رسالة أوباما السرية و الرد الإيراني المدهش

في البداية، لا بد من توضيح أمر غاية في الأهمية، لم يتم التركيز عليه بشكل واضح، وهو أن الإستراتيجية الأمريكية القديمة الجديدة، بإفتعال الأحداث في سورية، ثم أوكرانيا، ثم العراق، كان الهدف منها أساسا توريط إيران عسكريا في مستنقع الحرب ضد الإرهاب في سورية والعراق، وتوريط روسيا في أتون الحرب الأوكرانية.. ما سيؤدي حتما لإنهيار إيران وروسيا الجديدة وفق الحسابات الأمريكية، وبذلك يكون أوباما قد ضرب عصفورين بحجر واحد.

هذه الإستراتيجية الغبية ليست بجديدة، بل هي إستنساخ لذات الإستراتيجية التي أدت إلى إنهيار الإتحاد السوفياتي السابق بسبب تورطه عسكريا في أفغانستان، لذلك، كانت إيران كما روسيا الجديدة، مدركتان لهذا الأمر، وحريصتان على التعامل مع الأفخاخ الأمريكية بحذر شديد، فاقتصر قرارهما على دعم سورية والعراق والإنفصاليين في أوكرانيا بالسلاح والمستشارين العسكريين والمعلومات الإستخباراتية، بهدف إفشال هذه الإستراتيجية الخبيثة دون الإنزلاق في أتون الصراعات الطاحنة، لا بتدخل بري، ولا بإقامة حلف مشترك لمواجهة الإرهاب الصهيوأمريكي والوهابي التركي في الشرق الأوسط والإرهاب النازي الفاشي في أوكرانيا.

وكان الرئيس السوري مدركا لأبعاد اللعبة وخيوطها المعقدة، فكان يقول منذ البداية، أن الإرهاب سيرتد على صانعيه ومموليه وداعميه، وأن الأمر مسألة وقت ليس إلا، وأن سورية قادرة على هزيمة الإرهاب بالصمود والمقاومة، دون حاجة لجنود على الأرض من قوات الحلفاء..

وبالفعل صدقت نبوءات الرئيس الأسد، وأشعلت المصابيح الحمر في الغرب وفي أمريكا نفسها، وأصبحت المخابرات الأمريكية والغربية تتحدث عن خطر الإرهاب الداهم على بلدانها، بسبب تعاظم “داعش” وتحول الوحش إلى أقوى وأغنى منظمة إرهابية في العالم، خصوصا مع تزايد المقاتلين القادمين من أمريكا وكندا وأستراليا ودول أوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها.

هذا الأمر، دفع بالإدارة الأمريكية لأن تسقط في الفخ الذي صنعته لأعدائها، وتقرر مكرهة لا بطلة، أن تشكل تحالفا “دوليا” لمنع توسع “داعش” وتحجيم رقعة تحركاتها حتى لا تهدد دول حليفة لها كالأردن والسعودية و”إسرائيل” نفسها، وفق ما أكد سماحة السيد في خطابه الأخير يوم عاشوراء، وهو ما يؤكد صوابية نظرة وعمق تحليل سماحته.

وفي شأن الرسالة الأمريكية السرية الأخيرة التي وجهها الرئيس أوباما لقائد الثورة الإيرانية، تبين بالواضح الفاضح، أن أمريكا عاجزة عن قتل الوحش من دون مساعدة إيران، وأن قدومها للعراق لم يكن بهدف إعادة إحتلاله كما اعتقد البعض، بل للعمل على دفع إيران للإنخراط في الحرب على الإرهاب، وإنقاذ أمريكا من الورطة التي وضعت نفسها فيها، لعلمها أن حلفاؤها الذين زرعوا الأشواك في المنطقة ليس بمقدورهم نزعها بجيوشهم الجبانة الضعيفة.

ووفق ما ذكر “النتن ياهو” في إجتماع للكابينيت الوزاري الأحد، أن “إسرائيل” علمت برسالة أوباما الأخيرة إلى الإمام خامنئي من مصادر خاصة بواشنطن، وأن الرئيس الأمريكي تصرف بتكتم شديد حول هذه المسألة، مخافة دخول أطراف على الخط لتخريب مساعي التوصل إلى إتفاق نووي مقبول مع طهران..

وواضح أن السعودية أخذت علما بفحوى الرسائل السرية الأربعة التي وجهها أوباما لقائد الثورة الإيرانية من “إسرائيل”، وذلك في إطار التعاون والتنسيق الوثيق القائم بينهما لتخريب أي تقارب أمريكي إيراني من مدخل النووي، لإعتقادهما الراسخ أنه سيكون المدخل لتتويج إيران قوة إقليمية عظمى في المنطقة على حساب دورهما ونفوذهما التقليدي القديم..

خصوصا بعد أن أدركت تل أبيب أن الدور المحوري الذي كانت تلعبه إبان الحرب الباردة، لم يعد مفيدا للولايات المتحدة في ظل التوتر القائم مع روسيا في أوكرانيا، والأزمات الخطيرة التي تمر منها منطقة الشرق الأوسط بسبب فشل السعودية وأدواتها من جهة، وتركيا وقطر من جهة ثانية، في إحداث التغيير المطلوب في سورية والعراق، وفشل التسوية السياسية بين الفلسطينيين والصهاينة،ودخول المنطقة في مرحلة حساسة تهدد بإنفجار كبير قد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، حسب ما حذر خبراء في واشنطن.. بل حتى الرئيس السابق للإتحاد السوفياتي ‘غورباتشيف’، خرج عن صمته نهاية الأسبوع الماضي، ليحذر من خطورة دخول العالم في حرب باردة جديدة لن تكون في مصلحة أحد.

لا شك أن الرئيس ‘أوباما’ فشل في إحداث التغيير في السياسة الخارجية التي وعد بها الإمريكيين في حملاته الإنتخابية الأولى والثانية، نتيجة فشل أدواته في المنطقة كما سبقت الإشارة، خصوصا لجهة إشعال حرب طائفية ومذهبية تضعف محور المقاومة وتنتهي بتفجير إيران من الداخل كما كان متوقعا.. وقد إعترف الرئيس صراحة بهذا الفشل، وأعلن عن تحمله شخصيا مسؤولية ذلك، حيث انعكس سلبا على حزبه وفق نتائج الإنتخابات التشريعية النصفية الأخيرة، وهو ما اعتبره المراقبون موقفا شجاعا يؤشر إلى أن الوضع لن يبقى على حاله، وأن تغييرا حقيقيا سيتم في الفترة المتبقية من عمر ولاية الرئيس الأخيرة.

وما تسرب عن فحوى رسائل أوباما للقيادة الإيرانية، يمكن إيجازه في رغبته في حجز صفحة له في كتاب التاريخ من مدخل التعاون مع إيران باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في حل الأزمات الإقليمية المتداخلة والمعقدة.. ولمحاول كسب ثقة طهران، طمأنها أوباماعلى مراحل، من أن المناورات العسكرية في المنطقة لا تستهدفها، وأن إدارته لم تعد تريد إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد ولا تدريب المعارضة السورية “المعتدلة”، وأنها ترغب في مشاركتها الحرب على الإرهاب في المنطقة، وأن لها رغبة صادقة في تجاوز الخلافات التقنية بشأن ملفها النووي كمدخل للتباحث حول مختلف قضايا الإقليم، شريطة أن تطمئن طهران المجتمع الدولي حول سلمية برنامجها النووي بالتوقيع على بروتوكول التفتيش الإضافي، وحصر التخصيب في نسبة معقولة وبكمية محدودة تلبي حاجاتها من الوقود النوي للإستعمال في مجال الطاقة الكهربائية والبحث العلمي.

وواضح أن طهران كانت ترفض أي تعاون مع الإدارة الأمريكية لحل أزمات المنطقة قبل حل ملفها النووي بما يضمن حقوقها الطبيعية في دورة التخصيب والإنتاج للإستعمالات السلمية وفق ما تقره القوانين الدولية وبروتوكولات الوكالة الجاري بها العمل في هذا الشأن، ورفضت التوقيع على البوتوكول الإضافي، وفتح مواقعها العسكرية الحساسة للجان التفتيش لإدراكها أن مثل هذا المسعى يخدم أهداف إسرائيل، وذهب مسؤولوها حد تهديد الولايات المتحدة بضرب أسطولها الخامس في مضيق هورمز ومصالحها في المنطقة، مذكرة الإدارة الأمريكية بأنها تعد اليوم أكبر قوة عسكرية وصاروخية في الشرق الأوسط.

اليوم نستطيع القول أن تغييرا جذريا قد طرأ في رؤية أوباما لإيران، وأنه لم يعد أمامه من خيار سوى الإتفاق معها، والإعتراف بهاكدولة نووية محورية في المنطقة، لأن البديل كما قال هو نفسه، سيكون الحرب التي لا يريدها ولا يرغب أن ينهي حياته السياسية بالخراب فيلعنه التاريخ كما لعن من سبقوه لهذا الخيار.

غير أن مشكلة الرئيس تكمن في إسرائيل التي تحولت إلى عبء ثقيل على الولايات المتحدة، لدرجة إختلطت معها الأمور فلم يعد المواطن الأمريكي يعرف إن كان أوبامايدافع بسياساته المغامرة عن مصالح بلاده أم مصالح إسرائيل؟.. خصوصا بعد أن تبين أن حرب بوش على العراق التي خربت الإقتصاد والسمعة الأمريكية في المنطقة والعالم كانت خدمة لمصلحة “إسرائيل”، الأمر الذي استجلب عليها سخط شعوب العالم..

كما أنه أدرك ولو متأخرا، أن إسمرار إدارتهفي هذا النهج العدواني المقامر، سيقضي على مصالح الولايات المتحدة ويخرب إقتصادها الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق من المديونية الداخلية والخارجية بلغت وفق أرقام رسمية أكثر من 86 تريليون دولار، وطبعا لن تكون أوروبا والدول الدائرة في الفلك الأمريكي في مأمن من الهزة القادمة، وهناك تقارير تؤكد أن عام 2015، ستدخل الولايات الأمريكية والنظام الرأسمالي عموما مرحلة جديدة من الإنهيار الإقتصادي الكبير الذي قد يفجر إضطرابات داخلية عنيفة ومطالبة عديد الولايات الأمريكية بالإنفصال والإستقلال، وسيصل الإضطراب إلى قلب أوروبا أيضا.

كل هذه العوامل، جعلت الرئيس أوباما ينقلب على إستراتيجيته في الشرق الأوسط، ومعاودة الإتصال بالروسي من مدخل الحل السياسي في سورية، على أن تكون المرحلة القادمة لتمرير الوقت في إنتظار الإنتهاء من الحرب على الإرهاب باعتبارها أولوية الأولويات، وذلك، برغم الموقف المتشدد من الأزمة الأوكرانية، لكنها بداية لتصويب المسار لإعتماد الخيار الديبلوماسي والمفاوضات من أجل حل الأزمات ولو بشكل تدريجي قد لا يصل في مرحلته الأولى حد الإعتراف بروسيا كقطب دولي مشارك.. في إنتظار معرفة ما ستؤول إليه سياسات موسكو في ما له علاقة بمنظمة شانغهياي ومنظمة دول البريكس، والعملة الموحدة البديلة للدولار، وسياسة روسيا المستقبلية في مجال الطاقة، وسباق التسلح الذي يبدو أنه إنطلق على أشده بين القوتين، وتجاوزت روسيا أمريكا في مجال قوة الردع الإستراتيجي، لإدراكها أن حلف الناتو يتجه لمحاصرتها بهدف تفجيرها من الداخل والإستيلاء على ثرواتها الطبيعية الضخمة، ما جعل القيصر بوتين ينتهج مواجهة باردة تعتبر بالنسبة لبلاده بمثابة حرب وجود ومصير، كما هو الأمر بالنسبة لمكونات محور المقاومة من إيران إلى لبنان، وطبعا أوباما بحاجة إلى تعاون إيران وموسكو في أفغانستان التي تعتزم الإنسحاب منها في غضون السنة المقبلة.

غير أن الإمام خامنئي، سبق له وأن قال بأن إيران ستحارب الإرهاب بطريقتها، ولن تشارك في تحالف أمريكا لأنها تعتبر ما يقوم به هذا التحالف المشبوه في العراق وسورية مسرحية إستعراضية، وأن الحرب على الإرهاب يجب أن تبدأ من تجفيف منابعه الفكرية والمالية واللوجستية، ومنع الدول الداعمة له من ضخ مزيد من الإرهابيين إلى العراق وسورية، وكف طيران التحالف عن تزويد “داعش” بالسلاح والغذاء من الجو في محاولة بائسة لتسعير الحرب للضغط على طهران في ملفها النووي، وجرها للتعاون في محاربة الإرهاب.

وتتحدث تقارير اليوم عن دخول ما لا يقل عن 1000 إرهابي كل شهر لسورية من طريق تركيا، ناهيك عن محاولات أردوغان الخبيثة بدعم فرنسي قذر، لإقامة منطقة عازلة في الشمال السوري كشرط للمشاركة في التحالف، وقيام “إسرائيل” بنفس المسعى على طول الحدود مع سورية ولبنان.. وهو الأمر الذي رأى فيه أوباما إبتزازا غير مقبول.

كما وأن تردد أوباما وإتهامه بالضعف وعدم الحسم في مسألة إسقاط النظام في دمشق، مرده الحقيقي، إدراك الرئيس الأمريكي أن السعودية وإسرائيل كما تركيا وفرنسا يسعون جميعا لتوريط بلاده عسكريا في المنطقة، ما قد يسرع بتفجير الوضع العسكري إقليميا، وهو الذي سعى من خلال إستراتيجيته الغبية لتوريط أعدائه لا أن يورط بلاده.. وهذا ما يفسر إتهام بايدن لتركيا والسعودية والإمارات بدعم الإرهاب، وفعل ذات الشيىء رئيس الخزانة الأمريكية ومسؤولين آخرين، وتصاعدت حملة بريطانيا ضد قطر وصلت حد الطلب من الفيفا حرمان الدوحة من تنظيم كأس العالم سنة 2022 بسبب تورطها في تمويل الإرهاب، وزاد الطين بلة أن أعلن أمير قطر من لندن قبل أيام، أن بلاده كانت تساعد ما أسماه بـ”المعارضة المسلحة” بمعرفة وتنسيق مع المخابرات الأمريكية، أو بالعربي العامي: “لا تلوموا قطر، لأنو كنا طابخينو سوا ويا الأمريكي”.

والغريب في الأمر، أن الصحافة الصهيونية في الولايات المتحدة كانت تحاول إقناع البيت الأبيض بعدم جدوى التعاون مع إيران لمحاربة الإرهاب، من خلال التركيز على الإهتمام غير الإعتيادي الذي عم مؤخرا وسائل الإعلام الإيرانية والحليفة فيما له علاقة بدور رئيس العمليات الخارجية في الحرس الثوري وقائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني، وتسريب عدد من صوره وهو في ميدان المعركة في العراق، وتقديمه كبطل في الحرب على “داعش”، وهو الأمر الذي اعتبرته صحيفة فايننشال تايمز الأمريكية مثلا، أمرا غير مسبوق في الجمهورية الإسلامية التي لا تكرم قاداتها العسكريين سوى بعد وفاتهم.

وتعمدت الصحافة المناهضة لإيران إتهام “الشهيد الحي” بالفشل في حربه على الإرهاب، واعتبرت التركيز الإعلامي على دوره في العراق من قبل الإعلام الإيراني إنما جاء للتغطية على فشل طهران في الحرب على “داعش”، هذا علما أن المخابرات الأمريكية والأطلسية تجمع كلها، على أن الجنرال قاسم سليماني هو أخطر رجل أمني في الشرق الأوسط، وأنه كان من وراء فشل أمريكا في العراق إبان الإحتلال، وهزيمة “إسرائيل” في حرب لبنان الثانية، وفي حرب غزة الأخيرة، بل وفي سورية أيضا، وأنه محارب غير تقليدي، لا يدع أعداء إيران ينامون بهدوء، وأنه نجح فعلا في إبعاد الإرهاب والتوترات الأمنية عن حدود بلاده وحمى محور المقاومة.

لكن من يقفون وراء إنتقاد الرجل ومحاولة تشويه أسطورته التي أصبحت حديث الخاص والعام في المنطقة والعالم، لم يكونوا يتوقعون ما كان يحضر له هذا العقل الإستراتيجي الإستثنائي في الظل..

فجأة، تغيرت معطيات الميدان في العراق، وتحول الجيش العراقي المنهار إلى جيش جديد وقوة منظمة بعقيدة قتالية صلبة تحت قيادته، مدعما بقوات المقاومة الشعبية.. وفي ظرف قياسي لا يتجاوز الشهرين، تمكنمن إستيعاب صدمة الموصل،وإعادة الإنتشار، والمرور من الدفاع إلى الهجوم، وبداية تحرير المواقع والمناطق الواحدة تلو الأخرى..

بل الأخطر، أن اللواء قاسم سليماني نجح في إختراق “داعش” وكبدها خسائر فادحة في الأرواح بتصفية زهاء 2000 مقاتل، الأمر الذي دفع بالبغدادي إلى إرتكاب جرائم إبادة بشعة في حق العراقيين السنة مؤخرا “أبو النمر” وغيرها، واعترف علنا بحصول هذا الإختراق قبل أسبوع، وقال أنه سيعمل على تنقية قواته من المندسين، ومنع على قيادات قطعان دواعشهالقبول بمتطوعين من الجنسية العراقية.

وجاءت المفاجأة المدهشة التي لم تكن تتوقعها أمريكا وحلفاؤها المنافقين.. حيث قامت فرقة “الصقور” فيالإستخبارات العراقية الجديدة بقيادة الشهيد الحي قاسم سليماني،بتنظيم هجوم سري، مفاجىء ومركز، نفذه الطيران العراقي على موقع إجتماع البغدادي مع عدد هام من كبار قيادات الصف الأول، فقتل الجميع وأصيب خليفة المجرمين بجروح وصفت بالخطيرة، وتتحدث مصادر عن أن السعي جار لمبايعة خليفة جديد للدولة الداعشية الوهمية.. ومعلوم أن التركيز على ضرب رأس الإجرام والقيادات الكبيرة، من شأنه إضعاف التنظيم وإفقاده عنصر التحكم والسيطرة، وتشتيت قطعان مقاتليه المجرمين، ما يسهل الإجهاز عليهم، هذا بالإضافة لمحاصرتهم وقطع الإمدادات عن المناطق التي يتحصنون فيها خلف المدنيين.

وقد أوردت صحيفة الحياة نقلا عن قناة “العربية” لائحة بأسماء قياديي “داعش” الذين قضوا في غارة قالت عنها أنها أمريكية نفذت على مقر اجتماع سري لهم في القائم، وهم: مفتي التنظيم أحمد عوض السلماني، والمسؤول الأمني سامر محمد المحلاوي، ومسؤول التنظيم في بلدة راوة كنعان عبود مهيدي، والمسؤول في بلدة عانة وليد ذياب العاني، والمسؤول في الفرات أبوزهراء المحمدي. أما أخطر المصابين من قياديي التنظيم فزعيمه في القائم أبوأنس، وعناصر أخرى لم يتحقق بعد من أسمائها.

ليتبين بعد ذلك، أن أمريكا ووفق تصريح مسؤوليها، لا علم لها بما حدث، وأنها لا تعلم إن كان البغدادي قد أصيب أم لا.. ثم جاء تأكيد السلطات العراقية ليقطع الشك باليقين، ويوضح أن الغارة على مقر القائم نفذها الطيران العراقي بتخطيط وتوجيه من فرقة الصقور بالمخابرات العراقية.

هذه الواقعة، التي جاءت مع إنطلاق المفاوضات الثنائية الأمريكية الإيرانية حول النووي في مسقط الأحد والإثنين، كانت رسالة واضحة لما تستطيع فعله إيران في محاربة الإرهاب، ولقدرة رجل المهمات المستحيلة ودراع القائد خامئني الأمني على صنع المعجزات.. وإذا أضفنا لأحداث العراق ما يحصل من تقدم كبير وحاسم للجيش العربي السوري على إمتداد جغرافية الوطن السوري الحبيب، والهزائم الكبيرة التي تلحق بمرتزقة السعودية وقطر وتركيا، نستطيع القول أن الصورة أصبحت واضحة لدى أوباما، من أن مصلحة أمريكا والغرب هي في التحالف مع إيران القوية، والحفاظ على سورية الصلبة الصامدة، لأن الفوضى في سورية ستنعكس حكما على كل دول المنطقة بمن فيها مهلكة الشر والظلام و”إسرائيل”.

إستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تؤكد أن 84% من يهود الولايات المتحدة يقفون ضد سياسات “النتن ياهو” في المنطقة، ويؤيدون عقد إتفاق مع إيران لإنهاء الفوضى الضاربة في أطناب الشرق الأوسط الممزق، خشية مما لا تحمد عقباه.. هذا المعطى وفق الصحافة الأمريكية، جعل أوباما لا يعير إهتماما لصراخ “النتن ياهو” أو لمعارضة المحافظين الجدد في الكونجرس، علما أن نفس الحالة اليوم كانت قائمة زمن عقد إتفاق المصالحة مع الصين، والذي أنهى مقاطعة دامت لعشرين سنة، ولم ينعكس سلبا على اليابان حليفة أمريكا.

مراكز الدراسات الأمريكية تكاد تجمع اليوم على أن الشرق الأوسط ينهار بسرعة، ومنها من حملمسئولية هذا الإنهيار الدراماتيكي إلى كل من جورج دبليو بوش الذي اتخذ قرارا يفتقر إلى الحكمة بدخول العراق عام 2003، وأوباما الذي انسحب منه في وقت مبكر دون أن يستتب الأمن والإستقرار، إضافة إلى مشاركة الإدارة الأمريكية حاليا في الأزمة السورية بطريقة أكسبتها كراهية في العالم العربي والإسلامي، بل وفي مناطق آسيا وأمريكا اللاتينية.

وخلاصة ما يمكن قوله، أنه وبفضل “داعش” وأخواتها، دخلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عصر الفوضى الشاملة، ولن يكون في مقدور أمريكا وحلفائها إيقاف هذا الإنهيار الدراماتيكي الخطير، إلا بالتحالف مع إيران التي تعتبر أكبر قوة مستقرة اليوم في المنطقة، وقادرة على التأثير على الأحداث بمعية حلفائها الأقوياء، بشكل يضمن الأمن والإستقرار، ويؤمن مصالح الشعوب أولا، ومصالح أمريكا وروسيا والصين والدول الغربية في إطار من إحترام سيادة الدول وشرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني.. غير ذلك، ستتجه المنطقة للإنفجار الكبير والعالم إلى صدام على قد يقضي إلى حرب عالمية ثالثة بدأ الحديث عنها يتصاعد بشكل مقلق من قبل الخبراء في الغرب.

لقد وصلت سياسة حافة الهاوية التي انتهجها الرئيس أوباما إلى نقطة النهاية، وصراع الإرادات وصلت منتهاها، ولم يعد معها بد من الوقوف للحظة ومراجعة الخيارات والسياسات، فإما العودة إلى العقل والمنطق والحوار، أو ترك الأمور تنفلت من عقالها..

وأمام أوباما اليوم أسبوعان بعد إجتماع مسقط الذي حرص الجانبان على أن تظل المداولات سرية، ليقرر ما الذي عليه فعله يوم 24 من الجاري، لأن الكرة في ملعبه، وإيران لن تخسر في حال قرر الرئيس عدم التوقيع، وهو أمر جد مستبعد، لأنه يعني ببساطة.. قفزة نحو المجهول وإستحالة العودة لما قبل إجتماع مسقط نهاية عام 2012، حيث كانت البداية.. لأن إيران أعلنت رسميا رفضها العودة لمثل هذا السيناريو العبثي.

ولسوء حظ أوباما أن من يقرر الموافقة أو الرفض في النهاية هو الإمام خامنئي شخصيا، أما الفريق المفاوض فينفذ التوجيهات فحسب، وفي حال لم يوافق الرئيس الأمريكي على شروط قائد الثورة مكرها لا بطلا، فسيقامر بمصالح بلاده ويخسر آخر أوراقه..

حينها على الشرق الأوسط السلام.. لأن هذا القائد الصلب لا يمزح، ولا يلين، ولا يساوم على الحق، وقواته العسكرية وشعبه المقاوم مستعد لكل الإحتمالات.. وبالتالي، لا خيار أمام أوباما سوى القبول بشورط طهران أو الإستعداد ليوم الله الأكبر التي ستدفع فيه “إسرائيل” الثمن الكبير.

أحمد الشرقاوي | وكالة أوقات الشام الإخبارية

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock