصلة الاتصالات لدولة ما مع بيئتها القريبة والبعيدة, التي تعكس قوتها واستعدادها ووسيلتها وقدرتها التنفيذية على الدفاع عن مصالحها الحيوية وتحقيق غاياتها وأهدافها القومية”.

من أجل ذلك عملت الحكومات الإسرائيلية المُتعاقبة بصورة حثيثة، من أجل تلمس التأييد الدولي خارج الدائرتين الأميركية والأوروبية اللتين ضمنتا لها الرعاية المستمرة، والدعم المادي والسياسي والمعنوي والإسناد العسكري. ولهذا فإن الإسرائيليين يمموا وجوههم شطر إقامة علاقات متنوعة مع دول في قارات أخرى، خاصة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وقد ارتبط هذا التوجه بالعديد من الاعتبارات والمعايير أبرزها :

  • أولاً- الحيلولة دون قيام تعاون وتحالف عربي افريقي، يُهندس على اساس النضال المشترك ووحدة المصالح والتاريخ.
  • ثانياً- بما أن الكيان نشأ ضمن ظروف غير شرعية، فلا بد من البحث عن اعتراف دولي أشمل للكيان الاسرائيلي في المحافل الدولية.
  • ثالثاً- ضرب الحصار العربي وإسقاط تأثيراته المحتملة من خلال شبكة من العلاقات المتعددة الأوجه والأشكال .
  • رابعاً- إرتقاء مكانة دولية تفوق في أهميتها الرقعة الجغرافية التي يحتلها الكيان، والتي هي بمثابة جزيرة وسط بحر معادٍ.
  • خامساً- ضمان أمن اسرائيل ، حيث نجد أن تطوير شبكة من العلاقات الخارجية سيؤدي حتماً إلى ضمان هذا الأمن، وهذا ما أكده بن غوريون بقوله: “إن الأمن يجب أن يكون النقطة المحورية التي تتحرك حولها السياسة الإسرائيلية, وإن ضمان أمن إسرائيل يقف في طليعة الأهداف في كل المراحل”.
  • سادساً- تحقيق مزايا استراتيجية، حيث دار في ذهن المسؤولين الصهاينة أن إقامة علاقات وطيدة مع الأقطار الأفريقية المتاخمة للدول العربية الأفريقية، وخصوصاً مصر والسودان وليبيا والجزائر والمغرب, يمكن أن تخولهم استخدام واستغلال هذه الدول من أجل الالتفاف على الدول العربية في الحسابات الإستراتيجية.

أقرأ أيضاً:

الضّمّ من أجندة ورقيّة إلى خطوة تنفيذيّة

في هذا الإطار يوضح الجنرال حاييم لاسكوف, رئيس الأركان العامة الأسبق للجيش الإسرائيلي، أن “نجاح اسرائيل في تطوير علاقاتها مع الدول الأفريقية في غرب أفريقيا وخاصة تلك التي تقع جنوب الصحراء والمتاخمة للدول العربية سيحقق لإسرائيل مكاسب ستساعدها على تلافي نقاط الضعف الاستراتيجي المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي والوصول إلى الظهر العربي المكشوف من ميدان لا يتوقعه العرب”.

مما سبق يُمكننا القول؛ تسعى اسرائيل للخروج من عزلتها، والحصول على المزيد من الشرعية الدولية، وإفشال الجهود العربية التي تسعى لإحكام الحصار حول الكيان الصهيوني. كما وتشمل هذه الأهداف إقامة علاقات ديبلوماسية مع اكبر عدد ممكن من الدول الأفريقية كمدخل للقيام بنشاطات اقتصادية وأمنية, وكوسيلة لنفي الصورة العنصرية للكيان، من خلال القيام بنشاطات إعلامية وثقافية وتقديم مساعدات متنوعة؛ هذا بالإضافة للسعي إلى كسب دعم السود في أميركا للمواقف والمطالب الإسرائيلية على الساحة الأميركية.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق