رئيس الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا في ضيافة العربي برس

الإعلام الموريتاني بين إمكانات الواقع وطموحات المستقبل...

رئيس الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا ومدير مجموعة التواصل الإعلامية، الأستاذ ''أحمد بن مولاي محمد''
رئيس الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا ومدير مجموعة التواصل الإعلامية، الأستاذ ”أحمد بن مولاي محمد”

الحديث عن الإعلام الموريتاني، بلا شك حديث ذو شجون، شجون ليست وليدة الساعة بل هي نتيجة تراكمات عقود. ”الوكالة العربية للأخبار” أجرت حوارا مع رئيس الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا ومدير مجموعة التواصل الإعلامية، الأستاذ ”أحمد بن مولاي محمد” تناولت معه المشهد الإعلامي بموريتانيا…

  • بطاقة تعريف؟

في البداية أشكركم جزيل الشكر على إتاحة الفرصة لي للإطلالة على القارئ المغاربي والعربي عبر ”الوكالة العربية للأخبار” المحترمة شاكرا لكم الاهتمام بموريتانيا وبخاصة في مجال الصحافة والإعلام.

– ضيفكم، ولد في أواخر الستينيات، ونشأ في مدينة شنقيط بولاية آدرار شمال موريتانيا، تخرج من جامعة نواكشوط عام 1993 من كلية العلوم القانونية والاقتصادية، بدأت الكتابة بشكل متقطع في الجريدة الوحيدة الموجودة في البلد آنذاك، وهي جريدة ”الشعب” الحكومية، وكنت صغيرا جدا، حيث مثل نشر أول مقال رأي لي في العام 1986 بجريدة الشعب دفعا معنويا قويا لمواصلة الحلم في مزاولة مهنة الصحافة، إلا أن نصيب الدراسة من الوقت أخذني بشكل أو بآخر ومؤقتا طبعا، عن مواصلة مسيرة النشر بشكل مستمر، خاصة وأن النشر في صحيفة حكومية وفي عهد حكم الجيش لم يكن سهلا، لذلك كنت ألجأ للإيحاء واللغة الرمزية أحيانا كثيرة لتمرير مواقف وآراء لم يكن متاحا لها أن تصل بلغة مباشرة في أي مقال رأي لحساسية المرحلة السياسية آنذاك.

نشرت عدة مقالات في بداية عهد الديمقراطية التعددية في بعض الصحف المستقلة التي بدأت ترى النور مع بداية الديمقراطية ، عام 1991 مثل “الخيار” و”الزمان”، أذكر منها مقالا تحت عنوان “النفاقولوجيا والنخب السياسية” حيث أعتقد أنني نحتت مصطلحا جديدا وهو علم النفاق من خلال المقال الذي كنت انتقد فيه نفاق النخب السياسية بشكل جريء جدا. وبعد تخرجي من الجامعة بأقل من ثلاث سنوات وتحديدا في 09 فبراير 1996 حصلت على ترخيص لإصدار صحيفة “التواصل” المستقلة.

  • كيف جاء التحاقكم بالاتحاد المهني للصحف المستقلة بموريتانيا؟

الصحافة-المستقلة-الموريتانية-تقاوم– في العام 1996، انتسبت للإتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا، الذي تأسس في مارس 1994 كان يضم آنذاك وحتى الآن، العديد من الصحف الموريتانية الخاصة. ساعتها لم تكن هناك صحف الكترونية وإنما الصحافة الورقية بمختلف دورياتها الأسبوعية ونصف الشهرية والشهرية. وفي العام الموالي تم انتخاب مكتب تنفيذي جديد لقيادة الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا كنت فيه مسؤول أعراف وأخلاقيات المهنة قبل أن يتم في الدورة الموالية 1999 انتخابي نائبا لرئيس الاتحاد الذي يشغل الآن منصب المدير العام لإذاعة موريتانيا. بعد ذلك جرت مياه (سياسية) كثيرة تحت الجسر، وتم تعيين زميلي محمد الشيخ ولد سيدي محمد رئيس الاتحاد آنذاك مديرا عاما مساعدا للوكالة الموريتانية للأنباء، ليتم انتخابي رئيسا للاتحاد إلى اليوم.

وتكريسا لاهتمامي بمجال الإعلام، ونظرا للظروف الصعبة لمزاولة مهنة الصحافة، ونتيجة محاولات الأنظمة تهميش وتمييع الحقل الصحفي بعد أن استقطب اهتمام الرأي العام الوطني وخلق وعيا غير عادي في صفوف المواطنين، ولأن الحكام آنذاك يخافون الإعلام، ولم تكن هناك حوافز مادية لمواصلة مسيرة الصحافة المستقلة التي تمت مضايقتها على مدى سنوات عديدة، ماديا ومعنويا، التحقت بالوكالة الموريتانية للأنباء ككاتب صحفي عبر مسابقة رسمية حيث أواصل العمل فيها كمنتج كبير في جريدة الشعب التي تصدر عنها.

  • ما هي أهم المراحل التأسيسية للإعلام الموريتاني؟

– مر الإعلام الموريتاني بمراحل عديدة حيث ظهرت صحف عديدة في مراحل تاريخية مختلفة، لكنني سأقتصر الحديث هنا عن الإعلام الخاص ما بعد إقرار النظام الديمقراطي التعددي. ففي العام 1991 تم التصويت على الدستور الجديد الذي يقر التعددية وإتاحة المجال لترخيص الأحزاب وحرية الصحافة، فصدرت صحف مستقلة خلقت رأيا عاما متعطشا للخبر والمعلومة من مصادر غير حكومية، حيث كان الإعلام الرسمي لا يلبي تطلعات المواطنين في الحصول على مختلف المعلومات والأخبار وخاصة تلك التي قد لا تروق للحكومات.

وبعد سنوات قليلة من نجاح التجربة الإعلامية المستقلة وبروز صحف رائدة، بعضها مستمر حتى اليوم، ارتأى النظام أن يعمل على إفراغ الصحافة من محتواها والإضرار بمصداقيتها فعمد إلى منح عشرات التراخيص لأشخاص لا صلة لهم بالحقل الصحفي وليسوا حتى من هواة العمل الصحفي، فأصبحنا نقرأ أخبارا بلا معنى ومقالات تمجيد وهجاء وتقارير تمجد رموز النظام ومسؤوليه وأخرى تهاجم آخرين، أي أننا لم نعد أمام صحافة تحترم الأجناس الصحفية المعهودة، بل جاءت باختراعات من عندها كالهجاء والإطراء والمديح الذي أثر كثيرا على الصحفيين المهنيين، وكان من نتائج ذلك أن أصبحت كلمة صحافي وصحافة بلا معنى وبلا تأثير وبلا مصداقية. كما تمت مضايقة الصحف التي لم يكن لها من موارد سوى الاشتراكات والإعلانات، فأصبحت من نصيب الهجائين والمداحين الجدد، ليتم منعها لاحقا بقرار رسمي أراد تجفيف ما تبقى من مصادر تمويل الصحافة الخاصة.

  • ما حقيقة الدعم المالي الحكومي للإعلام الموريتاني…؟

– رغم استحداث “صندوق الدعم العمومي للصحافة الخاصة” إلا أن موارده محدودة جدا ولا تلبي الحد الأدنى من احتياجات المؤسسات والمنظمات الصحفية في البلد، فضلا عن أن هذا الصندوق أفرغ من محتواه بعد تجربتين أو ثلاثة ولم يعد مصدرا يعول عليه لدعم الصحافة المهنية. فلدينا مطابع تجارية خاصة تطبع الصحف بأسعار مرتفعة مع خبرة أقل مقارنة بالمطبعة الوطنية المملوكة للدولة والتي تلقت لسنوات دعما حكوميا مقابل تخفيض تكاليف سحب الصحف المستقلة، ولأول مرة في تاريخ البلاد تتوقف المطبعة عن طباعة الصحف خلال السنين الماضيتين وبشكل مستمر وذلك لسببين:

الأول وجود أزمة في العلاقة بين وزير المالية السابق مع المدير السابق للمطبعة الوطنية حيث عرقل الوزير كل مستحقات المطبعة بما في ذلك ديونها على القطاع العام ومؤسسات الدولة، وثانيهما أن النظام السابق كان يسعى بشكل جدي للقضاء على الصحافة عموما والصحافة المكتوبة بشكل خاص. وكما أقول دائما فالأنظمة غير المستقيمة لا تريد صحافة مستقلة قوية لأنها ستكشف سوءاتها وفسادها. ولحسن الحظ ومع تسلم الرئيس الجديد مهامه تنفست الصحافة الصعداء وقد تم تخفيض سعر السحب بفضل جهود اللجنة الحالية لتسيير موارد صندوق الدعم العمومي للصحافة الخاصة، كما أن وزارة الوصاية (وزارة الثقافة) بصدد إقرار تخفيض آخر من شأنه تمكين الصحف من انتظام الصدور في ظروف أفضل وبتكاليف أقل بكثير وهي أمور تذكر فتشكر.

وقد جرت محاولات عديدة لإعادة تنظيم وتنقية الحقل الصحفي وهي محاولات مستمرة حتى اليوم، حيث نتوقع أن تخرج صحافتنا من عنق الزجاجة ويتم تجويد وإصلاح الحقل الصحفي قريبا جدا، بخاصة وأن هناك إرادة سياسية مشجعة مع النظام السياسي الجديد ورغبة ملحة لدى المهنيين في تجاوز الوضعية الراهنة.

  • ما هي أهم الشخصيات التي بصمت المشهد الإعلامي الموريتاني…؟

الصحافة-المستقلة-الموريتانية-تقاوم– لعل من أبرز رموز الإعلام الخاص الذين استماتوا في الدفاع عن المهنة وأناروا الرأي العام الصحفي الراحل حبيب ولد محفوظ رحمه الله، مؤسس جريدة القلم، والوزيرة هندو بنت عينينا أطال الله في عمرها وكذلك موسى ولد حامد وأحمد الشيخ، وجميعهم من جريدة القلم الناطقة بالفرنسية، فضلا عن ماء العينين ولد خالد الذي تولى رئاسة الرابطة الوطنية للصحافة المستقلة قبل الزميل السفير شيخنا ولد النني مؤسس صحيفة أخبار نواكشوط بالعربية والفرنسية وإذاعة نواكشوط لاحقا قبل أن يصبح سفيرا، فضلا عن الزميل اباه ولد السالك مؤسس موريتانيا الجديدة “موريتاني نوفل” الناطقة بالفرنسية وامبارك ولد بيروك صاحب تجربة سابقة على عهد التعددية وخطري ولد اجه مؤسس صحيفة المغرب الأسبوعي بالفرنسية أيضا ومحمد الشيخ ولد سيدي محمد مؤسس صحيفة البشرى ولافيريتي وثاني رئيس للاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا، دون أن أنسى من الأوجه النسائية البارزة الزميلة تحي بنت لحبيب مؤسسة صحيفة مرآة المجتمع والزميلة زينب بنت الجد مؤسسة صحيفة أخبار الأسبوع وطبعا الزميل سي مامودو مؤسس صحيفة الوعي “لوفي” الناطقة بالفرنسية والدكتور شيخنا ولد ادومو مؤسس صحيفتي الوعي البديل والخبر اليقين ونائب سابق لرئيس الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا والمدير الحالي للجنة الوطنية للمسابقات ومستشار سابق للوزير الأول، والزميل محمد فال عمير مؤسس صحيفة “لاتريبين” الناطقة بالفرنسية المدير العام الحالي للوكالة الموريتانية للأنباء، وأوجه إعلامية بارزة مثل أحمد ولد اسويدي ومحفوظ الحنفي ورياض أحمد الهادي وغيرهم كثير جدا من الأسماء اللامعة، لتأتي لاحقا مجموعة أخرى من الصحف المهنية جرى الترخيص لها في السنوات 1994 إلى ما بعد 1998م، وبالطبع لم ترد أسماء الزملاء هنا حسب الترتيب الزمني لممارسة المهنة كما أنني لم أذكر أسماء آخرين من الرعيل المؤسس لما بعد التعددية ليس نسيانا لهم وإنما لضيق المقام.

  • حرية الصحافة بموريتانيا هل يكفلها القانون؟

– عانت الصحافة كثيرا من قانون حرية الصحافة في نسخته الأولى حيث كانت تتم مصادرة الصحف وفق مزاج النظام ويتم إرسال سيارة للأمن إلى المطبعة لسحب العدد المصادر كما لو كانت شحنة مخدرات، ثم استجدت تعديلات/ بعد انقلاب 2005، سحبت الصلاحية من وزارة الداخلية لفائدة وكيل الجمهورية الذي يمنح تصاريح بالنشر ويستلم نسختين من كل إصدار، ليتم النص على إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر، ومع ذلك تمت مضايقة الصحافة كما أسلفت لسببين الأول لإنارتها الرأي العام من جهة وهو ما لا تريده الأنظمة خاصة إذا تعلق الأمر بتسليط الأضواء على قضايا الفساد، والسبب الثاني لأنه تم الترخيص لعشرات الأشخاص الذين ينشرون كل شيء دون تحري المصداقية والمهنية فأصبحت الصحافة مهنة الجميع، إن جاز التعبير.

  • لماذا كثرة مؤسسات الدفاع عن الصحفيين…؟

– تنتظم أغلب المؤسسات الصحفية في ست تنظيمات تسمى هيئات الناشرين واتحادات المواقع الإخبارية أقدمها الاتحاد المهني للصحف المستقلة في موريتانيا الذي تأسس في مارس 1994 ثم تجمع الصحافة الموريتانية ونقابة ناشري الصحف واتحاد الصحف والمواقع الإخبارية الموريتاني، فضلا عن اتحاد المواقع الإخبارية واتحاد المواقع الإلكترونية. وهناك منظمات أخرى حديثة الترخيص.

وبالنسبة لمنظمات الصحفيين لدينا رابطة الصحفيين الموريتانيين التي تأسست منتصف التسعينيات ونقابة الصحفيين المستقلين ونقابة الصحفيين الموريتانيين، كما توجد منظمات صحفية متخصصة كشبكة الصحفيات الموريتانيات واتحاد إعلاميات موريتانيا وشبكة الصحفيين الشباب…

والواقع أن عدد الصحف والمواقع الالكترونية أكبر بكثير من حاجة البلد لأن سكان موريتانيا لا يتجاوزون 4 ملايين نسمة لذلك هناك عمل دؤوب وسعي حثيث لتوحيد الجهود في سبيل تنقية الحقل وتوحيد الجسم الصحفي وخلق تكتلات بين الصحف والمواقع ومج المنظمات الصحفية في منظمتين إحداهما للمؤسسات والأخرى للصحافيين، أو هكذا نتمنى، وذلك بغية خلق صحافة مهنية تلبي تطلعات الرأي العام وطموحات المهنيين. وفي هذا الصدد تم في يونيو 2016 تنظيم المنتديات العامة لإصلاح الصحافة بتمويل حكومي أجمع فيه الصحفيون على إصلاح وتجويد الحقل وخرجوا بتوصيات غاية في الأهمية لكن النظام آنذاك لم يعمل على تنفيذ تلك المخرجات لأسباب لم يفصح عنها وإن كنا نعتقد أن الإصلاح لا يخدم الأنظمة الفاسدة. وأتوقع أنكم ستجدون، خلال فترة وجيزة بحول الله، إعلاما موريتانيا مختلفا وساحة إعلامية مغايرة تميزها المهنية وأخلاقياتها.

  • هل وسائل الإعلام المحلية قادرة على صناعة الرأي العام تجاه قضية معينة؟

– يمكن القول إن المناخ العام الذي عرفته البلاد وأثر على بروز صحافة مؤثرة منذ ما بعد منتصف التسعينيات، لم يترك فرصا كبيرة للإعلام الموريتاني ليصبح منافسا على المستوى المغاربي والعربي، ومع ذلك فإن بعض الصحف الورقية والالكترونية استطاعت أن تخلق قاعدة قراء معتبرة في المحيطين المغاربي والعربي وفي المحيط الإفريقي ولكن ليس بالمستوى الذي نتطلع إليه، لكننا نتوقع أن يسفر الإصلاح الذي يعكف عليه الصحافيون الآن عن خلق إعلام منافس. هذا مع استثناء التلفزيونات والإذاعات الخصوصية التي أصبح لها جمهور عريض على المستوى الإقليمي وحتى الدولي رغم أنها حديثة النشأة.

  • ما هي إكراهات الإعلام الخاص مقارنة بالإعلام الحكومي؟

– في الواقع لا وجه للمقارنة بين الإعلام العمومي والإعلام الخاص في موريتانيا، حيث يستطيع الصحافي العمومي الولوج إلى مصادر الخبر بسهولة كما يحظى برواتب مناسبة مقارنة بوضعية زميله في الصحافة الخاصة الذي يعاني في صمت، كما تحظى مؤسسات الإعلام العمومي بميزانيات سنوية مهمة، وبموارد محترمة للدخل، وهو ما لا تحظى به مؤسسات الإعلام الخاص، ربما الميزة الوحيدة لدى الصحافة الخاصة هي أنها تنشر ما لا يمكن أن ينشره الإعلام العمومي من ملفات قد تكشف سوء تسيير الجهات الرسمية أو فسادها. وما نتطلع إليه في مساعي الإصلاح اليوم هو رصد ميزانيات سنوية لمؤسسات الإعلام الخاص، بما يمكنها من تأمين عقود عمل ورواتب مناسبة للصحفيين العاملين فيها فضلا عن بعض الامتيازات التي ستسهم في إصلاح وتجويد الحقل الصحفي، مثل فتح مصادر الخبر أمام الصحفيين وإصلاحات كثيرة أخرى نسعى لتحقيقها في الفترة القليلة القادمة بحول الله.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق